رانية المهدي - الحاج فوزي...

وهو يضبط هندامه أمام المرآة
تذكر أيامه وذكرياته مع زوجته الراحلة الست مانجا، وكيف كانت تساعده عندما ينحشر في رقبة هذا الجلباب الضيق... تنفس ببطء ثم ابتسم وهز رأسه وأطلق لذاكرته العنان.

كم كانت طيبة رغم عصبيتها، جدعة وشديدة العزم وقت الشدة، حقانية لا تكذب أبدا، إلا عندما يمرض.
عندما يقول لها مازحا:
هموت يا مانجا
لترد عليه بثقة وثبات:
_تموت إيه... ده أنت صحتك قد عشرة... هتموتنا كلنا وأنت هتفضل عايش.
لتتحول كذبتها الصغيرة إلى حقيقة وترحل أولا في عز شبابها تحت عجلات القطار وهى عائدة من إحدى القرى التي كانت تجمع منها الجبن والسمن البلدي لتبيعه.

مسح دموعه بطرف كمه، وما إن هدأ قليلا حتى تسللت إلى قلبه ابتسامة وهو يستعيد أول مرة رأها.
كانت تقف في السوق تنادي على المانجا بصوت يملأ الكون حياة.
فظل واقفا أمامها كأنه مسحور...
حتى وجدها تنظر إليه وتبتسم وهى تقول:
_تشتري مانجا يا مانجا.
هربت منه الكلمات فابتلع ريقه وظل صامتا ينظر إليها وفمه مفتوح... فانطلقت ضحكتها لتملك قلبه للأبد
فلم يتحرك من مكانه حتى قابل أمها الحاجة صفية وطلب يدها.

ومنذ ذلك اليوم أطلق عليها اسم مانجا لتظل تلك اللحظة حاضرة في ذاكرته. اللحظة التي غيرت حياته وبدأت معها رحلة طويلة من الحب والصبر على الفقر والرضا بالموجود.

وتذكر شقاء السنين وألم البحث عن لقمة العيش، وصوتها الجميل الذي كان يهون كل الصعاب وهى تحمل قفص التين الشوكي على رأسها وتنادي:
_أبو الحلاوة يا تين والمفلس حزين.
فيتجمع حولها الكبار والصغار وتبيع الكمية كاملة ثم تحمل إليه ما لذ وطاب ولم تنس أبدا علبة السجاير ولفة الحلاوة الطحينية التي يحبها.
ولا يغيب عن ذاكرته منظر يديها عندما تعود منهكة فتجلس محنية الظهر و تمسك الملقاط لتنتزع الشوك من كفوفها الطيبة.

تنهد وأخذ يسأل نفسه:
كيف تحمل عاما كاملا من الغياب؟
عاما من الوحدة المُرة. ثم أخذ يسأل نفسه من جديد:
_هل ما يفعله الآن سيرضيها؟
أم ستغضب منه عندما يلتقيان؟
كاد أن يبكي مرة أخرى لكن صوت ابنته الكبرى انتزعه من أعماق ذكرياته البعيدة وهى تقول:
_يالا يا عريس، هنتأخر عالعروسة.
فتأمل وجهه قليلا... ثم حشر رأسه الضخم في رقبة الجلباب الضيق.
رش رشة واحدة من آخر عطر اشترته له الست مانجا... ثم اتجه للباب.
رانية المهدي


* من مجموعتي القصصية
#الأسماك_يحكمون_المدينة
التفاعلات: مصطفى البشير فودة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...