فاطمة البسريني - شاشة هاتف نقال...

كنت جالسة على مقعد في الحافلة التي كانت تسير تحت المطر الغزير، حين لاحت لي نظرات إلى مواضع أقدام المسافرين على أرضية الحافلة، وقد ابتلت بمياه سوداء حملتها الأحذية من الخارج، من الإسفلت.
بعد أن انتهى تركيزي على ذلك، وعدّلت من جلستي، تبادرت إلى ذهني فكرة مفاجئة: إلى أي مدى يكون العيش مجرد وجود؟
كانت تلك الفكرة وليدة منظر الأقدام؛ أقدام المسافرين الذين لا يرون تلك الأوساخ، مع أنهم هم الذين جاؤوا بها.
وكانت الفكرة أيضاً وليدة الليل الذي بدأ يرخي سدوله على الكون، ووليدة ذلك الطفل الذي كان يصرخ في هذه المساحة الضيقة والحديدية، وكذلك بسبب توقف الحافلة مدة غير قصيرة نتيجة الازدحام، وادعاء شخص ما أن محفظته سُرقت منه للتو على متن هذه الحافلة.
أوساخ، ليل، صراخ وبكاء، وسرقة…
ومع ذلك، كان جميع المسافرين الآخرين، الجالسين على مقاعدهم مثلي، هادئين جداً. الكل، بعد أن نظر قليلاً وأنصت لبرهة قصيرة إلى المشادّة التي حدثت بين السائق وضحية السرقة والمتهم بها، عاد بسرعة وأغرق نفسه في شاشة هاتفه النقال، بكل ما يوحي به ذلك من تعاسة وحزن.
لا، لم يكن الجميع كذلك.
كان هناك عجوز واحد، ذو عينين صغيرتين برّاقتين، يبتسم وكأنه ينظر إلى الموت وجهاً لوجه.
تفحَّصت ملامحه سريعاً، فدارت بخلدي فكرة أوحى بها إليّ منظره:
ترى، هل هو من ذلك النوع من البشر الذين يؤمنون بأنهم يعيشون وينسون فكرة أن الطريق ليست سوى وسيلة للوصول إلى هدف، أو نقطة، أو مكان ما في هذه الدنيا؟
هل يكون قد وصل، لذلك يبتسم؟
وهل ينظر إلى كلِّ دقيقة من حياته التي مضت بذلك الهدوء والسلام؟
وفي محاولة لإقناع نفسي بفكرتي، تابعت تحليلي لها، مؤكِّدة على نفسي أنه يجب أن نقتنع ونسلّم بأن الحياة ليست بتلك السهولة، وأن الأشياء تصبح أكثر ثقلاً عند الصباح العاري، وأن علينا أن نكمل الطريق إلى نهايته، وإلى أقصى حدود ما يجب أن نعيشه.
وكأنني انتهيت من فكرتي الغريبة تلك، حوّلت نظري تجاه النافذة.
لكن لماذا، عندما نظرت من زجاجها إلى الخارج، واجهتني السماء بتجهمها، وسواد تلك السحب التي لا تريد أن تنقطع عن البكاء على حالنا؟
ولماذا أحسست بتلك الرغبة الرهيبة في أن أطلب من سائق الحافلة أن يتوقف، وأنزل منها بأقصى سرعة، وأسير راكضة على ذلك الإسفلت الممتد أمامي إلى ما لا نهاية؟
لكن، الحمد لله، صرخ ذلك الطفل صرخة قوية جعلت كل الموجودين يستفيقون، ويخرجون أنوفهم من شاشات هواتفهم لينظروا إليه لمدة لم تتجاوز الثانية، ثم يعودوا إليها ويغرقوا فيها من جديد.
أما تلك الصرخة، فقد حطمت رغبتي في الركض، وجعلتني أتوقف عن التنفس للحظة، وكأنني سأُغمى عليّ، وأخذت أصارع كي أتذكر التنفس من جديد، كما يحدث معي في مثل هذه المواقف.
وحين عدت إلى نفسي، طافت بذهني فكرة أخرى أكثر جدية. هززت كتفي باستسلام، متأكدة أن هذه هي قصتنا نحن الآدميين الذين يحاولون إيجاد سبب للعيش في عالم يصعب فيه التعايش.
لم يكن ذلك مهماً جداً؛ لأن هناك أوقاتاً تتدمِّر فيها حياتنا، ويندثر كل شيء فيها، رغم أننا نكون قد بدأنا لتونا في بناء جدراننا.
ثم قلت في نفسي:
— لكن لماذا لا تصل هذه الحافلة أبداً؟ ولماذا مازالت تسير دون توقُّف؟
نظرت أمامي في دهشة، فلم أرَ السائق في مقعده.
جال بصري حولي في فزع، لألاحظ برعب أن كل راكب من ركاب الحافلة قد غرق فعلاً في شاشة هاتفه، وأن المقاعد قد خلت منهم. وفي كل مقعد كان هناك هاتف نقال، يبرز منه وجه صاحبه مستغيثاً، وقد علت ملامحه تعابير الهلع والخوف، فأصابتني الرهبة والفزع.
استعمر ذهني سؤال رهيب:
— ماذا يحدث لي؟ كيف امتص كل هاتف صاحبه دون رحمة؟
حاولت الوقوف وأنا أتشبث بمقعدي، لكنني لم أتمكن من ذلك؛ فقد مالت الحافلة إلى الجهة الأخرى، ما جعلني أعود إلى الجلوس مرتطمة بالمقعد بعنف.
هل فقد السائق السيطرة على الحافلة؟ هل لم يعد يتحكَّم فيها؟
وتذكَّرت أن هاتفه ابتلعه هو الآخر.
حاولت الصراخ، فلم أتمكن أيضاً. توقَّف صوتي في حلقي إلى درجة الألم.
أسئلة كثيرة بلا جواب:
— لماذا أشعر وكأنني مشلولة؟
— لماذا لم يأخذني هاتفي مثل جميع الركاب؟
— هل لأنني لم أستعمله طوال الطريق، بينما كنت منشغلة بأفكاري الهوجاء وبالمسافرين؟
— أين الشوارع والأضواء الباهتة تحت حبَّات المطر؟
— أين المقاهي وأنوارها الزرقاء والبنفسجية التي تؤكِّد أن النهار مات؟
وفجأة، انحسر المطر الغزير كما أتى، على حين غفلة، لكن الحافلة ظلت تسير بسرعة فائقة، ولم يعد هناك ما يدلّني على وجهتها. لم أكن أكاد أرى شيئاً على جانبي الطريق أو أمام الحافلة.
حاولت مرة أخرى أن أنهض من مقعدي، لكن…
— آه… أووه!
ارتطم رأسي بشيء حديدي.
ولحد الآن، لا أعرف إن كنت قد دخلت في غيبوبة، وهل توقَّفت الحافلة أم مازالت تمخر عباب الطريق بصورة عشوائية مسعورة، دون سائق.
كل ما أحسست به فعلاً أنني غرقت في شاشة هاتفي النقَّال، ووقعت في فخِّه، فقط لأنني كنت أريد معرفة كم الساعة.
وأنني مازلت أتخبَّط هناك، ولا أستطيع النجاة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...