بعد غروب الشمس ورحيل الصخب الذي كان يملأ الحياة من حولنا، جلستُ أنا وذاتي على ضفة نهر، نتحاور عن روعة الوجود، على الرغم من أننا نجهل معظمه.
قطع تحاورنا صوتُ ساعةٍ قديمة ينساب من مكانٍ بعيد، تعلن دقاتُها اقترابَ المساء.
قلتُ لذاتي:
- لنتمنَّ اليوم أمنيةً غير مسبوقة.
قالت ذاتي، وهي تنظر إلى ألوان الشفق:
- أمنيتي أن ينتهي قانون الضد.
سألتها:
- كيف؟ وهو قانونٌ تعريفيٌّ للأشياء، ومعرفةُ الشيء لا تكون إلا بضده. ألسنا نعرف النور بالظلام، والفرح بالحزن؟
ردَّت بهدوء:
- لا أقصد المعرفة السطحية أو العنوانية، بل المعرفة الحقيقية، وهي أبعد من أن تُعرف بالضد، كأن نغسل الماء بماءٍ آخر... ألا يحدث هذا الشيء؟
صمتُّ برهةً أحاول أن أتخيّل عالمًا لا يحتاج إلى الأضداد كي يُفهم.
سألتني ذاتي:
- أما زلتِ تسمعينني؟
قلتُ:
- نعم، لعلّكِ محقّة. فالماء لا يحتاج إلى ماءٍ آخر كي يغتسل، وربما نحن الذين نحتاج إلى أن نغسل أرواحنا من كل ما علق بها من أضداد، حينها نستطيع الوصول إلى الحقيقة.
قالت:
- نعم، بالضبط. ليس بالضرورة أن نمر بالحرب قبل أن نعيش السلام، فالأشياء النقية يمكن أن تصبح أكثر نقاءً دون أن يكون هناك ما يلوثها.
قلتُ باستغراب:
- تريدين القول إن للنقاء مراتبَ لا تنتهي؟
قالت:
- هذا ما قصدته تمامًا.
قلتُ:
- لكن كيف السبيل إلى ذلك، وقد اعتاد الإنسان أن يفهم العالم بهذه الثنائية؟
ردَّت ذاتي:
- يستطيع الإنسان، إذا أراد، أن يصل إلى الحقيقة مباشرةً، دون أن يضطر إلى المرور بنقيضها؛ فالوجود أوسع من هذه التقسيمات.
صمتتْ ذاتي، وتركتني أذهب إلى مكانٍ قصيّ، إلى مكانٍ أتمكن فيه من جمع دقات كل الساعات في العالم، وأضعها في نقطة سكونٍ واحدة، حتى يتوقف الزمن لحظةً، وبعدها أطلقها جميعًا من جديد، لتبدأ الحياة وكأنها تولد للمرة الأولى.
عدتُ إلى ضفة النهر، فلم أجد ذاتي. لم يبقَ هناك سوى آثار جلستها على العشب، أما الساعة البعيدة، فقد صمتت.
للمرة الأولى، لم أكن اعرف إن كان الزمن قد مضى، أم أنه كان ينتظر أمنيتي؟
قطع تحاورنا صوتُ ساعةٍ قديمة ينساب من مكانٍ بعيد، تعلن دقاتُها اقترابَ المساء.
قلتُ لذاتي:
- لنتمنَّ اليوم أمنيةً غير مسبوقة.
قالت ذاتي، وهي تنظر إلى ألوان الشفق:
- أمنيتي أن ينتهي قانون الضد.
سألتها:
- كيف؟ وهو قانونٌ تعريفيٌّ للأشياء، ومعرفةُ الشيء لا تكون إلا بضده. ألسنا نعرف النور بالظلام، والفرح بالحزن؟
ردَّت بهدوء:
- لا أقصد المعرفة السطحية أو العنوانية، بل المعرفة الحقيقية، وهي أبعد من أن تُعرف بالضد، كأن نغسل الماء بماءٍ آخر... ألا يحدث هذا الشيء؟
صمتُّ برهةً أحاول أن أتخيّل عالمًا لا يحتاج إلى الأضداد كي يُفهم.
سألتني ذاتي:
- أما زلتِ تسمعينني؟
قلتُ:
- نعم، لعلّكِ محقّة. فالماء لا يحتاج إلى ماءٍ آخر كي يغتسل، وربما نحن الذين نحتاج إلى أن نغسل أرواحنا من كل ما علق بها من أضداد، حينها نستطيع الوصول إلى الحقيقة.
قالت:
- نعم، بالضبط. ليس بالضرورة أن نمر بالحرب قبل أن نعيش السلام، فالأشياء النقية يمكن أن تصبح أكثر نقاءً دون أن يكون هناك ما يلوثها.
قلتُ باستغراب:
- تريدين القول إن للنقاء مراتبَ لا تنتهي؟
قالت:
- هذا ما قصدته تمامًا.
قلتُ:
- لكن كيف السبيل إلى ذلك، وقد اعتاد الإنسان أن يفهم العالم بهذه الثنائية؟
ردَّت ذاتي:
- يستطيع الإنسان، إذا أراد، أن يصل إلى الحقيقة مباشرةً، دون أن يضطر إلى المرور بنقيضها؛ فالوجود أوسع من هذه التقسيمات.
صمتتْ ذاتي، وتركتني أذهب إلى مكانٍ قصيّ، إلى مكانٍ أتمكن فيه من جمع دقات كل الساعات في العالم، وأضعها في نقطة سكونٍ واحدة، حتى يتوقف الزمن لحظةً، وبعدها أطلقها جميعًا من جديد، لتبدأ الحياة وكأنها تولد للمرة الأولى.
عدتُ إلى ضفة النهر، فلم أجد ذاتي. لم يبقَ هناك سوى آثار جلستها على العشب، أما الساعة البعيدة، فقد صمتت.
للمرة الأولى، لم أكن اعرف إن كان الزمن قد مضى، أم أنه كان ينتظر أمنيتي؟