إبراهيم محمود - الكلاب.. الكلاب... قصة




كثيراً ما أقول في نفسي، عن أننا معشر الكلاب، أخطأنا الخطأ الذي لا يُغتفَر، عندما تحولنا في قطيع منا، من الحالة البرّية إلى الحالة الأهلية. لكَم نصحَنا أشقاؤنا البرّيون، وحتى الذين يناصبونهم العداء من الضواري، عن تجنب سلوك هذا الطريق المهلك، لعلَّهم كانوا يعلمون بحدسهم ما سيكون عليه وضعنا، وأكثر من ذلك، وهو شعورهم الضمني، بأن ذلك سيُحسَب نقطةً عليهم لصالح هؤلاء الذين ضللونا بمكانتهم، وهم لا يستحقون علاقة قربى كهذه.
لقد وقعْنا في شرَك لا خلاص منه، حيث أصبحنا أهليين. ويا لها من مفارقة أن نصبح أهليين، ونفقد كل مكانة للأهليين الخاصين بنا خارجاً.
جرّبنا الكثير من المحاولات للخروج من هذا الشرَك دون جدوى، وقد زادونا إذلالاً.
منعونا من اللقاء بأشقائنا البرّيين، بزعم أن ذلك يسيء إلى مكانتنا بينهم، وإلى سمعتهم.
يا لها من صورة منمقة ومضحكة .
الوحيد الذي رأينا فيه مؤاسياً لنا هو الثعلب الذي يعيش على تخوم العلاقات بين البرّي والأهلي.
قال لي في لقاء خاص جداً: كنت أعرف أن هذه العلاقة لن تكون لصالحكم، ومنذ متى كان الدخول في علاقة مع هؤلاء الذين يُسمّون أنفسهم بشراً، من جهة أي منا، حتى الضواري وحتى السباع، لصالحه؟
أشرتُ بعين الحذر إلى الواقف على مبعدة عنا، وهو يحمل عصا غليظة، وكأنه يهدد، وينذر بالدخول وإنزال العقاب فينا، حين يرى ضرورة في ذلك، كعادته وعادة بني جلدته:
-انظر إليه، وكيف يركّز بعينيه علينا؟
تجاهلْه وأنت تتحدث إلي، ملؤه ريبة مذ وجِد سلفه الأول. ماذا تقول في سليل من قتل أخاه ، فكيف الحال معكم؟
صعقني بما ذكّرني به. لم أفطن إلى هذه الواقعة:
-لقد خُدِعنا بالقوانين التي وضعوها، وقلنا أن في ذلك اعتباراً لبني جنسنا نحن الكلاب أيضاً؟
هز الثعلب رأسه، وردَّ بسخرية:
-بهذه القوانين الموضوعة، يمارسون ذبحاً وقتلاً وتجريحاً وإيلاماً في بعضهم بعضاً. ألم تقرأ تاريخ حروبهم وصراعاتهم وأفعالهم في بعضهم بعضاً تلك التي أخجل أنا بثعلبيتي هذه،عن ذكرها، فكيف الأمر مع المختلفين عنهم كلياً؟
أبديت أسفاً وقلت:
يبدو أن ما هو بعيد عن العين يُخدِع.
هز رأسه وقال مستمراً في سخريته:
صح النوم !
ثم علَّق:
آه، لا تلامون على ما أنتم عليه من بؤس حال، لأن أولئك مارسوا غسيلاً لأدمغتكم وأنسوكم حتى من تكونون أنتم .
هززت رأسي موافقاً، وقلت:
هو ما قلتَ.
ثم أردفت قائلاً:
تصور، أنهم يطلقون علينا أسماء لا شأن لنا بها، وعلينا أن نتجاوب معهم من خلالها، حتى أنهم لم يتركوا شيئاً فينا إلا وأهانونا به، كما في قولهم: أعوج مثل ذيل الكلب، مثل بصبصة الكلب وهو يهز رأسه، عيشة كلب، ذليل مثل كلب، ينبح مثل كلب.." وما دخل نباحنا بما يجري بينهم من خلافات ؟"......
قاطعني الثعلب بقوله:
وأنتم الوحيدون الذين تحرسونهم ليل نهار، وتخدمونهم ليل نهار، وتدافعون عنهم ليل نهار، ولا تدخرون جهداً في تلبية حاجاتهم، وما أكثرها ليل نهار، في بيوتهم وعلى مشارفها وأبعد أبعد، وفي جناياتهم..
هززت رأسي علامة الموافقة في الحال .
ثم أوضح ما فاتني التفكير فيه:
ولهذا يتمسكون بكم، ليس حباً بكم، وإنما حرصاً على مصالحهم وعلاقاتهم. تصوروا، هل تصورتم ما أقوله؟ أنكم خرجتم من حياتهم، وعدتم إلى كلبيتكم، أي فراغ لا يُسَد ستتركونه وراءكم، وأي حياة هزيلة، حياة تصبح عبئاً عليهم يستحيل عليهم التكيف معها، بسبب مكانتكم والمهام التي قمتم وتقومون فيها؟
حتى تلك الأطعمة التي ابتدعوها وخصصوا لها رفوفاً كاملة في سوبرماركاتهم وتتوقف عليكم، ومستوصفاتهم الطبية التي تحمل اسمكم وصورتكم، ليس حرصاً على سلامتكم وصحتكم، وإنما حرصاً على أنانيتهم، وليزيدوا في اذلالكم ، ويبقى اسم كل منكم شكلياً.
آلمني كل ما سمعته من الثعلب هذا الشاهد البليغ على ما يجري، وقلت :
وما الحل؟
ضحك قليلاً، وقال، وكأنه يسخر مني:
وماذا ستقدمون لي إذا وافيتكم بالحل ؟
بادرته سريعاً بالتالي:
سنوفر لك كامل احتياجاتك من الدجاج الذي تشتهي؟
هز رأسه وردّ ساخراً:
توقعت ذلك، لن أتصرف معكم كما هم، أنا أستطيع الحصول على ما أريد بنفسي، كما تعلمون جيداً ما يخصني في تاريخي الطويل، سوى أنني أقول عبارة واحدة:
وضعكم صعب، في ضوء ما أنتم عليه، القرار يتوقف عليكم وحدكم جميعاً.
كأني أدركت إلى ماذا يرمي الثعلب والتأكيد عليه.
كما استنتجت من كلام صديقنا الثعلب، كان علينا أن نجتمع، ونواجه مصيرنا ولا رجعة لنا عن ذلك.
عندما زحفنا جموعاً، وعيوننا تتجه إلى الحدود الفاصلة بيننا وبينهم، وقبيل متاخمة الحدود تلك، فوجئنا بظلال سميكة وعالية تسربلنا، دققنا فيها، كانت تلك ظلال عصيهم الغليظة وقد رفعوها عالياً، وهي موجهة إلينا كالحراب.
توقفنا مكرهين، ونظرنا في عيون بعضنا بعضاً، ونحن نتبادل النظرات في ذهول!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...