ليال الحربي - أبو چوقي... أربعين الميت - الجزء للرابع

بعد منتصف الليل بثوان، خرج من منزله. اتجه إلى الكوستر شغّل القرآن وانطلق بسيارته قطع مسافة قصيرة فجأة أوقفها أمام أحد المنازل المكدّسة في حيّ شعبي لا مظهر يميزه عن سواه. زمّر مرة ثم ثانية وأجرى اتصالا عبر الهاتف ترميشة يعرفها القادمون، إشارة صغيرة تقول لهم إنه موجود الآن ويقف أمام منزلهم وإن عليهم المضي في الإسراع. ظلّ القرآن يتلو آياته في داخل الكوستر بينما كان شيءٌ آخر في داخله يكفر بكل ما يُتلى.

فتح الباب، فبدأت النساء تخرج من المنزل وتتقاطر إلى داخل الكوستر، رَيّا ثم سكينة ثم سميچة ثم نورية ثم فخرية ثم صبرية ثم زورية ويكمل القافية وهو يعد حوافرهن وهن يهمن بالجلوس'وطرگاعة الطاحت عليه.' جلس خلف مقوده لا ينظر إلى الخلف. يحصي بأذنه عدد الحوافر التي تصعد سيارته حافر بعد حافر وكلما صعدت واحدة تبعتها أخرى حتى بدا له أن السواد نفسه هو الذي يصعد لا النساء. جميعهم متوشحات بالسواد فقال لنفسه: أعوذ بالله.

ولأن كل قطيع من النسوة لا بد أن يقوده على الأقل رجل واحد، خرج معهن رجلان يرتديان العقال والدشاديش المكويّة كيًّا مصنعيا، جلس الرجلان في المقعد الأمامي إلى جوار السائق متجاورين فالرجال في المقدمة والنساء خلفهم كما جرت العادة. يتأكد أبو چوقي من اكتمال العدد يغلق الباب ويدير المحرك وينطلق بالكوستر في ليل المدينة فيما ظل القرآن شغالا. هو لا يؤمن بالله ولا برسوله ولا بالكتب السماوية لكن ما إن تحرّكت الكوستر إلى الطريق حتى صاح بركابه صيحته المأثورة "صلّوا على محمد" فيجيب الجميع بصوت واحد: اللهم صل على محمد وآل محمد. بلغ منتصف الطريق وجاءه صوت من الخلف:

ـ سائقنا، أطبگ!

التفت قليلا إلى الخلف:

ـ ها، خير؟ شكو؟ سالمين؟

ـ نأخذ بريج

لم يفهم المعنى، فسأل:

ـ ما معنى 'بريج'؟

أجابه الرجل الجالس إلى جواره بعينين مفتوحتين على اتساعهما:

ـ يعني نأخذ بريج!

لم يفهم فترجموا له العبارة فاتضح له أن 'البريج' يعني استراحة لقضاء الحاجة. أوقف الكوستر عند محطة الوقود ونزل الجميع. النساء تفرّقن دفعةً واحدة تناثرن كأنهن قنبلة ذرية انفجرت ثم انشطرت إلى شظايا صغيرة كل واحدة منهنّ في اتجاه مختلف والرجال انصرفوا مباشرة في سرب واحد إلى الشاي والقهوة فيما بقي أبو چوقي وراء مقوده لحظة ثم قال في نفسه: ما دمت قد توقفت فلأملأ الخزان بالبانزين وأخذ يملأه، وبعد قليل عاد الجميع جلست النسوة في أمكنتهن ثم الرجال بجانبه. تأكد من اكتمال العدد كلٌّ في مكان وأغلق الباب، أدار المحرك وانطلق بهم. لوى أحد الرجال عنقه وأرسل صوته إلى الخلف صائحا: هيا يا نورية وزّعي.

أحضرت نورية معها معمولا حلوى محلية تُعرف بالكليچة وقطرميز شاي فأخذت توزّعها على الركاب. ناول الرجل واحدة منها وأعطاها لأبي چوقي. قضم أبو چوقي قضمة واحدة كانت محشوة بالتمر وهو يكره التمر الليل شديد الظلمة والنافذة إلى جواره مفتوحة فألقى الكليچة منها. راح الرجل المتكئ إلى جواره يطالع يده ويسأله:

ـ أعجبتك؟

ـ نعم، أعجبتني، إنها لذيذة

صاح الرجل بنورية:

ـ هاتي الثانية.

لوى أبو چوقي وجهه وفمه إلى الجهة الأخرى، وقال: خرا بدينكم. ناولوه الثانية. قضم منها قضمة وألقاها من النافذة أيضا. التفت إليه الرجل فحدّق أبو چوقي في وجهه بملامح مكفهرة وقال:

ـ طيّبة.

تناول رشفة من شايهم مكشّرا وجهه ثم ألقاه هو الآخر من النافذة، المذاق في فمه أشبه بمذاق بول بعير. حين وصل إلى النجف وجهة الركاب المقصودة سألهم ويداه على المقود:

ـ أتذهبون إلى المقبرة أم إلى الإمام أولا؟

أجابه أحد الرجال واسمه اجويسم بصوت قاطع لا يقبل الرفض:

ـ نذهب إلى الإمام

فنشب بينهم شجار وتحول الكوستر إلى أرض معركة بين جبهتين جبهة النساء اللواتي يردن المقبرة أولا وجبهة الرجال المكوّنة من رجلين يريدان زيارة الإمام وأبو چوقي يتابع إشعال المعركة بصبّ الزيت على النار، صاح بهم:

ـ يا جماعة، احسموها إمّا الإمام وإمّا المقبرة. الطريق أمامي وعليَّ أن أختار.

ولأن الغلبة لصوت الرجال مهما قل عددهم انصاع أبو چوقي لصوت الرجال واختار أن يذهب بهم إلى الإمام أولا.

يكون الذهاب إلى الإمام قبل صلاة الفجر يصل الزائر ويصلي ويتلو الزيارة ثم يتوجه إلى المقبرة، ذلك هو العرف السائد لكن أصوات المؤذنين اختفت وانقضت صلاة الفجر ولم يظهر أحد. كان قد ركن الحافلة مسبقا في شارع الجنائز وبقي ينتظرهم، أخذ يتلوى في مقعده ويخاطب نفسه: الآن يأتون، الآن يأتون لكن لم يظهر أحد.

صبرية ذات الساقين النحيلتين تاهت في شوارع السوق لكنها لم تكن تائهة عما تريده. هي فقط تريد الحرمل وهو موجود في بغداد ويُباع في أسواقها لكنها أرادته من النجف. مضت في الأزقة دخلت شارعا وخرجت من آخر حتى ابتلعتها المدينة واختفت. تنبهت النسوة لغيابها وراحت العائلة تبحث عنها فلا تجد لها أثرا. وأخيرا، لجؤوا إلى سماعة العتبة:

ـ على الزائرة صبرية. أهلها ينتظرونها في شارع الطوسي. رحم الله والدي مَن يعثر على صبرية! صبرية، أهلكِ ينتظرونكِ

أما هي فتمشي في السوق والسوق لا يفتح أبوابه عند الفجر بل في العاشرة صباحا. ظلت تبحث وتدور حتى دخلت السوق الكبير. فنظرت حولها بدهشة:

ـ ما بال السوق اليوم؟ أهو معزول؟ أهناك حظر تجوال؟ أم ضربوه كيمياوي

سمعت اسمها يُنادى عبر السماعة، عرفت أن النداء موجّه إليها لكنها لم تكترث ضلت تبحث. مرّت ثلاث ساعات بدت لأبي چوقي دهرا وأخيرا ظهرت النساء. اتضح له من تبخترهن أنهن كن في السوق. عدن محمّلات بالدهين والحرمل والتُّرَب والسبح وخواتم الفضة. طالعهن اجويسم ومعهن صبرية:

ـ أما تسمعين اسمك؟

ـ بلى، أسمعه

ـ فلماذا لا تجيبين؟

وضعت يدها على فمها:

ـ يااا عيب! أخجل أن أقول أنا!

صفع أبو چوقي جبينه وأردفت:

ـ يا عيب! أقول لهم إن اسمي صبرية؟ يا دهر، فلك طرك اجويسم فضحتني عند الإمام! ماذا سيقول عني الآن؟

جن جنون أبو چوقي، استشاط غضبا وتحول إلى مخلوق خرافي نصفه بشر ونصف مدفع قال في نفسه: اليوم انعل أمي وأبوية إذا ما ابجيها كلها واخليها تلطم. لديه شريط كاسيت خاصّ بالنعي جميع السائقين يملكون أشرطة نعي لكن محتوى الشريط يختلف باختلاف صلة الميت بأهل الميت. فإذا كان الميت أبًا، كان الشريط يرثي فقد الأب وكذلك في فقد الأم أو الأخ أو الابن. سأل أحد الرجلين وكان يرتدي عقالا:

ـ مَن الميت لكم؟

ـ أمّنا

أخرج شريط نعي الأم، أدخله في المسجّل ثم شغله. وما إن انطلق النعي حتى دخلوا في موكب جنائزي، تعالت أصوات النواح والبكاء واللطم متماهية مع صوت الشريط. قبر والدتهم في الفتحة السادسة، للمقبرة فتحات عدّة وهذه الفتحة تقع في المقبرة القديمة والوصول إليها يستغرق نحو ربع ساعة لكنه أطال الطريق متعمدا إلى ساعة كاملة. أراد أن ينتزع قلوبهم من صدورهم وأن ينهك قواهم في قهرهم الشخصي داخل السيارة حتى إذا وصلوا زاروا القبر وخرجوا وقد انتهى كل شيء.

وصلوا منهكين. جلسوا قليلا عند القبر، نَعَوا وبكوا ثم خرجوا. توقّفوا في حسينية تقع على جانب الطريق. العائلة قد أحضرت طليا ذبحوه وأعدّوه منه مرق أصفر ومعه قدر من الأرز. جاؤوا بقدر الأرز ثم اكتشفوا أنهم نسوا قدر المرق في البيت. بقي أبو چوقي في السيارة، لم ينزل معهم؛ فهو غريب عنهم. سمع أصواتهم من الخارج:

ـ أنزلوا الطعام! أنزلوا الطعام!

وكان قائدهم أبو اجويسم يصيح بهم:

ـ لا تنسوا السائق، أعطوه حصته

وضع يده على خده وأخذ يقول في نفسه: متى يأتي الطعام؟ وبينما هو يراقبهم، نشب بينهم شجار ارتفعت الأصوات ثم تحوّل الأمر إلى دفع وضرب بالأيدي. نزل من السيارة ليرى سبب الشجار ويهدّئهم:

ـ يا جماعة، عيب! ونحن الآن خارجون من عند الإمام وقدسية الزيارة

قال اجويسم:

ـ أتقبلها؟ أتقبل أن نحضر طليًا بثواب روح أمي ونطبخه ثم ينسونه في البيت ونأتي فقط بالأرز؟

ـ مااااااااذا؟ هيج هيج من ربكم

للحظة هدأوا ثم وزّعوا الأرز. أعطوه صحنا منه، ألقاه في سلة المهملات ثم قدّموا له الشاي وكشر وجهه، كان مذاقه كبول بعير فألقاه هو الآخر. وجد كشكا مفتوحا فتوقّف عنده واشترى علبة ميرندا بربع دينار وقطعة كيك بربع دينار. بعد ذلك صعد الركاب إلى السيارة وأخذوا يتقاتلون فيما بينهم. خاطبهم محاولا تهدئتهم:

ـ لم يحدث شيء. بعد ذلك حين تصلون إلى أهلكم وزّعوا عليهم الطلي ثوابا لروح أمكم.

سكتت النساء، فبدأ الرجال بالقتال. سكت الرجال فعادت النساء إلى القتال. جماعة تسكت وأخرى تبدأ وكلهم يردمون على الطلي المتروك وحيدا في البيت. جلس اجويسم إلى جواره وقال:

ـ دريولنا؟

التفت إليه وقال:

ـ ماذا؟ أأعمل عند الذي خلّفك حتى تقول لي دريولنا؟ ألا تستحي؟

ضحك اجويسم وقال:

ـ لا، نحن نسمي السائق دريول. الآن، ابحث لنا عن مطعم نتوقف عنده. الجوع قد نال منا والأرز الذي وُزّع عليهم ناشفا ولم يأكل منه أحد

لحظتها قال أبو چوقي في نفسه: والله لأتركنّكم جائعين.

وكلما مضى في الطريق صاحوا به:

ـ هنا، أوقف هنا

فيماطلهم:

ـ إلى الأمام، هناك مطعم جيد

ويمرّون بجانب مطعم:

ـ إلى الأمام، إلى الأمام

وظلّ يؤجلهم حتى بلغوا سيطرة الدورة ودخلوا بغداد، قالوا له:

ـ لماذا لم تتوقف؟

ـ دخلنا بغداد، كلوا من الطلي

أوصلهم إلى منزلهم وترجل الجميع:

ـ هاتوا الأجرة

اجويسم:

ـ سائقنا، خذ معك من الطلي

دخلوا المنزل ودخل أبو چوقي وراءهم من دون أن يطرق الباب وما إن رأته النساء حتى سحبن عباءاتهن وارتدينها على عجل. صاح بهم:

ـ أين القدر؟ أعطوني لحما

ناولته نورية قدر صغير وقد انخفض ما فيها حتى بدا القدر مخسوفا. رفع غطاء القزان وأطلق صوتا: ماع… ماع!

كدس اللحم وخرج، لحقه اجويسم إلى السيارة:

ـ دريولنا، أين رقمك، نتصل بك حين نحتاجك في زيارة أخرى

نظر إليه أبو چوقي وقال:

ـ خذه ولا تتصل

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...