إنها العاشرة صباحا، الشمس تشتدّ حرارة في هذه البقعة الاستوائية. أن تبقى مثقفا في مقديشو يشبه أن تبيع أزهارا في قرية أبيد أهلها. طفلان يلمعان الأحذية لجندي يحمل كلاشنكوفًا، امرأة تبيع المسواك إلى جانب الشارع وهي ترضع صغيرها وكأنها تختصر قصة وطن. أي وطن ؟
من بعيد، ستٌ تبيع الشاي، وإلى جوارها يجلس جمعالي، مثقف صومالي لم يحالفه الحظ للهجرة أو العثور على عمل، يرتاد ستات الشاي وقعدات العطالة، يقرأ جريدة "الوطن" [Dalka]، ينفعل كعادته بمجرد أن يطالع خبرًا تافهًا، قبيلتان تقاتلان مثلا، أو أحد زعماء الحرب السابقين أعلن ترشحه لمنصب معين، أو أن جنرالًا متمردًا سيطر على قرية، أو عسكريًا أطلق رصاصة على سائق توك توك لرفضه أن يدفع دولارًا واحدًا. آه يغضب بشدة وينزع نظارته ثم يبدأ خطبة ثقافية وطنية على مسامع الرواد.
جريدة "الوطن" لم تكن تحمل هذا الصباح خبرا سارًا، فقد طبعت في صفحتها الرئيسية: عمدة مقديشو يشارك في الاحتفالية الرياضية السنوية ويحث المواطنين على الرياضة البدنية. غضب جمعالي كعادته ونزع نظارته:
"أي رياضة يتحدث عنها ... إنهم جياع، ألم يزر المخيمات؟ ألم يشاهد أحوالهم في الشوارع؟"
صمتَ دقيقتين، هزّ رأسه ثم قال وكأنه يختصر حكاية وطن:
"مؤلم أن يصبح الإنسان غريبًا في وطنه، ولكن الأكثر ألما أن يبقى بلا وطن أصلا"
"ومتى يصبح الإنسان بلا وطن؟" سأله أحدهم، فأجاب:
"حين يكون صوماليًّا"
تمرُّ قافلة حرس أحد الوزراء يطلق أفرادها النار هنا وهناك، وكأن الطريق ملك للوزير، وزيرٌ فاسدٌ يحمل جوازًا أوروبيًا، عاد من أوروبا ليسرق؛ يسرق الوطن. أي وطن؟ الوطن الذي تحمل الجرائد اسمه، وينفعل المثقف لأجله، وتبيع المرضعة مسواكا لأجل قوته. أي وطن؟ وطنٌ قضى فيه جمعالي أربعين عامًا ينتظر أن يصبح وطنًا.
من بعيد، ستٌ تبيع الشاي، وإلى جوارها يجلس جمعالي، مثقف صومالي لم يحالفه الحظ للهجرة أو العثور على عمل، يرتاد ستات الشاي وقعدات العطالة، يقرأ جريدة "الوطن" [Dalka]، ينفعل كعادته بمجرد أن يطالع خبرًا تافهًا، قبيلتان تقاتلان مثلا، أو أحد زعماء الحرب السابقين أعلن ترشحه لمنصب معين، أو أن جنرالًا متمردًا سيطر على قرية، أو عسكريًا أطلق رصاصة على سائق توك توك لرفضه أن يدفع دولارًا واحدًا. آه يغضب بشدة وينزع نظارته ثم يبدأ خطبة ثقافية وطنية على مسامع الرواد.
جريدة "الوطن" لم تكن تحمل هذا الصباح خبرا سارًا، فقد طبعت في صفحتها الرئيسية: عمدة مقديشو يشارك في الاحتفالية الرياضية السنوية ويحث المواطنين على الرياضة البدنية. غضب جمعالي كعادته ونزع نظارته:
"أي رياضة يتحدث عنها ... إنهم جياع، ألم يزر المخيمات؟ ألم يشاهد أحوالهم في الشوارع؟"
صمتَ دقيقتين، هزّ رأسه ثم قال وكأنه يختصر حكاية وطن:
"مؤلم أن يصبح الإنسان غريبًا في وطنه، ولكن الأكثر ألما أن يبقى بلا وطن أصلا"
"ومتى يصبح الإنسان بلا وطن؟" سأله أحدهم، فأجاب:
"حين يكون صوماليًّا"
تمرُّ قافلة حرس أحد الوزراء يطلق أفرادها النار هنا وهناك، وكأن الطريق ملك للوزير، وزيرٌ فاسدٌ يحمل جوازًا أوروبيًا، عاد من أوروبا ليسرق؛ يسرق الوطن. أي وطن؟ الوطن الذي تحمل الجرائد اسمه، وينفعل المثقف لأجله، وتبيع المرضعة مسواكا لأجل قوته. أي وطن؟ وطنٌ قضى فيه جمعالي أربعين عامًا ينتظر أن يصبح وطنًا.