إبراهيم محمود - من كتاب الماء...

كتاب من الماء لك
كتاب الماء بدقة أكثر
ماء دون زخرفة
لتحسن قراءة روحكَ
وقد انتعشتْ بكاملها
وأنت مأهول بأهوائه العذبة
ليس في كتاب الماء
ما هو متن أو هامش
إنه يفيض بزلاله الطفولي أصلاً على الجوار
لا غلاف له
لا صورة تعرّف به
ما حاجة الماء إلى صورة لافتة للنظر
وهو ملهم الصور الكريستالية دونما استثناء
وهو ركيزة كل تعريف يهتدي إلى زلاله
إنما لكي تزداد علماً
لكي تعرف في الماء ماءه
فكن على بيّنة تامة
أنه غاية في الحساسية
وفي تقدير ما يحيط به
حباً
غضباً
سماحة
تأثراً
رقةً
قابلية تفاعل
ردَّ فعل
مسايرة بنسبة ما
مضايقة بنسبة ما
ضجراً بنسبة ما
إنما لا عرضة لنسيان البتة
لا غفلة عما يجري
لا خطأ في حسابه الخاص
لا قوة قادرة على ثنيه على عزمه
فقط يعطي لكل علاقة قيمتها
ويتخذ الشكل المناسب له
وهو في حرّيته العائدة إليه وحده


كتاب من الماء لك إذن
لتسطّر في ظله المنسكب أشجارَ روحك
التي تتكاثر رويداً رويداً
رحالة بك وهي طي جذورها التي
تخاطب السماء المائية الوجه بدورها




لأقتبس منه ما يفيد وجهك المائي
قامتك المائية
قوامك المائي
أو هيئتك المائية
أعني اسمك المائي
أعني نسَبك المائي
أعني صيرورتك المائية
أعني ثباتك الساري المفعول مائياً


خذ باقة ماء
اسند به صدرك
وبلّغ قفصك الصدري أن الفضاء رحب للغاية في الخارج
دع الماء في رنينه العالي
ينظّم ساعة دورتك الدموية
باقة تكفل ضمان هدوئك لعمر قادم
الماء يقدّر كل إحساس فيك
تجنب التردد وأنت تحتضن الباقة تلك
فهو يمنحك تفاعلاً
مع أوكسجين روحك اللامرئية سريعاً
وعناقاً تستشعره دون أي ملمس مادي
فقط عش لحظة اللامادية
لتدرك ما أغفلت عنه منذ أحقاب وأحقاب


خذ مصافحة ماء
أطلق العنان لأناملك
كي تبصر أعماق ينابيعك من الداخل
ثق بأصابعك مأخوذة بالماء
تقدْك إلى أعالي طموحك أكثر مما تتصور
لا تظن السوء في مصافحة الماء
ففي شموليته مرئي أكثر من شفافية الهواء نفسه
مصافحة ماء دخول في حنين دائم إلى وراء فاتك تبصّره
إلى أمام يلهمك تصوره
شعوراً بنبْت غير مسبوق في عروقك

خذ عينيَّ ماء
تر جوارك في ظلامك الدامس
الماء لا يستثني شيئاً
إلا ويصلك بأصوله الأولى
بصيرة أبعد من أفق منظورك المعتاد
ضع نظارتك الدنيوية جانباً
قطرات من الماء تهبك رؤية ثلاثية الأبعاد
كما لو أن جسمك بكامله انفح عيوناً لا ترمد أبداً
تنبه جيداً
الماء بصير
إنه راء عظيم تلسكوبي
يتحسسك
يتحرى هسيس كل مسام داخلك
كما هي دقته في التصويب


خذ طريقاً ماء
يصلك بحقل روحك المهجور
يصلك بصخرة قدمك التي تسند كامل ظلك
يطرّي وحشة الجهات
وهي تغازل خطاك في أتم نداوتها
سوف تثمر روحك الكثير من جلال الآتي
وكرم الراهن في لحظته
وضيافته المفتوحة لمن يقدّر

خذ جسر ماء
يبعدك عن كل هاوية قد تستغفلك
وأنت تقطعه بلمسة رؤية
كما لو أنه يطوى تحت قدميك
إشعاراً بخدمة تبتغي رضاك حصراً
وأنت تتجنب أي مقياس مألوف
الجسر منزوع البداية والنهاية
على قدر رباطة جأشك يُنصَب الجسر المائي
ولحظة الشعور أنك لست أهلاً له
يطيح بك في غفلة
لأنه أبعد ما يكون عن المزاح هنا هنا

ارتد ِ ماء
لن تشعر بالعري المعهود
سوف تباركك الكائنات دون تأخير
سينفتح جسدك على أبدية مضاءة
لا أثر للتصحر من بدء الملامسة المائية
إنما تحتاج إلى إيمان مائي
تتخلى فيه
عن عبوديتك لظلك
لاسمك
لنسبك
لمن يتولى أمرك
عن تاريخ ميلادك
لتكون حراً
تنسكب روحاً في الجهات
دون حسيب أو رقيب
واعلم يقيناً
أن ليس من غدر في الماء كما يشاع
ثمة من يبلبل صفاء سريرتك
يحول دون ارتقائك المائي لتبلغ سدرة منتهاك


نَمْ ماءً
أعرفت كيف تنام ماءً؟
حين يستغرق الهدوء، الصمت، الخشوع الآمن في نفسه
كما لو أن الزمن ينسحب خارج عدّاده
تنام وأنت تجري
معانقاً روح كل كائن
هي الأرض نفسها تحملك
هي السماء نفسها تصافحك بنجومها
لا تعود تحلم حينها
لأنك أنت نفسك تستحيل الحلم الذي نشدته
مذ كنت نطفة
متحرراً من كل توقيت
أو تحديد موقع
لأنك تصبح رحالة
خارج سلطة الزمان والمكان
والعيان التي تتربص بك
إذ لا أحد يمكنه نفي الماء عن مائه
إرغام الماء على التخفّي
إسكاته في نبعه
أو تركيعه في محيطه
أو توقيفه في أعالية ماطراً بسويته المقتدرة
أو إيقاظه وقد أصبح يقظة بتمامه
وقد تعدّى الإنسان الشبح داخله
وأمسى في حِمَى لا يحاط به

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...