رانية المهدي - الغسيل...

في الصَّباح، رأيتُ أمي كأنَّها لا تتعرف على المنزل، ظلَّت تدور فيه كضيفة تخشى أن تَسأل، تتحدث إلى نفسها وتكرر كلمة واحدة لا تكتمل؛ كأنَّها تخجل مِنْ نهايتها، ثُمَّ وجدتها تحمل فستانها الأبيض الذي لم أرَه يخرج مِن الخزانة يومًا، والذي تحول لونه إلى لون رمادي غريب، ترفعه عن الأرضِ وكأنَّها تخشى أن يلامسها، جَلَسَت على الكنبة ووضعته على ساقيها وأخذت تنظر إليه بعمق، وتتأمل تفاصيله، تتحسَّسه بيدها المرتعشة، ثُمَّ قلصت جبينها وضمت شفتيها سامحة لبعض القطرات السَّاخِنة أن تتساقط من عينيها، نهضت وقد قرَّرَت فجأة أن تضعه في البانيو وفتحت عليه الماء، ثُمَّ جمعت كل الملابس وكل شيء مصنوع مِن القماش ووضعتهما معه.
عندما استوعبنا ما حدث تعالت الأصوات وتشابكت الاتهامات؛ فلم يبق لأحد ما يستر به خروجه. أمي لا تعبأ بنا وتستمر على حالتها، تجلس على حافة البانيو تغرق الغسيل ومعه أفكارها التَّائهة.
انقطع التَّيَّار الكهربائي فجأة، وطال الانتظار.. أيَّام والملابس راكدة في الماء، عندما أمر بجوار البانيو
أشم الرَّائحة العفنة التي لم تكن جديدة، كانت مألوفة بشكلٍ مُخيف وكأنَّها خرجت مِن زمنٍ ظننَّاه انتهى، شعرتُ ببعضِ الفزعِ، حبست أنفاسي وابتعدت.
قرَّرَت أمي أن تنشر الغسيل المُتسخ على الحبل لينشف، لحظات وسمعنا طرقات الباب، تردَّد أبي قبل أن يجيب، فهو عار تماما، بعد لحظات مع تكرار الطَّرق فتح الباب وأخرج بعض رأسه فقط، فوجد الجيران بالأسفل يشتكون مِن الماء المُتسخ الذي يتساقط على ملابسهم المنشورة، والجيران في الأعلى يشتكون مِن الرَّائحة العفنة التي يحملها الهواء لهم مِن عندنا، أعتذر لهم أبي ووعدهم بمجرد أن تجف الملابس ستنتهي المشكلة، لكن الملابس لم تجف أبدًا وكأنَّ الرُّطُوبة استوطنتها للأبد، والرَّائحة العفنة رفعت راية الاستقرار.
تحاكى النَّاس في العمارة والحي عن الملابس المُتسخة التي لا تجف، وأصبح المكان أمام شرفتنا مزارا وساحة لالتقاط الصُّور والفيديوهات.
بعد فترة قل عدد النَّاس حتَّى اختفوا تماما، بينما اعتدنا نحن الرَّائحة، جلست أمي أمام الغسيل وهى تردد نفس الكلمة غير المكتملة.
بقلم رانية المهدي
من مجموعتي القصصية دماء لزجة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...