أمل عايد البابلي - سيرةُ ظلٍّ نجا من صاحبه

لا نافذةَ هنا...
إنّها العينُ
بعد أن خلعها الضوءُ
وعلّقها على مسمارِ الفجر.
الصباحُ
ورقةُ تشريحٍ
ينسى الجرّاحُ داخلها قلبَه.
راديو يابسٌ
ينزفُ أغنيةً
كلما فتحَ فمَه
خرجتْ منه
طفولةٌ يتيمة تبحثُ عن أمٍّ
توفّيتْ قبل أن تُولد.
الطريقُ
عضلةٌ في جسدِ الفراغ،
يتمرّنُ كلَّ يوم على ابتلاعِ الجهات،
ثم يتقيّأ خرائطَ
لا تؤدّي إلا إلى الوراء.
المارّةُ؟
ليسوا بشراً...
إنّهم هوامشُ
سقطتْ من كتابٍ
كان اللهُ يقرأهُ
ثم أغلقهُ قبل نهايةِ الجملة.
كوبُ الشاي
حفرةٌ صغيرة يشربُها العطش،
وفي قاعِها يغرقُ الوقتُ
وهوَ يلوّحُ بمنديلِ أمس.
الذاكرةُ
تأكلُ أصابعَها
كي لا تشيرَ إلى القتيل.
والمدينةُ...
تستبدلُ شوارعَها
بشرايينِ المارّة،
حتى إذا توقّفَ أحدٌ عن الحلم،
أُصيبتْ بالإغماء.
الأحلامُ
لا تنام.
إنّها تُهرِّبُ الليلَ داخلَ جيوبِ الأطفال،
وتدفعُ للقمرِ أجرةَ اختفائِه.
الضوءُ
ليس نوراً...
إنّه خطأٌ ارتكبتهُ العتمةُ
حين وثقتْ بنفسها.
العملُ
مقصلةٌ أنيقة،
والوقتُ موظفٌ حكوميٌّ
يختمُ جباهَنا
بعبارة:
»صالحٌ للاستهلاك .«
الوجوهُ
أكياسٌ شفافة
تحملُ هواءً
كان يُسمّى الإنسان.
الأمواتُ لم يغادروا.
هم فقط بدّلوا أماكنَهم
مع الأحياء،
ومنذ ذلك الحين
صرنا نزورُ المقابر
لنطمئنَّ أنّنا ما زلنا خارجَها.
فلنركض...
لا إلى الأمام،
بل خارجَ الزمن،
خارجَ أسمائنا،
خارجَ اللغةِ التي كلما نطقتْ بنا
أخطأتْ في تهجئةِ أرواحِنا.
لنعلّق أعمارَنا على ضلعِ غيمة،
ونتركَ الريحَ
تختارُ لنا وجوهًا
لا تعرفُ الحنين.
في آخرِ النهار...
وقفَ ظلّي
وأكملَ الطريقَ وحدَه.
أما أنا،
فكنتُ مجرّدَ فكرةٍ
نسيها الحلمُ في جيبِ العدم.
ومنذ ذلك اليوم...
كلما نظرتُ
في المرآة،
رأيتُ شخصاً
يحاولُ
أن يتذكّرني.

أمل عايد البابلي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...