شهادات خاصة جمعي شليبي - كلمتة في حق الكاتب القدير بركاني كمال بمناسبة تتويجه بجائزة منيف للآداب الدولية

الحمد لله الذي سبب الأسباب ، ويسر التآم شمل الأحبة والرفاق والأصحاب .
والصلاة والسلام على خير من قام لله وصام وأناب ، وعلى آله وصحبه الأتقياء ، أولى الهدى والألباب ، فبارك اللهم لنا بمحبتهم الأجر والثواب .
أما بعد :

أساتذتي الأفاضل ، أحبتي الكرام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
إنه لمن دواعي غبطتي وعظيم سروري ، أن أحظى بالحضور بين جمعكم الكريم ، وأن أقاسمكم بكلمتي الموجزة المتواضعة ، بهجة الإحتفاء بواحد من كبار كتابنا الملهمين .
إمرأة بلا ملامح ، جميلة ، صلاة الوداع ، درجة المكان صفر مئوية ، القلب العاري ، ظل الوشم ، تخوم مائلة لليل طويل ، سرديات البهلول .
من فراديس مخياله الخصيب ، أهدانا كاتبنا الحبيب ، الأستاذ الفاضل ، والأخ الكريم ، كمال بركاني ، كل هذه التحف الأدبية الخالصة ، وكل هذه القطوف الإبداعية العبقة .
فاختلق لنا في جدر الصمت التي تطوقنا ، وفي أسوار الرتابة التي تحاصرنا ، نوافذا مشرعة على عوالم من النور والجمال والحرية .
واقتطع لنا بهذه المنجزات الفريدة المتفردة ، تذاكرا لأمتع الأسفار ، وروعة الإبحار عبر متونها المدهشة .
فكانت رقية فكرية ، مشبعة بالرؤى والحكم ، والأسرار والأفكار ، خلصتنا من مس الجهل الذي يسكننا ، وأذهبت عنا بغلالات أنوارها المتدفقة ، دياجير الظلام الذي أغرقنا لآماد طوال .
نسيج وحده كان في البدء ولايزال ، هذا الجهبذ الذي نتشرف اليوم بحضوره الفخم بيننا ، على عكس أنصاف الكتاب ، وأدعياء الفكر ، وصعاليك الأدب ، المتأكلين بالفتات على موائد الثقافة والفلسفة والفن ، مزهوين بومضة شهرة خاطفة ، تحاكي في سيرورتها حال الزوابع العمياء العابرة .
إذ أعاد كاتبنا الملهم لعاطفة الحب عفتها وقداستها ، وللقلوب خالص طهرها ، واسترد لنا بذاكرته الحية ، أزمنتنا الجميلة المفعمة ببراءة طفولتنا الهاربة ، واسترد للجبل برمزياته العميقة المكثفة ، فخامته وأنفته ، وكلل شواهقه وذراه ، بتيجان مرصعة بالمهابة والكبرياء .
وخلص بظلال وشمه الوارفة ، شرايين هويتنا من كل دماء دخيلة فاسدة ، دونما عنصرية مقيتة ، أو تعصب أرعن ، أو حمية جاهلية ضيقة حاقدة .
وأهدانا بسردياته المبهرة ، على ألسن شخوصه البهاليل المختلقين ، اكأسا فكرية مترعة بالعبر والحكمة .
أحبتي الكرام :

إن كمال بركاني الذي ألفنا مرآه ولقياه ، في الأزقة والحارات ، في تقاطعات الطرقات المتصالبة ، في المساجد الآمنة ، في الأسواق الشعبية والحوانيت ، والمقاهي المتواضعة ، مثقلا بصمته الحكيم ، متعبا بهموم ذاته السامية ، مجللا بحيائه ومحاسن أخلاقه ، وتواضعه الكبير ، ماهو في الحقيقة إلا رسم ، أو شبح ، أو ظل شاحب لروحه النبيلة ، فمن أراد منا العثور على كمال بركاني ، بكامل إنسانيته الطاهرة ، بأفكاره النيرة ، بجمرات وعيه المتقدة ، بذكائه الوقاد ، ورؤاه العميقة الثاقبة ، فما عليه إلا أن يعكف على محاريب مؤلفاته الرائعة .
فروح كمال التي نتوق لمعرفتها ، مبثوثة هناك ، بين دفاف كتبه ، بكل آماله وخيباته ، بأفراحه وأشجانه ، بانتصاراته وانكساراته ، بهشاشته وضعفه ،بجلده وقوته وصبره .
لأن هذا العبقري الفذ ، لم يمتهن الكتابة كحال الكثيرين ، إنما كان يعيش مخاضاتها العسيرة ، وتفاصيلها المربكة الأليمة بكل جوارحه .
لم تكن له في الكتابة من محبرة ، غير دواة قلبه ، ولا مداد له فيها ، غير دمه المسفوك على بياض الصفحات ، والصدق يسري على جدول لسانه ، وهو يكتبنا ويرسمنا بالكلمات .
لقد عنيت نصوصه الروائية بالنقد والتحليل في دراسات الأطروحات ، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات .
خارج السرب غرد هذا البلبل فتفرد ، بالتتويج بجائزة منيف الدولية ، عن جدارة واقتدار واستحقاق ، ليضفي على سماءات الأدب العالمي جمالا متوهجا ، بفضل أنجم نصوصه الساطعة .
أزهد الناس في عالم أهله ، ما أصدق هذه التبوءة ، وما أمر حقيقتها الموجعة ، في عالم أرعن يتقن إلى حد بعيد كل ضروب الطمس والتهميش والجحود والنكران ، ولا يكرس غير البلادة والرداءة والتسطح .
إننا بهذا الإحتفاء على بساطته ، وبهذه الإلتفاتة الطيبة على تواضعها ، نود ألا نزهد في إرث هذا الكاتب القدير ، وأن نقدم لشخصه الكريم ، بهذا الحضور المبارك ، وبهذه الكلمات البسيطة المرتجلة ، عربون محبة معتقة بأسمى مشاعر العرفان والإمتنان ، وأقدس عبارات الشكر والتبجيل ، جزاء ماقدم من تضحيات وجهد جسيم .
ولا نملك إلا أن نقول له : رحم الله من رباكم ومن علمكم ، وثمن الله عطاءكم وبارك جهدكم ، وزادكم تألقا وتوفيقا ، وفتح عليكم بفضله بالمزيد من الإبداع والإلهام .
كاتبنا الحبيب كمال بركاني ، لقد رفعتم رؤوسنا بين الآنام ، فحق لنا بكم كل الإعتزاز والفخار .

جمعي بن بشير شايبي
أمسية العشرون من شهر أوت عام ٢٠٢٦م.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...