حين يدركك الوعي

حين يدركك الوعي​



سيدركك الوعي لحظة ما، وميض برق خاطف، آخر طلقة من طلقات ولادة متعسرة شاقة، سَيُكْشَف عليك الماضي والحاضر دفعة واحدة، كمتعبد يهزه الايمان فيخفق في عمق نسمة ربيعية معطرة برائحة الليمون، سيتآلف الوضوح مع شفافية الرؤى ونقاء البصيرة، ليتوحد مع زهر لوزة تشق خيوطها جُلنار رمانة تخفي تحتها نرجسة يشد وجودها عنفوان مشرئب.



عندما يدركك الوعي، أول ما سيتغير فيك البَدَهية، ستملك وقودا ذاتيا من نواتها، ستتبلل بالندى الراشح عن ورقة تين في غابة عذراء، منها أخذ النحل قدرته على الطيران من مكان الى مكان، ستنضج البدهية، كحبة التين التي تفيض عسلا لا يشبه الا ذاته، وحين ذاك ستملك سرعة الملاحظة، التدقيق، التمحيص، التفكيك والتحليل، كحاسب عملاق يملك قدرات تفوق الوصف وتقترن بالخيال.



عندها، في عينيك سيتأصل بريق لامع متغير، له ملامس وحواس، قدرته على رصد الوجوه والابدان والاصوات، أعمق من محيط يتخفى بذاته المتغيرة المتقلبة التي لا تقف على حافة موجة، او رصيف ملح، ستدخل تلك العوالم كلها بشهيق مسبوق بزفير، لتندمج وتنصهر فيشقك نضج يضاف الى الوعي، ستضيء جبهتك كمصباح نحاسي عتيق في سوق القدس المؤدي للأقصى.



عندما يدركك الوعي ويمسكك النضوج، ستتعلم بأن الحياة لها ألوان قزحية، ظلال وظلال للظلال. وستعرف كيف تفرز بيدك كل تشكيلات الغيم والقمر، كحبات عقد من فيروز مُصَفى ولؤلؤ مُنَقى، ستعيد رسمهما بحروف ومفردات، ربما على شكل خاطرة عابرة أو قصيدة تتنهد فيرتفع صدرها ويهبط كما يرتفع سقف الوطن حول الثائر، ويهبط حول أم تودع شهيدها بزغاريد التراث القابع بخيطان حرير ثوب فتاة ما زالت تحلب السُدم وتستقطر المجرات. ستدور في كرة أرضية تشبه كرتنا، لك فيها خصوصية الحذاقة والنباهة والحذر، ليتغطى وجهك كله بخيوط مغزولة من نور شمس تشبه شمسنا.



ستتعلم من انبثاق الوعي المفاجئ، كيف تتعامل مع حدس لم يتأخر مرة من الظهور بقوة التوتر العالي، ليقول لك بوضوح الحقيقة واليقين: انتبه جيدا يا صديقي، هناك علامات مائية تتداخل مع علامات الزيت في هذا الوجه المعلق بسمة صفراء قاتلة محشوة بالسم. كنت تشعر بالحدس وهو يغذيك بالانتباهة السريعة التي تتعاقد مع البدهية، لكنك لم تكن على استعداد لتقبل ذلك، فالعاطفة الفياضة التي تشتبك مع الفكر، تؤلف سحابة مضببة سوداء، تجرك وانت بين الذهول والدهشة وتوتر الحدس الى قعر يصعب التعامل معه او الخروج منه برؤية نقية صافية.



الحدس جزء لا يتجزأ من الوعي والنضوج والوصول إلى أعلى قمم اليقين. تَعَلُم التسليم لقواه الخفية، جزء من شخصية عاقلة بالغة ناضجة، فيها استواء مشذب ومهذب. وتَعَلُمْ الثقة بهذا الحدس الذي نشأ وترعرع ليرعاك ويحافظ عليك أكثر من الادراك المنزوع من فكر متواتر متصل، لان الحدس يأتي كلمعة سريعة تحتاج الى ثوان فقط كي تنبؤك بما يحتاج الفكر من أيام أو أشهر، وربما سنوات كي يجيز لك امتلاك تلك النبوءة.



التجربة التي عشتها مع حدسي، وفراستي، وعاطفتي، وفكري، بقدر ما كانت موجعة، مؤلمة، قاسية، نُحتت من جلاميد التجربة وتقلبات المرارة، وتتالي الغدر، وانفصال العرى التي كانت تبدو راسخة كقاعدة الرواسي، قادتني مباشرة الى بؤرة الندم على الإهمال الذي مارسته ضد حدسي وعدم الوثوق به كَأُس من جنين خفي يصارع المخاض ليكون ولدا وأخا وصديق.



عندما يدركك الوعي، اياك، ثم إياك، أن تدير ظهرك لحدس يبحث عن نجاتك من ضياع سنوات لا يمكن استعادتها للتخلي عن الندم. لأنه الملكة الوحيدة الناهضة من الأنا واللأنا، وهو المزيج المتوالج المتواشج بين الشعور واللاشعور، وبين الإحساس الموسوم بمادية التكوين، وخفايا غير المرئي من أشياء مشتبكة لها مسميات، وجلها بغير مسميات، متدفقة كمحيطات غاضبة هادئة، وساقطة كشلالات مضطربة وادعة، في حنايا النفس والعقل والاحساس والشعور والوعي والادراك والنضوج، في مزيج غاية في التعقيد والتركيب والتَأَزُّم والإِبْهام. فيتدفق إنبجاس، اِنْفِجَار يقود نحو حتمية يَقِين قَاطِع وأُنْس ثابِت وصَوَاب حَقّ أكِيد.



حين يدركك الوعي، من الأَمْت والتَوَهُّم والغَرارَة أن تبقي مُسلماتك كما هي، إلا مُسلمة واحدة، الأب والوالدة فقط، فبقاءها على ما كانت عليه في عمر البراءة والحِشْمَة والخَفَر، عمر الطَهَارَة والعِفَّة والنَجَاة، مع إِنْماء وإِنْعاش كل ما سبق الى درجة عالية ومُخَصًبة من الفَوْرَة والرُقِيّ، فان ذلك، اقصى درجات البِرّ والتَفَاني والإخلاص.



أما تلك المسميات الموروثة ثقافة وقرابة، كالأهل والأصدقاء، فإنها تخضع لقوانين التَقَلُّب والتَلَون والشُحوبْ، وحين أقول الأهل فليس هناك مستثنى الا ما استثنيت من قبل، الاب والوالدة، أما الأخ والأخت، الشقيق والشقيقة، وما يلي ذلك من صلات دم او صلات رحم، فجميع هؤلاء في سلة الخضوع للتجربة والتمحيص والتدقيق، مع سبق إصرار وترصد، وبعفوية مطلقة تأتي دائما كمصباح يمسكه النور فجأة، فيكشف عن مساحة خفية، تضج بالرعب والهلع والخوف مما تحوي في نواتها.



أفاعٍ وحيًات، عقارِب عناكب، مخلوقات سوداء مظلمة متحولة، وهناك، على الطرف الاخر، مخمليات رائعة، لها ملامس ومجسات تكاد من شفافيتها الا تُرى. لكنها لاسعة قاتلة.



هذا وصف مبسط، فَدْم، مَأْفُون ومُغَفَّل، لأنه لو قُدًر للإنسان ان يقف امام ذاته، لِيَنْبشَها من أصولها، دون تعمية او انتقاء او إخفاء، لفاض الصديد والقيح وجرى كبحار توزع النتانة والخَمَّ والصُنَان والزَنخ، لتزكم الانوف وتحطم المناعة وتفتح أبواب الضَوَى والهُمُود والرَدّى.



الوعي هنا يقف بين حيرة وذهول، بين قبول للوصف، ومتحفظ في الانخراط الكامل بتفاصيله الممضة الثقيلة، ولأول مرة يعترف الوعي بحاجته الى الفراسة والحدس ليرتبط بالإدراك الموصل الى درجة الإيمان بحتمية التوازن بين كل عوامل التفكير، لأن العقدة في مثل هذه الحالة، حادة، ناتئة، كشفرات مصقولة للقضاء على صخور وجبال.



قابيل وهابيل، أشقاء، اخوة يوسف عليه السلام، أبو لهب، وفي التاريخ ما يكفي من الأدلة على الصراعات التي هدمت أسر ودول، من اجل تنحية والد او والدة او اخ او شقيق عن سدة حكم، او مال، وحتى من اجل امرأة وأقل من ذلك بكثير، إلى درجة الخلاف على رغيف.



من هنا، يبدأ الوعي يطل برأسه، ليصف حالة التعود والتآلف التي تخلقها وحدة العائلة قبل الوصول الى سن تتخلى عن البراءة لاكتساب صفات وخلال من تنوع كبير في مجتمع أكبر. تبدأ الصفات المكتسبة بمحو أطراف التعود والألفة، تهزها، تخضها، تتلاحم التغيرات مع الحوارات المفتوحة، والامنيات المختلفة المتضادة، تلقح الشخيصات ببيوض التنافر، الغيرة، السعي نحو التفوق ولو كذبا، تفقس البيوض، تضع بيوضا جديدة، حين تدخل حياة الواحد امرأة غريبة، تميل الى امتلاك الزوج الى حد نَتْف كل ريشة من أصولها، لتزرع مع مسيرة أيام، تحريضا متقنا بخفاء يحمل السلاسة والخفة واللطافة، تتوزع النفس المحملة بالأتربة الفاسدة بين قديم يشد الى الأصل، وحديث ما زالت تشكله عواصف وأنواء حالات نفسية غير منتظمة، فوضوية، تختلط المسميات وتتناقض الأفعال، فيوما هو يحن الى الماضي، الأصل، وهنا يجب الانتباه بدقة اختيار مفردة الحنين، وأكثر الأيام هو منزوع من الماضي نزعا كاملا، من الجذور، دون ان يتمكن من الاعتراف لذاته بهذا النزع، فيظن، بانه حين يندفع نحو الانغماس المطلق بذاته، من الناحية العاطفية والشعورية والنفسية، والأهم الذهنية والعقلية، بأنه حالة طبيعية، تستطيع التعامل مع ذاتها برضا مطلق.



كانت امي رحمها الله رحمة يتسع لها عرش الرحمن جل في علاه، تملك جَزالَة تَدْبِير، ومَضَاء حُنْكَة ورَصَانَة فِطْنَة، ما يدخلها – على اقل تقدير عندي- في عالم تَمَرُّس ودُرْبَة لسبر اغوار التجربة واعتصار ما فيها من هداية تقود الى توطيد مفاهيم قد ينكرها الجاهل، لكن لا ينكرها عاقل متواضع، ومن فيه تَبَتُّلٌ وخُشوع.



قالت: (من مات أمه وأبوه، مات كل الذين يحبوه). بعفوية بسيطة، تخرج من امرأة لا تفك حرفا، ولا تستنطق مفردة، امرأة عركتها الظروف، وأغرقها الفقر وأطبقت عليها الفاقة، لتصف الحب المجرد من الأهواء والغاية، فكانت بكل بساطتها تحرك عوالم من التجربة المشبعة بالحكمة، وتصور عوالم من علم نفس وفلسفة استبسلا في انتقاء الهجين والمستغرب والحوشي من الالفاظ ليثت لذاته وللغير، بأنه مرهق من البحث والتدقيق للوصول الى صورة أصغر مليون مرة من هذه المقولة المحشوة بزخم من تقلقل واضطراب يقود الى فتح صفحات تحتاج الى صفحات لتضمين المعنى الواسع الشامل في تلك المقولة.



اليس هناك توافق رقيق، شفاف، بين وصية الخالق للأبناء في التذلل والخضوع للوالدين، دون ان تجد مثل هذه الوصية منه جل شأنه وهو الخالق المصور للوالد والوالدة، "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "(14). هنا تقف المفردات عن الاسترسال والشرح والتبيان، ففي شهادة الخالق على الوفاء المطلق للوالدين، وربط عبادته بالإحسان اليهما، دليل يقود الى نقاء وتعب ونصب ما يحملان في جوفهما قولا وعملا، بانهما فوق الوصول الى مساحة التغير الذي يعتور باقي من رفضت استثنائه في هذه الدراسة.



ولتكمل تجربتها بربط المقولة الأولى والثانية، قالت: "الأخوة جيران" فهي تنتقل بحصافتها من الثابت الى المتحول، من المُنقى من المصلحة والغيرة والاعجاب بالذات، الى عكس ذلك وما يتصل به من ارهاصات ثقيلة يابسة تبدو وهي تطل بالصور وحركة البدن وطبيعة المفردات، فمن لم يصعد الى مرحلة الوعي، سيكون بالضرورة خاليا من الكرامة والعزة والأنفة، وسيفرغ ذاته بذاته من شنشنات وأريحيات من قفزوا بكرامتهم الى مراحل البطولة والتضحية والوفاء.



الوعي سيسألك بطريقة ناشفة جافة، لا رذاذ أو همي فيها: من هو أخوك وشقيقك أو صديقك الذي حملته على كاهلك سنوات وسنوات؟ حتى استسلمت الان للندم والحسرة، إن لم يكن على خسارته، فعلى الزمن الذي سال من بين اصابعك كوهم وسراب، دونما فائدة أو جدوى؟!



بماذا ستجيب؟ مع أن الحدس قال لك، والفراسة اخبرتك، وكل اللغات النفسية والشعورية المركبة والمعقدة والطافيه على السطح، أن الذات هي أسمى ما يجب أن يكون حيز تنفيذ وتطبيق، وهي الأولى حين تُصدم أن ترد الصدمة بذات اللحظة دون أي اعتبار لسن او قرابة او وهم قرابة وقرب. كيف سترد على البارودي حين قال واستدل على مقولته من حادثة تطهير قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كَيْفَ الْوثُوقُ بِذِمَّةٍ مِنْ صاحِبٍ وَبِكُلِّ قَلْبٍ نُقْطَةٌ سَوْداءُ؟!



كيف سترد على حادثة نوح عليه السلام مع ابنه؟! او على لوط عليه السلام مع امرأته؟!



حين يدركك الوعي، ستتعلم كيف تعرف الفرق بين المثقف وشبه المثقف، بين المتفيهق وبين العارف، بين من قرأ مجموعة من الكتب، فأخذته الدهشة الناتجة عن الخضة الى مربعات الادعاء والغرور، والظن بأنه أصبح قادرا على انشاء نظريات وتحليل أمور، فينتقل بفعل صدمة الجهل المستبدة فيه، الى التطاول على مسلمات لا يمكن ان تخضع لقانون التأويل والتفسير، لأنها من الثوابت، فتراه يتعرض للقوانين الثابتة ليحولها الى نظريات قابلة للمد والجزر، سيتمادى بفتح غلالات تتلفع بغلالات منطق جاسته عقول عظماء ومفكرين وعلماء، ليقول أشياء هي فقط أشياء لا تمت للموضوع بذاته بصلة او طرف صلة.



كيف لا، وهو الجالس على عرش الوهم والتوهم بين مجموعة من اشخاص لم يفتحوا يوما كتاب، ولم يقرأوا يوما قصيدة، او حتى يلمسوا أوراق تفوح برائحة الورق الأصفر، فينفخ ريشة كطاووس امامهم، حتى يُهَيأ له ولهم، انه العالم الفذ، والأستاذ العظيم في حضور طلبة يبصمون بالاستهجان والدهشة.



ستراه على مواقع التواصل الاجتماعي، يقتنص فكرة هنا، ومقولة هناك، ليحورها وينسبها الى ذاته، او ليقوم بعملية نسخ ولصق، وهو يشعر بعظمة إنجازه وقوة ملاحظته، وفي الحقيقة هو لا يود الاعتراف بعجزه كمقعد في الفكر والتحليل والتفكيك، او على اقل من ذلك، ان يعترف بقصر رؤيته وثقافته وما في جعبته من محدودية تكاد لا تصل الى الصفر.



سيحاول في طرح كل قضية أن يوقع في وهم ذاته، وهو يظن انه يوقع في روعك، انه درس الموضوع دراسة مستفيضة، وانه تعمق في هذه المسألة الى درجة الإحاطة بكل دقائقها، وسيسترسل في صياغة فكرة ممطوطة من مفردات رنانة لا تتصل بالموضوع، سيغذي كل ذلك بالحديث عن فكرة تحتاج دقائق معدودات، الى وقت يمكن ان تشرح فيه أكثر من فكرة، فهو يعيد ويستعيد، يشرح ثم يعاود الشرح، حتى تشعر بالملل من فجاجة الفكرة وخواء الأسلوب.



حينها سيأتي الوعي، بكل ما فيه، ليعلمك الصمت، والبعد عن مجاراة مثل هؤلاء في حوار او مناقشة، فالفكر منشأه الوعي لقدرات الذات من خلال الاعتراف بالقدرة التي تدعمها المعرفة المظللة بالمنطق والاستقراء، كأن تختار المفردات التي تختصر المسافة بين الفكرة ومؤداها، لتكون قصيرة حاسمة، تملك البيان والتبيين، الايضاح والتوضيح، دون الغرق في تسلسل من مفردات رنانة، اغوت صاحبها بسبب جرسها على التمادي الى الاقتناع بأنه مؤهل للتعامل مع الفكرة من خلال الجرس والموسيقي، لا من خلال المتانة والصلابة وعمق الدلالة.



الوعي سيعلمك كيف تنأى بنفسك عن مثل هؤلاء، وأن تبتسم بداخلك وهم يتحدثون، ستتعلم كيف تشفق عليهم وترثي حالهم، أن تشعر بالحسرة على الزمن الذي يقتضي وجودك معهم، وستتعلم أن تثق بنفسك أكثر لأنك لم تدع انك موسوعة عصرية تحمل في طياتها القديم والحديث، بل تقول: هذا ما أعرف. حينها، ستصل الى درجة من الثقة بما تملك من ثقافة ومعرفة، حتى لو تنطع سفيه او مدعي ثقافة او مغرور تعجبه ذاته وهو يعلم بغروره او لا يعلم. والاهم من هو واثق من ثقافة لا تثق فيه هي.



حين يدركك الوعي، ستبدأ تنظر للأشجار باحترام واجلال، ستغزوك الخضرة، الممزوجة بألوان لا يستطيع الخيال الا الاعتماد عليها حين يود صنع لوحة تبهر وتدهش وتخطف اللب والنهى. في اعماقك سينشأ سموق وعلو وتطاول، قد يدفعك أحيانا لمد يدك من اجل التقاط الغيم، ولملمة النجوم وجمع الأقمار، تتملكك العظمة الغاصة بعمق الساق المتصل بالجذور الممتدة مسافات تحت الأرض لاحتضان الزلازل والبراكين، بحنو أم على وليدها لحظة انفصال الحبل السري بينهما، ستغوص في قدرة الأشجار على امتلاك التناقض كوحدة مندمجة، وامتلاك التضاد كضرورة من ضرورات البقاء، فالجمع بين السموق والشموخ، نحو الغيم والسحاب وصفحة السماء، وبين الجذور الغائصة في الأعماق، لحفظ التوازن واستمرارية الصمود والبقاء، فالجذور تنتشر كأوردة خارقة لتشد الارتفاع نحو الاستمرار، والسموق يمد الجذور بالفخر والعزة كمكافأة على جمع التناقض والتضاد في خلية الروح والحياة والنبض.



ستمتد روحك في الطبيعة، زهر اللوز المدلى كأجراس ملائكية في فردوس زيتون يرسل أنفاسه الى عشبة وطأها عجل غر حديث الحركة والولادة، تسافر مع خلية نحل تطير نحو الازهار لامتصاص الرحيق وتحويله الى شهد يفيض بين العين والعين كذهب سائل تعلوه نُسَيْمات من حبة تين ترسل شهدها للنحل من جديد. ستدخل عالم النمل الدؤوب وهو يطوي المسافات بأرتال تتلوها أرتال، يبحث عن رزق لمجموعة تتكور على ذاتها وتلتصق حتى تبدو كفرد واحد. سترى سباق موت طويل بين فأر وحية رقطاء، لهاث بين مخلوقين، أحدهما يبحث عن الحياة، والثاني يبحث عن الموت. سترى طيور تنظف حيوانات قاتلة، وقرود تُفَلي بعضها من قمل وصئبان، سترى الشمس تحط رحالها وهي مرهقة فوق زهرة ياسمين او دفلى ترقد فوقها حبات من ندى تنتفض لتهز شعاع الشمس فيخترقها من نواتها فيختلط النور بالشفافية، وحين تسقط، ترشح في طريقها رذاذ لا يدركه البصر وتدركه البصيرة.



هناك، ستفاجأ بحديث الأرض، مع التراب، مع الهسيس، مع الحفيف، مع الظل والطل، ستمتلك لغة جديدة متخمة بالوضوح والجلاء والبلاغة والاعجاز، حوارات هائلة بين التويجات والسويقات، بين الحشرات والضفادع، بين النمور والغزلان، بين الشمس والقمر وحبة كرز او رائحة الجوافة وزهر الليمون. ستخرج متخما بالسعادة، بالحبور، بالفرح، فتتحول الى نسمة خفيفة تشق الافاق برائحة اللطف والحنو والحنان، تجلس فوق نرجسة، تقفز نحو تفاحة، تطير الى كوز صنوبر، تتوزع على أذرع زنبقة، فتصير شيئا من كل شيء، تتوحد مع عذرية المكونات توحد عذراء خلقت لتكون رمزا لعذرية ناضجة خافقة لا تفك.



ستتعلم حين ينتفض الوعي كشعب مقهور، كيف تنظر الى الجبال وأعناق الإبل والزرافات، كيف تتكون الكبرياء من دفق الشلالات وهي تسقط من أعلى كترياق يهزم السموم ويفتتها، ستدرك فكرة التوحد الغريبة في الأشياء، الأشياء التي تفتك بالمعهود والثابت والمتغير في ذات الهنيهة، كيف يتفاعل السحاب والغيم والافق مع السهل وما هو ادنى بكثير من السهل، ليمنح الأرض كلها، الأشياء كلها، سر الحياة، سر الروح، سر البقاء والاستمرارية، لتتكون الأشياء، تنمو، تكبر، تزدهر، تتألق، لترسم لوحات من جمال متناقض مؤتلف، متضاد متوحد، كالغابة والصحراء، كالجليد ومساحات الملح، كإِصْطِبَاب الأنهار و طُغْيان الموج، كالأرض الجرداء المحجوبة بصخر جَمَّاء وناتئ، التوحد بين عالي الأشياء وسافلها، الماء، الذي يتكون في باطن الأرض، يشق طريقه بين السهول والسهوب والوديان والكهوف، يتبخر، يصعد نحو الافاق، يتحول، يتساقط ماء بلا لون، ثلجا ناصعا بالبياض، يخترق الأرض، يسري بأوردة الجبال والهضاب والتلال، يخرقها، يندفع من الأعالي بقوة الذات، ليجري في الأنهر والابحر والمحيطات، لينسل في قاع الأرض، هو التوحد بين الأعالي والأسافل.



الماء، يحمل معجزة البقاء، الحياة، وهو الوحيد القادر على تحطيم الثابت والمتحول بتوزعه بين القمة والقاع كضرورة لا بقاء ولا حياة بدونها.



عندما يصل الوعي بك الى هذا المنحنى، عليك اتقان لغة الأشياء قبل لغة الانسان، لغة الصخر والصحراء والغابات والانهار والمحيطات، عليك ان تتقن، وستتقن كلما التزمت بشفافيتك كيف تحدث حصاة صغيرة، لو انزلقت من مكانها لتغيرت معالم الطبيعة في محيط يضم ملايين التنوع، ستهمس للدود العامل تحت التربة، باستسلام هادئ وديع، وتوشوش خليط بركان يصنع في جوف المحيط بقعة من يابسة تستعد لتنبض بالاختلاف والتنوع الذي يقود الى الوحدة والتوحد.



ستحملك الطبيعة، مع كل ما تقدم، مع الوعي نحو شيء غريب، لكنه معروف، مجهول، لكنه واضح، غامض، مضيء، فيه كل شيء وشيء وشيء، سيناديك وأنت ممتطي سرج سابح نداء الود والوفاء والإخلاص، وحين تترجل، ستعرف أنك أمام الكتاب.



للورق سحر غريب، رائحة مميزة، حُنو كما الخوافي، ناعم كلون الشمس وهي تغتسل في جدول صغير، مستبد كطاغية لا يفلت عبده الا بموت يقيني محتم، يستدرجك كمخدر لطيف خفيف، يبدأ حقنك بقليل لا يكاد يحس، يُصَعد الجرعة، حتى يلمك ويضعك في بؤرة ادمان لا فكاك منه الا بالموت او جنون الجنون.



ستعشق عبوديتك له، وستقاتل كمغوار باسل لامتلاك جرعات تفوق تكوينك وتركبيتك، ستبصم بالعشرة، وبالعين، والحمض النووي، بأن لديك الآن ما يغنيك عن تكبر المتكبر، وسفاهة السفيه، وما بينهما من درجات، ستمتلك معرفة محددة واضحة، فاصلة وقاطعة، بأن الصديق والعدو، المحب والكاره، الشقيق والشقيقة، الابن والابنة، هم رهن التجربة بين يدي الكتاب الذي انتشلك من كل الماضي والحاضر والمستقبل، ليضعك في دائرة الرضا والقناعة والحبور والسعادة، سَتُوَحد وتتوحد مع الماء الذي كسر كل قواعد المستحيل والممكن، ستندغم مع البخار، وتندمج مع الندى، ستتضافر مع الرذاذ، وتعاضد مع الندى.



من شفتيك ستخرج الحكمة، والخطأ الذي يقود الى التنقيب عن الصحيح، ستصبح مفرداتك هلال يعانق قوس قزح، وكلماتك قصائد أنين، تَأَوُّه، نَشِيج، لأنها تهتك بالبصيرة عمق الألم والوجع والعذاب، ستعترف اعتراف القاصر، بأن الفرح وكل ما يتصل به من مسميات، مولود من العذاب والضنك والكبد، وإن ظهر بصور تكاد تقصيه عن اصله ومحوره، هنا، سيأتي الماء مرة أخرى ليعجن ويَبُس كل الحزن والفرح في شعور متقد ملتهب مستعر، ليكون التسليم بولادة الفرح من رحم القهر والحرمان حقيقة لا تقبل الشك، فالولادة فرح متيقظ، والموت مصيبة قاتلة، لكنهما اصل الوجود والحياة والولادة والموت فالبعث، سلسلة مصهورة بذاتها، لا يتبينها الا من ملك ملكة الانقياد للكتاب.



حين يصبح الكتاب محور حياتك، ستكون قد امتلكت صهوة الوعي، ستطير على لون جناح فراشة مهاجرة لتضع نسلها على ورقة من شجرة توت تغني للرياح أغاني الصهيل والحمحمة. وحين تترجل ستحملك طيور الطنان وهي تعزف الحان النقاء نحو شاطئ يغص بالموج المتجدد، ستلتقفك سمكة حبار لتنقلك الى سلحفاة تسلمك بدوها لأخطبوط عملاق يقترن بحوت يرسل أصواتا تخترق حاجز الصمت، ستشعر بقوة الأعماق وسيطرتها وقدرتها على التبدل والتغير والتجدد في مراحل لا تكاد تلتقطها العين او الذاكرة او الرؤى والبصائر، للتوحد كأسطورة الماء التي عشناها قبل أسطر قليلة.



ستلمس أرواح هاجرت منذ ملايين الدهور، تلتقيها على نصل حرف أو شلْح زنبقة، حوارات ستدور، شد وجذب، تناقض وتوافق، اختلاف وتآلف، نقيض يضرب نقيض، وضد يوتر ضد، غليان يؤرق غليان، انهيار يفجر انهيار، كل شيء يصدم كل شيء، كل لا شيء يخض كل لا شيء. ستلتحم وتلتئم في غبار نثرته الخيول، وفي نثار ضاقت به النجوم، ستمد يدك نحو الياقوت والزمرد، فتراه حجرا كأي حجر، ستصقل الذهب والماس برمشك كأنه نسمة عابرة، ستولد بين مُشْكِل ومُعْجِز، وتكبر بين مُعْضِل ومُلْبِس، وتنضج بين مَغْمُور ومُبْهَم.



سيكون عليك البحث بعد كل هذا، عن درجات الوعي العصية، المستعصية، النادرة، العزيزة، النزرة، ستجدها بحاسة الحدس والفراسة، المعرفة والدراية، الفطرة بأنها تتكوم وتتمدد وتنبسط وتتكور وتتكدس في كتاب لا يشبهه كتاب، يحمل اسمه من الأصل الثلاثي لكلمة هي فاتحة الوعي ومنتهاه، إقرأ، والتي منها تنبثق كل الكلمات المتصلة بكل علم او معرفة او وعي وإدراك، هو القرآن الكريم، الضاج بالمعجزات، الزاخر بالدهشة، العابق بالانشداه، المحمل بالحيرة، المنتصب بالإذهال، المرتكز على التحدي مذ نزوله وحتى قيام الساعة.



حين تصل هذه المرحلة، ستصغر الدنيا بكل ما فيها، تتحول الى ظل لا يستطيع اتقاء الشمس، عندها ستكون أنت كما اردت ان تكون، أنت أنت. صاحب ذاتك وقائدها وجيشها وسلاحها، ستكون مرئيا في حين، وغير مرئي في أكثر الأحيان، لكنك تستطيع ان تجرح نصل سيف يماني او مهند دمشقي، ستحمل الجبال على بنانك، وتحتضن الزلازل كما تحتضن البلابل، ستمسك البركان وهو يستعر كتفاحة لها في بدء الخلق والوعي قصة.



مأمون أحمد مصطفى

10-01-2019

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...