علي عبيد عيسى - مواريث التراب ...

كان أبي يقول ، ألتراب حضن كبير يسع كل شيء وهما نقطتان نركض بينهما . كنتُ أراقبه وهو يحمل معوله، يرفع ويضرب التراب بيديه المعروقتين وجبينه الذي رغم تعرجات السنين لم تلوح فيه أي قطرة عرق أو تقطيبة جهد من حاجبيه الأبيضين الساقطين على عينيه وهو يحفر القبور ، وكأن المعول يعرف يده ، يسابقها و يقاسمها الشغف .لا أعلم لماذا كان يلح علي أن يأخذني معه رغم صغر سني . كنا ثلاثة ، أنا وأبي والغراب والذي رغم ذوبان سواد ريشه بسواد الليل لكن عينيه الخرزيتين اللتين لم تنزلا عن والدي كانت أشد إتقادا من المعول ، وكان يتواجد حيثما كنا . ربما أكون معه لأنني إبنه أو شيء آخر يخفيه .
في تلك الليلة ، كان القمر معلقًا فوق المقبرة كفانوس في غرفة أعمى لم يكن يضيء شيئًا ، كان موجودًا فقط ، و أبي لاتوقفه ظلمة الليل ولا لسعة نهار عن العمل ، كان يقول لا أحب الذين يباتون خارجا .
أراقب الحفرة وهي تتسع بوجه أبي الذي بدأ ينزل والتراب يعلو فوق رأسه ولم يبق سوى صوته الرخيم وهو يتمتم بكلمات لا أفهما ولكنها تجعل الغراب أشد إلتصاق به، والقبور نفسها ، كأنها تراقبنا ، تتلفت نحونا بشكل غير مريح ، تتوجس منا وكأنها تحاول أن تحافظ على المسافة ما بيننا ، و برغم إن بعض القبور مازالت جديدة ، لكنها شاحبة تلقى فوقها بعض الازهار البلاستيكية والأقمشة الخضراء والحمراء وبشكل فوضوي ، وكلما حاولت ترتيبها كان أبي ينظر إلي بنظرة رافضة ، وكذلك الغراب والذي شاطر ابي السنين والهرم . شواهد القبور مطفئة وأسماء الموتى انمحت بعض حروفها أو كلها، واحيانا اختلطت تواريخ الميلاد و الموت، حتى لم نعد ندري من أتى اولا.
جلس أبي ، ساندا ظهره على قبر قديم ، و أقدامه مرفوعة على آخر بعدما أنهى عمله واختفت اصوات و همهمات المشيعين . قال دون أن يوجه كلامه لأحد:
هل تعرفون كيف تعودون إلى أحلامكم ؟؟
لم أفهم قصد أبي ، لكن الغراب إتسعت عيناه يتفحص التراب الرطب الذي ارتفع قليلا فوق الارض ، اما أنا ، كنت لا أحب الأشياء التي لا أفهمها ، لأني كنت أحس اني أخرج من قبر صغير، لأسقط في مقبرة واسعة . في الليل، حين تنام المقابر، كان أبي يسهر وحوله ظل سميك و الغراب المثقل بالحكمة يبدو عليه حزن لا يليق بالطيور يسند رأسه على ساعد ابي و المعول على الساعد الآخر .كان أبي يعتقد إن الموتى يزورونه في أحلامه كنت أراقبه وهو نائم، و أسمعه يتمتم بأسماء لا أعرفها.
وفي إحدى الليالي ، استيقظ فجأة وقال:
— لقد غرسوا المعول في رأسي.
لم أسأله من هم.
ففي ذلك السن لم أكن أعرف تكوين الاسئلة ولا صياغة الاجابات ، ولكن ظلت دوامات كثيرة تفتل في رأسي ، وظلمة كثيفة تنام بين مفاصل الاسئلة .
في صباح المقابر ، لا تشرق الشمس بل تنفجر ، وكنا معها على موعد مع الحفر ، إذ أخذ ابي يبقر الأرض ويقيس مسافة المنكبين ، ومن الرأس إلى القدم ، يحرص ان لا يعطي مساحة أكبر مما تستحق هذه الجثة الملقاة على التراب . راح المعول يعلو و يهبط وعيناي وعينا الغراب تطاردانه ،حتى إصطدم بشيء ، توقّف أبي ، أزاح التراب بيديه ، ظهر عظم قديم ، كان أبيض في البداية، ثم بدا لي رماديًا، ثم أصفر، ثم لم أعد متأكدًا من لونه .
قلت لأبي: هذا عظم ميت
قال
— العظام لا تموت.
لم ينظر لي ابي بل إلى الغراب الذي استلم منه إشارة غامضة ، لم أجب ، لكن الغراب الذي لم يرفع عينيه عن ابي تحرك ببطئ ليقترب من حافة القبر ، كأنه يتفحص الحفرة . لكن العظم إنسل ببطء الى الداخل ، كأنه يعود إلى مكان لم نكن نعرفه.ثم ظهر عظم ثاني ثم ثالث كان ابي لم يحفر في الارض ، و إنما في راسي ايضا .
الغراب بين الحين والآخر يقف على قبر يقع في آخر المقبرة ، بلا شاهد ينفرد في العراء وحيداً.
قال أبي:
— ذاك قبري.
ضحكت.
— لكنك حي.
قال:
— ليس مهمًا.
ثم أعطاني المعول.كان أثقل مما توقعت.
قال:
— احفر.
نظرت إلى الأرض.
— ماذا أدفن؟
أجاب:
— لا تسأل.
غرزت المعول .تشقق التراب وكأنه كان ينتظرني ، انفتحت حفرة كبيرة ومنها خرج صوت يشبه بكاءً بعيدًا، ثم ضحكة، ثم همسًا، ثم صمتًا ، تراجعت ،أما أبي فلم يتراجع . صفق الغراب بجناحيه ونظر الي ، لم أفهم شيئًا.صمت ابي و أطال الصمت.
صار المعول في يدي أخف مما كان ، و عينا الغراب تتابعني من قبر لآخر.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى المقبرة .حملت المعول وتبادلنا شغف الحفر حتى تهدلت عروقي وسقط حاجباي الأبيضان على عيني . جلست أسند ظهري إلى قبر و قدماي على آخر و قربي الغراب الذي لا يشغله شيء عن مراقبتي .
سمعت صوتًا خلفي . إلتفت كان ابني الصغير جالس على حافة قبر قديم ، وفي يده عصا صغيرة ينبش بها في التراب فخرج عظم تدحرج أمامه نظر إليه وقال:
— ماهذا ؟
قلت: كان شيئا والآن لا شيء.
نظرت إلى الغراب كان ينظر إلي بهدوء وكأنه فهم ، أما ابني فكان صغير لا يعرف تكوين الأسئلة ولا صياغة الإجابات فهربت عيناه وما تحملان من اسئلة إلى السماء.كانت الغيوم المثقلة تتحرك ببطء، كأنها تبحث عن مكان تدفن فيه أثقالها. أخذ ابني عصاه وراح ينبش بقوة في التراب . منذ ذلك اليوم صار يأتي معي . يحفر . يراقب. يصغي. أما أنا، فصرت منهكا من الذين يأتون إلي بالأحلام ليضعوا معولا في رأسي . في يوم من الايام رأيت أحدا يخرج من بين القبور ويمشي في العتمة.كان صغيرًا جدًا ، يشبه طفلًا ضائعًا. حتى الآن لا أعرف إن كنت رأيته بعيني، أم أن أحد الموتى ترك عينيه مفتوحتين في رأسي .تبعته .دخل بين القبور.ثم إختفى ،ما أدهشني أن الغراب في تلك الليلة لم يتبعني بل ظل واقفا يراقبني وبلا اهتمام .
وفي الصباح كان هناك قبرًا جديدًا لم أكن قد حفرته بلا اسم و بلا ميت .فقط حفرة مفتوحة.إستيقظت وحيدا بلا معول ، بلا غراب ،أما إبني، فقد صار وحيدا يمسك المعول بنفس الطريقة التي كنت امسكه بها و يتشاركا نفس الشغف ، والغراب ينظر إليه كما كان ينظر الي ، أما أنا بعدما وصلت إلى النقطة الأخيرة ، صرت عين جاحظة و التراب حولي يخنق الأسئلة لكنه لا يبتلعها .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...