إبراهيم محمود - بيت، لكن... قصة





-هنا عاش أجدادك، وهناك ماتوا، ودفنوا في الجوار، كما ترى، حيث تكون مقبرة العائلة الكبيرة الدالة على عراقة البيت، وحيث البيت يُعرَف بمقبرته.
كان أبي يكرّر على مسامعي هذه الكلمة التي أصبحت مثل التعويذة وهي بكامل تهجئتها ونبرتها، وقد حفظتها عن ظهر قلب، تجاوباً مع نصيحة تراءت لي أمراً:
وجود يتوقف على مدى وفائك لما قلته لك. ولقد كان أبي راضياً عني حتى وفاته، فلأكن راضياً عنك بالطريقة نفسها.
كنت أسخر بيني وبين نفسي من البيت وما يقوله فيه، ولم أجرؤ على إظهار حقيقة ما أراه وأحس به. كان يشدد على ضرورة تجنب التفوه بأي عبارة خلاف ما قاله هو ومَن كان قبله.
عندما كنت صغيراً، كنت أعلّق عليه وأقول لأبي:
-أبي ما هذا البيت؟ إنه صغير وسقفه واطىء، وهو يزرب شتاء، ولا يحمي من حرارة الصيف، وحتى جدرانه ملحوظبتشققاته وهي تتسع، وثمة حشرات لا تفارقه دائماً..
كان يبتسم بداية، حتى كبرت وأدركَ أنني أعي ما يقال لي، فبدأ بتكرار تلك التعويذة، فلم أعد أشير إلى ما كنت أشير إليه سابقاً، لقد صار الخوف كائناً حياً يتنفس بين جنبي وهو يمثّل ما نُقِل إلي..لكن صورة البيت في داخلي بقيت كما هي، وأنا أقارنها بالبيوت المجاورة. كان ثمة صمت يلازم هذه الحالة، وإن لم أفصح عنه جرّاء وطأة الجاري.
ذات يوم جاءنا أناس لا نعرف عنهم شيئاً، يتكلمون لغة أخرى، كانوا يحملون آلة تصوير، ومعهم لاقط صوت كما تبيّن فيما بعد.. صوّروا بيتنا من الداخل والخارج، كانوا يعرفون لغتنا..سألوني عن هذا البيت وكيف أقيم فيه وشعوري ناحيته.. لم أستطع أن أصارحهم بكل شيء.. كان لساني يتلعثم، قدَّروا، كما يظهر أنني غير مرتاح فيه، فتوقفوا عن طرح الأسئلة ذات الصلة بالبيت وما يحيط به وكيف نعيش فيه.
في اليوم الثاني، جاءنا آخرون، كانوا يعرفون لغتنا، حيث وجوههم نظيرة وجوهنا، وهم يحملون معهم، مثل أولئك آلة تصوير ولاقط صوت كذلك، كانوا وجوه البعض منهم عابسة، أنّبوني على ما قلت لأولئك، رغم أنني لم أقل شيئاً يُذكر.. أشاروا إلى صورتي، ووجهي المخطوف.. قالوا هذا كاف للتأكيد على أنك أسأت إلى بيتك وكل ما يخصه زماناً ومكاناً..عليك أن تثبت العكس، وأنت تقول لنا ما هو مطلوب منك، لئلا تكون ناكر معروف وجاحداً، فالإنسان ببيته، مهما كان. وليس المهم أن يصف ما يراه إنما ما يؤمن به .
جاءني أحدهم في اليوم التالي وهو يحمل جريدة وفيها صورتي وأنا في غاية السرور كما تقول ملامح وجهي. كيف أظهروني هكذا؟، وثمة الكثير نسِب إلي، في الصفحة الأولى منها، رداً على ما حدث، وقال لي حاملها:
احتفظ بها وأظهرها لكل من يأتي إليك، لترضى عنك الجهات المعنية .
بماذا وكيف ترضى عني هذه الجهات؟ لطالما قلت لهم أن هذا البيت عرضة للأخطار الطبيعية والخارجية، ولم يمنحنا الراحة أبداً، لا بد من بناء بيت جديد، كان الجواب القطعي هو:
كما قلنا لغيرك نقوله لك: الحفاظ على هذا البيت يعني الحفاظ على تراث أجدادك.. في هذا البيت أطياف الأجداد، رائحتهم، صورتك أنت حين ولدت وكبرت فيه، وستموت فيه ، وستدفن بالجوار منه.. كلها علامات كافية لتكون مبعث الفخر لك، ولا أحد يستطيع التأثير فيه .
كانوا يطمئنوننا بين الحين والاخر بزيارة خاطفة، ومعهم أوراقهم وأقلامهم وأجهزة ينصبونها في المكان، ويصورون ما لا أعلمه، وقبل أن يمضوا يقولون لي: كما رأيتهم، سيكون كل شيء على ما يرام.
لكن البيت كان يزداد سوءاً، حتى الشجر الملاصق له لم يعد يورق، حتى الطيور ما أن تقترب منه بطيران منخفض، حتى تحلق عالياً ما أن تراه عن قرب، وتمضي دون رجعة ، ووضعنا فيه يزداد سوءاً أكثر مع الزمن..
أكثر من ذلك، باتت المقبرة، مقبرة العائلة تتسع، وتلتهم مساحات إضافية مع الزمن، أكثر بكثير من مساحة البيت..يا للسخرية،كان أولئك الذين يراقبون كل شيء، يأتون دورياً، ليربطوا بين المقبرة والبيت،، يا لها من نغمة جديدة مستجدة، ولسان حالهم يقول: نعم، الإنسان ببيته، ولكن المقبرة تشهد على عراقة المكان، وحين يكون المرء مجاوراً لمقبرته، يشعر بالبقاء أكثر، كما لم لو أن أولئك لم يموتوا، والحفاظ عليهم ضروري.
يا لها من مفارقة، وأنا ألاحظ اهتماماً أكبر يتنامى بالمقبرة، كيف يشار إلى المقبرة أكثر من البيت، كيف بتنا نعرف بالمقبرة أكثر من البيت، كيف يشير إلينا أولئك الذين يأتون إلينا، ويرون كل شيء، فتكون المقبرة في الواجهة!
لا أكثر من الكلمات التي كانت تُردَّد دون أن أستوعبها، فتزيد في مخاوفي أكثر فأكثر.
فضولي القسري دفع بي إلى الاستفسار، فأعلموني مباشرة: بيتك يمنحك رسماً، أما المقبرة فتمنحك اسماً.
وأبانوا قائلين بصوت مسموع، وهم يركّزون علي، وعيونهم في عينيّ: احرص على بيتك، نعم، أما المقبرة ، فاحرص عليها أكثر، فمن هم فيها يراقبونك عن كثب.
مقبرة موغلة في القِدَم، قبور كثيرة دُرسِت، وقبور تبقّت آثار منها، وها هي تزيد ثقلي ثقلاً أكبر.
لأعيش بين الخوف المستمر من سقف بيت يتداعى في أي لحظة، ومقبرة تقيّدني بها أكثر فأكثر.
أتساءل هنا، وأنا أعيش هذه العلاقة، وأنا مشدود بين معاناتيْن: من أنا؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...