هدى حجاجي - ظلُّ امرأةٍ في باريس الجزء الثامن والستون: حين يسبق القلبُ الحقيقة في تلك الليلة،

الجزء الثامن والستون:
حين يسبق القلبُ الحقيقة في تلك الليلة،




كتبت:

لم أنجُ لأن أحدًا أنقذني.

نجوت حين توقفت عن انتظار من ينقذني.
الجزء الرابع والسبعون: ظلُّ امرأةٍ في باريس

في الصباح، حملت حقيبتي.

نظرت إلى الغرفة للمرة الأخيرة.

لم أشعر بالحزن.

كنت أعرف أن الأماكن لا تملكنا.

نحن الذين نترك فيها شيئًا منا.

وقبل أن أغلق الباب، التفتُّ إلى النافذة.

قلت:

— شكرًا.

لم أعرف لمن كنت أقولها.

للمدينة؟

للنهر؟

للرجل؟

لنفسي القديمة؟

ربما للجميع.

خرجت.

مشيت في الشارع.

كان الصباح باردًا.

لكن الشمس كانت تشرق.

وهناك، في مكان ما من المدينة، كان رجل أحببته يعيش حياته.

وفي مكان آخر، كانت حياتي تنتظرني.

لم أعد بحاجة إلى أن أعرف أين سيكون غدًا.

فقد عرفت أين سأكون أنا.

مع نفسي.

وهذا كان أول وعد لم أخلفه.


---

الجزء الخامس والسبعون: النهاية التي لم تكن نهاية

بعد سنوات، سألتني ابنتي:

— ماما، هل أحببتِ أحدًا في باريس؟

ضحكت.

نظرت إليها طويلًا.

ثم قلت:

— نعم.

— وهل ما زلتِ تحبينه؟

فكرت قليلًا.

ثم قلت:

— بعض الناس لا نحبهم بالطريقة نفسها إلى الأبد.

— ماذا يعني ذلك؟

قلت:

— يعني أن الحب قد يتحول من رغبة في البقاء إلى امتنان للقاء.

سألت:

— وهل ندمتِ؟

هززت رأسي.

— أبدًا.

— حتى عندما رحل؟

ابتسمت.

— خاصة عندما رحل.

تعجبت.

فقلت:

— لأنه حين رحل، اكتشفت أنني كنت أظن أن وجوده هو الذي يجعلني كاملة.

ثم سكتُّ.

— لكنه لم يكن كذلك.

— وما الذي جعلك كاملة؟

وضعت يدي على قلبها.

وقلت:

— أنا.

ثم نظرت من النافذة.

كانت الشمس تغيب.

وفي تلك اللحظة، شعرت أنني أرى باريس من جديد.

السين.

الجسر.

المقعد.

الرجل.

المرأة القديمة.

كل شيء.

لكنني لم أشعر بالحنين.

شعرت بالسلام.

وهنا فهمت أن النهاية الحقيقية للحكايات ليست أن يتزوج الحبيبان، ولا أن يعود الغائب، ولا أن ينتصر أحد على أحد.

النهاية الحقيقية…

أن نخرج من الحكاية ونحن أكثر معرفة بأنفسنا.

أن نحب دون أن نفقد أنفسنا.

أن نرحل دون أن نحمل كراهية.

أن نتذكر دون أن نعود.

وأن نستطيع يومًا أن نقول:

كان جميلًا… لأنه حدث.

لا:

ليته لم يحدث.

أغلقت دفتري.

وكان آخر ما كتبته:

> أنا لست ظلَّ امرأةٍ في باريس بعد الآن.

أنا امرأة مرّت من باريس، فتركت ظلَّها هناك، وعادت تحمل نورها.

أما الرجل الذي أحببته، فلم يكن نهاية حكايتي.

كان فصلًا جميلًا منها.

وأما الحب… فلم يأخذني منه.

بل أعادني إليّ.



ثم أغلقت الكتاب.

هذه المرة…

دون كلمة: يتبع.

لأن بعض الحكايات حين تنتهي على الورق…

تبدأ في الحياة.

تمّت رواية: ظلُّ امرأةٍ في باريس



بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...