السي حاميد اليوسفي - بين بق فرنسا وجيش مهدي الكسّال... قصة قصيرة

فتح الجريدة على خبر بدا غريبا.. مدينة باريس إحدى رموز الحضارة الحديثة بكل قدها وقامتها، يغزوها البق هذه الأيام.. في البداية لم يصدق الخبر.. اعتقد أنه مزحة من مزح وسائط التواصل الاجتماعي، انتقلت عدواها إلى الجرائد والمواقع الإخبارية..
قال علي:
ـ ولكن البق لا يظهر إلا في الظلام.. ويختفي مع ضوء النهار بعد أن يملأ بطنه بما امتصه من دماء.. فلماذا يفعل عكس ذلك في باريس؟
رد سلام بسخرية:
ـ ربما لأن أنوار المدينة خفتت وسط العتمة، ولم تعد تنير فضاءاتها بما يكفي من الضوء..
أضاف علي:
ـ كم هو مؤلم أن يُمرغ البق أنف الارستقراطية الباريسية في التراب!
رد سلام بتهكم:
ـ كم هو مؤلم أيضا للأرستقراطية عندنا التي ألفت أن تفخر باقتناء كل ما تحتاجه من عطور وأحذية وأقمشة من متاجر باريس.. ربما أصبح اليوم التسوق من عاصمة الأنوار سبة، أو مذلة مقترنة بوصمة البق..
بعد ذلك ساد صمت طويل بينهما.. فتح سلام كتابا كان موضوعا فوق الطاولة، وانشغل في القراءة.. بينما جال علي ببصره بعيدا، وتذكر أن القمل والبق والبرغوث حشرات خبرها عن قرب في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. هذا النوع من الحشرات كان يسكن البيوت التي سقوفها من خشب، ويختبئ في الجبص والأغطية والأفرشة والألبسة، وبعضها يسكن شعر الرأس..
تذكر مدير المدرسة والمعلم الذي يقص شعر الأطفال، وينفخ برابوز صغير مشحون بدواء القمل، على الرؤوس أمام باب المدرسة الابتدائية!
ثم عرج على صورة النساء في جلسة المساء بعد الانتهاء من عمل المنزل.. وكيف يمشطن شعر الفتيات، ويفحصنه ويُنقّينه من القمل، ويُرطّبنه بزيت الزيتون قبل غسله في اليوم الموالي..
لم ينس (مّالين الحمام) في جامع الفنا.. بن فايدة يسأل والشرقاوي يجيب:
ـ البق من أين؟
ـ البق مراكشي!
ـ والبرغوث من أين؟
ـ البرغوث صويري!
عادت صورة المهدي الكسال أمام مقهى الحي، وهو يحكي عن تجربته مع الاستعمار.. قال المسكين:
ـ إن المغاربة عانوا من استعمار واحد هو فرنسا، أما أنا فقد عانيت من استعمارين، فرنسا وأخي الذي اشتغلت معه عشرين عامًا بلا أجر.
عندما تدخل الغرفة التي يسكن فيها مهدي ستلاحظ للوهلة الأولى أن أثاثها متواضع وباهت بلا ألوان.. أول ما يثير الانتباه حصير يحتل نصف الغرفة، وسرير كبير بجانبه صندوق خشبي لحفظ الملابس والممتلكات الخاصة والصغيرة. وفي الركن الأيسر ما تيسر من أدوات الطبخ، بجانبها قلة ماء للشرب.. عندما يراك تحملق في الجدران المنقطة بالدماء، ولا تفهم مصدرها، يبتسم ويعلق بسخرية:
ـ تعودت على قضاء الليل في حرب مع الجيش الأحمر..
ثم يضيف بسخرية الكبار:
حفظنا وحفظكم الله من بق فرنسا ومن جيش الغرفة الأحمر..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...