إبراهيم محمود - اعترافات كاتب سيء الصيت جداً... قصة

نعم، أنا كاتب سيء، سيء الصيت، سيء الصيت جداً. لو لم أكن سيء الصيت جداً، لما عُرِفتُ كاتباً.
أنا صريح جداً بالذي يخصني. لا شأن لي بغيري، وأحدّد من يرفض التعريف بنفسه كاتباً سيء الصيت جداً، وأضيف جداً، لأهميته، دون ذلك كيف في مقدور الكاتب أن يلفت الأنظار، أن يُشار إليه ليس بالبنان، وإنما بالعصا، أو بكل ما يصدم. ما قلته لا يكون مبعث بهجة لي إطلاقاً، إنما هو طريق سلكته، وتوقعت المصير الذي ينتظرني في هذا الذي يُسمَّى بالمجتمع ويرفض كل من يُسمّي فيه اعوجاجاً أو نقصاً!
لا أفكر في حساب النهايات، إنما في البدايات. لدي شغف كبير بالبدايات، كيف تكون، وكيف تستمر. هذا هو الفرق الكبير جداً بيني وبين الذين يتهمونني بالكاتب العدمي، التشاؤمي، المحبط.
ألصقوا بي تهماً من هذا النوع، لأنني مدمن ليال. ليس حباً فيها، وإنما لأنها تطالعني بمستجدات نهاراتها.
شكّوا في صمتي كثيراً. وهذا صحيح، لأنني مقل في الكلام جداً، وأجد عزائي في الصمت، لأن الصمت هو الذي يلهمني ويطالعني بأهوال الكلام الذي يتردد صداه ويصم الآذان.
إنها عقود طويلة لي مع الكتابة في هذه المدينة، التي تنام كثيراً، وأنام فيها قليلاً، ونادراً ما أرى فيها القمر.
سألوني: لماذا أنت لا تشارك في مناسباتنا التي تمثّل خصوصيتنا.
قلت: أريد أفقاً.
سألوني: لماذا أنت لم عن الفولكلور الذي يمثّل ماضينا كثيراً؟
قلت: لقد ضاقت بنا ثيابنا كثيراً.
سألوني: حتى أغانينا التي ذاع صيتها لا تصغي إليها. لماذا؟
قلت: لقد كثرت الدمى في واجهة المحلات.
سألوني: والأعداء الذين يحيطون بنا،لماذا تتجنب التذكير بهم؟
قلت:أفكر في الأنفاق التي تعبر الحدود.
سألوني: وأطفالنا وهم آمالنا المستقبلية، لم تكتب عنهم حرفاً واحداً. أليس هذا جحوداً؟
قلت:لقد ضجت بيوتنا وحدائقنا وساحاتنا ومدارسنا بالببغاوات .
سألوني: لسانك لساننا وصوتك لا يشبه صوتنا، هل فكَّرتَ في هذا؟
قلت: هل فكَّرتم في الصوت الصارخ في البرّية؟
سألوني: حتى البيئة نفسها لم تسلم من سطوة لسانك. وهذه إساءة صريحة لها. لماذا هذا التجنّي؟
قلت" الصحراء تقترب .
أسمعوني الصوت الذي تردد صوتُه: لا نريد أن نراك بعد الآن .
حاولت الخروج من المدينة التي كبرت فيها وكبرت معي.
الطريق الذي سلكته كان وعراً، ضيقاً، رأيت من خلاله الوجوه التي ألفتها وهي مخطوفة، والشجر الملحوظ بجذوع وأغصان لا أوراق لها.
تركت المدينة ورائي، وهي بلباس الحداد في ذاكرتي.
اختفت المدينة كلياً، وأنا أهبط منحدراً.
اقتربت من نهر عريض جار ٍ.
في الطرف الآخر رأيت أرضاً تفيض خضرة، وهواء عليلاً يهب من ناحيته.
بقي عليَّ أن أعبر النهر.
النهر عميق، كما يدل عليه هدوءه.
عبور النهر ليس سهلاً طبعاً.
بقيتُ واقفاً بين منحدر الطريق الذي قطعته، وبات من الصعب قطعه بالعكس، والنهر الذي يتحداني بعبوره.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...