نسيتُ أن أستأذنَ قلبي

أكتبُ لكَ الآن
كما تُتركُ نافذةٌ مواربةٌ في بيتٍ
غادره أهله...

أنا التي أغلقتُ الباب بيدٍ مرتعشة،
ونسيتُ أن أستأذن قلبي.

وقفتُ طويلًا هناك،
أفتِّشُ في المرايا عن لهفةِ ذكراك،
وعن هيئةٍ لا تكونُ مشبعةً بكَ...

لم أجد.

وأحيانًا،
تخذلني حتى تلكَ النظرةُ
التي كنتَ تتركها في عينيَّ،
ثم تمضي...

وأبقى بعدها
أرتّبُ ارتباكَ قُبلةٍ
تاهت بيننا...

كأنكَ لا تعرفُ
أنني ظللتُ طويلًا
أبحثُ عن نفسي.

وما زلتُ أرتكبُ ذنبَ الحنينِ
بكاملِ طوعي،
وأعودُ أُردّدُكَ سرًّا:

هو قلبي،
لا أدري ماذا أفعل به!

كلَّ ليلةٍ،
يعيدُ معي ترتيب النجوم،
كي لا يضلَّ طريقه إليكَ.

أحسبُ أنني بالخطوةِ وحدها
أُعتقُ روحي...

فإذا بالمسافةِ مرآةٌ،
وإذا بي،
كلما أوغلتُ في التيهِ،
أطأُ ظلَّكَ المنسكبَ في دمي.

وحدكَ...
ما زلتَ تسكنُني
أكثرَ منّي.

أتعرفُ ما الذي لم أقله لكَ؟

منذ ابتعدتُ، وأنا أتعثرُ بكَ
في كلِّ جهةٍ
هربتُ إليها منكَ.

أُحاولُ عبثًا أن أرتديَ ثوبَ القسوة،
أن أمرَّ بكَ في ذاكرتي
كأنني لا أعرفُكَ...

كل شيء هنا يدلُّني عليك؛
نبرةُ الضوء،
رائحةُ المكان،
وارتعاشةُ ظلٍّ على نافذة الصباح.

حتى تلكَ الأمكنةُ
التي شهدتْ أحاديثَ الهوى،
وأغنياتِ العصافير،
تعاتبني على جنايةِ الغياب:

كيف تركنا أنصافَ أرواحنا هناك...
معلَّقةً
على حوافِّ الأيام؟

فأعودُ مهزومةً بهذا الحبِّ
وكلما حاولتُ إخفاءَه،
تسرَّب منّي إليكَ..

أحيانًا...
أتساءلُ في سرّي:
ماذا لو التقينا صدفةً،
على عتبةِ تلك النصوص..
هل سترتجف كفّانا خجلًا؟
أم سنمرّ كغريبين أنيقين،

نخفي تحتَ مظلّةِ الصمت...
كل هذه الحرائق؟

أيُّ خسارةٍ هذه،
تلك التي كلما ظننتُ أنني خرجتُ منها،
وجدتُكَ أكبرَ في قلبي؟

كيف للحبِّ،
بعد كلِّ هذا البعد،
أن يبقى حافظًا
لعنوانِ قلبَيْنا؟

وأنا التي ما زلتُ
أُرتِّقُ فتوقَ أغنيتي
بإبرةِ السَّلوان...

ما إن يبتسمُ الفجرُ
على جهةٍ أخرى تشبهنا،
حتى يخرقَ الدمعُ سترَ التجاوز،

ونعود...
أنا وأنتَ،
في سطرين متباعدين،
نبكي الحكايةَ دون أن نستدعيَ الأسماء.

يُخيَّلُ إليَّ أحيانًا
أنَّ النسيانَ قميصٌ واسعٌ،
ارتديتُه زمنًا طويلًا،
طويلًا،
لأبدو بعيدةً عنكَ...

لكنَّه عند أولِ ارتعاشةِ حنينٍ
يضيقُ على خاصرةِ أغنيتي،
ويعيدني إليكَ.

أنا لا أريدُ رهانًا آخر...
يكفيني السؤالُ العالقُ بيننا:

كيف لمسافةِ السنوات،
والأرض،
والغياب،
أن تصيرَ هشّةً هكذا؟

ما إن يمرَّ عابرٌ مجهولٌ،
فيهمسَ باسمكَ الحنونِ بقربي،
أو تلمعَ في الذاكرةِ
ضحكتُكَ تلك،
فيختلَّ كلُّ ما رتّبتُه للنسيان.

آه...

هل أخبرتُكَ
أنني كلَّ مساءٍ
أضعُ يدي على فمِ الحنين،
وأقولُ له:

كفَّ عن هذيانك...
لقد مضى كلٌّ منّا
إلى غيمةٍ
شاردة.

فيضحكُ قلبي
من كذبِ صوتي،
وتفضحني بُحَّةُ الحروفُ
التي تركتها مبتورةً
على حوافِّ قصائدي.

لا أدري ماذا فعلتَ بي،

وكيف أفسدَ قلبي عليَّ الأمر،
وأعادَ فوضاك داخلي
على هيئةِ بداية أخرى
تشبهنا!

أنا فقط أعرفُ شيئًا واحدًا،
سرًّا صغيرًا
لم أخبر به أحدًا:

أنَّ ربيعَ قلبي
كان يزهرُ
حين كنتَ هنا،
تغفو بقربي تراتيلُك...

أجل...
أنتَ،
كما كنتَ دائمًا.

كأنَّ قلبي،
منذُ لقائنا الحلو الأخير،
اختار لكَ مكانًا
لا تصلُ إليه المسافات.

أعلمُ أنك تقرأ الآن،
افتضاحَ ارتباكي
ثَمِلًا بكَ...

والصمتُ الأنيقُ بيننا
يصحو متلبسًا بي... بكَ،
حيث لا نحتاجُ إلى اعترافٍ أخير.

كأنَّ الفراقَ لم يحدث،
وكأنَّ الحكايةَ يا حبيبي
ما زالت
تطعمنا...
من قمحِ قلبَيْنا.

12 أغسطس 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...