حين تتحول الرواية إلى منصة لـ«سيداو».. حرية المرأة لا تبدأ من الغرب
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لم يعد الجدل حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» محصوراً في أروقة السياسة والقانون، بل انتقل بصورة متزايدة إلى المجال الثقافي والأدبي، حيث تتناول بعض الروايات والكتابات قضية المرأة من منظور يجعل بعض المفاهيم المرتبطة بالاتفاقية وكأنها المعيار الوحيد للحرية والتحرر، متجاوزة في بعض الأحيان خصوصية المجتمع العربي والإسلامي ومرجعياته الدينية والثقافية.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة: هل تحتاج المرأة العربية والمسلمة إلى أن تعيد تعريف حريتها وفق منظومة خارجية حتى تثبت أنها حرة؟ وهل أصبح الانتماء إلى المرجعية الإسلامية عائقاً أمام حقوق المرأة؟
الإجابة، من منظور تاريخي وحضاري، ليست كذلك.
فالإسلام لم ينتظر الاتفاقيات الدولية الحديثة حتى يعترف للمرأة بإنسانيتها وحقوقها. لقد أقر لها حق التملك والإرث والمهر، وحفظ ذمتها المالية، وأكد كرامتها الإنسانية، ووضع منظومة من الأحكام والضوابط التي تنظم علاقة الرجل بالمرأة والأسرة والمجتمع. ولذلك فإن تصوير المرأة المسلمة باعتبارها لم تحصل على حقوقها إلا من خلال المفاهيم الحقوقية الغربية الحديثة يتجاهل جانباً أساسياً من التاريخ التشريعي والحضاري الإسلامي.
المشكلة ليست في أن يتناول الروائي أو الكاتب قضية المرأة، فحرية الأدب والتعبير والإبداع حق ينبغي احترامه. المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية من مساحة للإبداع والنقاش إلى أداة لتطبيع أفكار خلافية، أو عندما يجري تقديم نموذج معين للمرأة المتحررة باعتباره النموذج الوحيد المقبول، وتصوير الالتزام الديني والقيم الأسرية والاجتماعية باعتبارها قيوداً ينبغي التخلص منها.
وهنا تقع على عاتق النخب الثقافية مسؤولية مضاعفة؛ فالأديب لا يكتب في فراغ، والرواية تستطيع أن تؤثر في الوعي الجمعي أكثر مما تفعل عشرات المقالات السياسية. ولذلك فإن طرح قضايا حساسة مثل الأسرة والعلاقة بين الجنسين والزواج والطلاق والقيم الاجتماعية ينبغي أن يكون قائماً على المعرفة والوعي، لا على اختزال المجتمعات الإسلامية في صورة نمطية تحتاج إلى «إعادة هندسة» ثقافية.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الرقابة على الأدب أو مصادرة الرأي. على العكس، نحن مع حرية الكاتب، لكننا أيضاً مع حرية القارئ في النقد والرفض والمناقشة. فالحرية لا تكون باتجاه واحد، ولا يجوز أن تتحول الشعارات الحقوقية إلى حصانة فكرية تمنع المجتمع من مساءلة مضمونها.
كما يجب التعامل مع «سيداو» من منظور قانوني دقيق، لا من خلال المنشورات المتداولة التي تنسب إليها أحكاماً ليست واردة فيها حرفياً. فالاختلاف الحقيقي يتعلق ببعض المفاهيم والتفسيرات والالتزامات التي قد ترى دول ومجتمعات أنها تتعارض مع أحكام الشريعة أو قوانينها الوطنية.
واللافت أن عدداً من الدول الإسلامية والعربية تعاملت مع الاتفاقية بتحفظات، بما يؤكد أن المواءمة بين الالتزامات الدولية والمرجعيات الدستورية والدينية ليست قضية هامشية.
إن حقوق المرأة في العالم العربي والإسلامي يجب أن تُحمى بقوة القانون، وأن تُصان من العنف والاستغلال والتمييز والحرمان من الحقوق المشروعة، لكن ذلك لا يعني أن يكون الطريق الوحيد إلى إنصاف المرأة هو تبني كل ما يطرح تحت عنوان «التحرر» أو «المساواة».
خاتمة: لا لتحويل «سيداو» إلى وصاية ثقافية
المطلوب اليوم من المؤسسات التشريعية والثقافية والأكاديمية أن تفتح حواراً وطنياً جاداً حول «سيداو»، وأن تخضع أي مادة أو التزام لتقييم قانوني ودستوري واضح، وأن يكون المعيار هو مصلحة المجتمع وحقوق المرأة واحترام الشريعة والدستور، لا الضغوط أو الحملات الأيديولوجية أياً كان مصدرها.
كما أن على الأدباء والروائيين الذين يتناولون هذه القضايا أن يدركوا أن حرية الإبداع مصونة، لكن الترويج لفكرة لا يجعلها حقيقة، وتحويل الرواية إلى وسيلة لإعادة تعريف الأسرة والقيم والهوية لا يعفيها من النقد المجتمعي والفكري.
فالمرأة المسلمة ليست بحاجة إلى شهادة من اتفاقية دولية كي تكون إنسانة كاملة الكرامة والحقوق. الإسلام منحها حقوقاً أصيلة، والمطلوب اليوم تطوير أدواتنا القانونية والمؤسسية لحمايتها من الظلم، لا إعادة تعريف حريتها بما يتعارض مع منظومتها الدينية والثقافية.
والرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة: نعم لحقوق المرأة، نعم لمواجهة العنف والتمييز، نعم لحرية الفكر والإبداع؛ لكن لا لتحويل «سيداو» إلى مرجعية فوق الدستور، ولا لتحويل الأدب إلى منصة لفرض نموذج ثقافي واحد على مجتمع له دينه وتاريخه وقيمه.
وعقيدته الاسلاميه وهي أساس التشريع وقد أعطى المرأة كامل حقوقها
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
لم يعد الجدل حول اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» محصوراً في أروقة السياسة والقانون، بل انتقل بصورة متزايدة إلى المجال الثقافي والأدبي، حيث تتناول بعض الروايات والكتابات قضية المرأة من منظور يجعل بعض المفاهيم المرتبطة بالاتفاقية وكأنها المعيار الوحيد للحرية والتحرر، متجاوزة في بعض الأحيان خصوصية المجتمع العربي والإسلامي ومرجعياته الدينية والثقافية.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة: هل تحتاج المرأة العربية والمسلمة إلى أن تعيد تعريف حريتها وفق منظومة خارجية حتى تثبت أنها حرة؟ وهل أصبح الانتماء إلى المرجعية الإسلامية عائقاً أمام حقوق المرأة؟
الإجابة، من منظور تاريخي وحضاري، ليست كذلك.
فالإسلام لم ينتظر الاتفاقيات الدولية الحديثة حتى يعترف للمرأة بإنسانيتها وحقوقها. لقد أقر لها حق التملك والإرث والمهر، وحفظ ذمتها المالية، وأكد كرامتها الإنسانية، ووضع منظومة من الأحكام والضوابط التي تنظم علاقة الرجل بالمرأة والأسرة والمجتمع. ولذلك فإن تصوير المرأة المسلمة باعتبارها لم تحصل على حقوقها إلا من خلال المفاهيم الحقوقية الغربية الحديثة يتجاهل جانباً أساسياً من التاريخ التشريعي والحضاري الإسلامي.
المشكلة ليست في أن يتناول الروائي أو الكاتب قضية المرأة، فحرية الأدب والتعبير والإبداع حق ينبغي احترامه. المشكلة تبدأ عندما تتحول الرواية من مساحة للإبداع والنقاش إلى أداة لتطبيع أفكار خلافية، أو عندما يجري تقديم نموذج معين للمرأة المتحررة باعتباره النموذج الوحيد المقبول، وتصوير الالتزام الديني والقيم الأسرية والاجتماعية باعتبارها قيوداً ينبغي التخلص منها.
وهنا تقع على عاتق النخب الثقافية مسؤولية مضاعفة؛ فالأديب لا يكتب في فراغ، والرواية تستطيع أن تؤثر في الوعي الجمعي أكثر مما تفعل عشرات المقالات السياسية. ولذلك فإن طرح قضايا حساسة مثل الأسرة والعلاقة بين الجنسين والزواج والطلاق والقيم الاجتماعية ينبغي أن يكون قائماً على المعرفة والوعي، لا على اختزال المجتمعات الإسلامية في صورة نمطية تحتاج إلى «إعادة هندسة» ثقافية.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الرقابة على الأدب أو مصادرة الرأي. على العكس، نحن مع حرية الكاتب، لكننا أيضاً مع حرية القارئ في النقد والرفض والمناقشة. فالحرية لا تكون باتجاه واحد، ولا يجوز أن تتحول الشعارات الحقوقية إلى حصانة فكرية تمنع المجتمع من مساءلة مضمونها.
كما يجب التعامل مع «سيداو» من منظور قانوني دقيق، لا من خلال المنشورات المتداولة التي تنسب إليها أحكاماً ليست واردة فيها حرفياً. فالاختلاف الحقيقي يتعلق ببعض المفاهيم والتفسيرات والالتزامات التي قد ترى دول ومجتمعات أنها تتعارض مع أحكام الشريعة أو قوانينها الوطنية.
واللافت أن عدداً من الدول الإسلامية والعربية تعاملت مع الاتفاقية بتحفظات، بما يؤكد أن المواءمة بين الالتزامات الدولية والمرجعيات الدستورية والدينية ليست قضية هامشية.
إن حقوق المرأة في العالم العربي والإسلامي يجب أن تُحمى بقوة القانون، وأن تُصان من العنف والاستغلال والتمييز والحرمان من الحقوق المشروعة، لكن ذلك لا يعني أن يكون الطريق الوحيد إلى إنصاف المرأة هو تبني كل ما يطرح تحت عنوان «التحرر» أو «المساواة».
خاتمة: لا لتحويل «سيداو» إلى وصاية ثقافية
المطلوب اليوم من المؤسسات التشريعية والثقافية والأكاديمية أن تفتح حواراً وطنياً جاداً حول «سيداو»، وأن تخضع أي مادة أو التزام لتقييم قانوني ودستوري واضح، وأن يكون المعيار هو مصلحة المجتمع وحقوق المرأة واحترام الشريعة والدستور، لا الضغوط أو الحملات الأيديولوجية أياً كان مصدرها.
كما أن على الأدباء والروائيين الذين يتناولون هذه القضايا أن يدركوا أن حرية الإبداع مصونة، لكن الترويج لفكرة لا يجعلها حقيقة، وتحويل الرواية إلى وسيلة لإعادة تعريف الأسرة والقيم والهوية لا يعفيها من النقد المجتمعي والفكري.
فالمرأة المسلمة ليست بحاجة إلى شهادة من اتفاقية دولية كي تكون إنسانة كاملة الكرامة والحقوق. الإسلام منحها حقوقاً أصيلة، والمطلوب اليوم تطوير أدواتنا القانونية والمؤسسية لحمايتها من الظلم، لا إعادة تعريف حريتها بما يتعارض مع منظومتها الدينية والثقافية.
والرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة: نعم لحقوق المرأة، نعم لمواجهة العنف والتمييز، نعم لحرية الفكر والإبداع؛ لكن لا لتحويل «سيداو» إلى مرجعية فوق الدستور، ولا لتحويل الأدب إلى منصة لفرض نموذج ثقافي واحد على مجتمع له دينه وتاريخه وقيمه.
وعقيدته الاسلاميه وهي أساس التشريع وقد أعطى المرأة كامل حقوقها