تمرغ الريح
من تحت وسادةٍ منتفخةٍ، أصدر هاتفُها صوتًا ناميًا.
متسلقًا كثافة زهورَ الجهنميةِ؛ المختبئةِ في انكساراتِ حوائطِ غرفتها العالية؛ كمنبهٍ.
لتتوقفَ ذاتُ الوسادةِ وجمةً عن لفظِ صغارِ أحشائها المتلصصةِ من ذلك الفتقِ الجانبي.
سحبتْ "نغم" رأسَها نحو حافة الوسادة البعيدة، لتتبعَها بسلاسةٍ خصلاتُها الطويلةُ من الحافةِ الأخرى – بثقل تردد الشيبِ فيهنَّ- في محاولةٍ منها لتفادي ذلك الهتف. إلا أن الخشخشةَ الناعمةَ، تخللتها طقطقاتٌ جافةٌ، تلاحقُ حدتُها؛ دون الاعتبار لرقةَ الصباح الغائم؛ وخزت نعستَها. ففتحتْ على إثرِ ذلك عينين لوزيتين يشدُّ لاحظَاهُما صغار النوم غطاءً.
واصل الصوتُ تسربَه بعد إسقاطِه لتلك الكتلِ القطنية المتلصصةِ حديثًا من الفتقِ نفسِه، ثم تابع تسربه نحو قطراتِ المحبسِ الراشحةِ ببطءٍ؛ في مكانٍ ما.
تمطى الوقتُ عنها بكلِّ أجزائهِ.
أدركَ المنبهُ خروجَه من حيزهِ التنبيهيِّ باختبارِ تجعيدةِ ورقتين متداخلتين، ليتحولَ إلى باحثٍ في حَواري مخيلتها عن هيئةٍ ليدِ جدِّها، الممسكةِ رغم رعشتها بطرفِ جريدتِه الثرثارةِ، المنشورةِ أمامهُ طوالَ الوقتِ باتساعِها. أو تلك الزقزقة في أحرفِ كلماتِه المترنحةِ على ظهرِ ورقِ "الكرافت" البنيِّ، التي يغلف بهِ هداياه كلما تسنَّى له بيعُ محاصيلِ أرضه المترامية خلف البصر. وكأن أطرافَها عُقِدَتْ بثوبِ الأفق...
أغمضتْ عينيها على صورةِ اخضرارِ الزرعِ المتمايلِ تحت أشعةِ شمسٍ من صيفٍ قديمٍ؛ وهما – عينيها - السابحتانِ في بركةٍ من كحلٍ ثائرٍ، مدٌّ وجزرٌ بسوادٍ لأبعدَ من محيطِ جفونِها الغائرةِ.
خطرَ لراحتيها أن ترتفعا وتصنعا فراغًا كرويًّا يحاكي صوتَ المنبهِ قبل استئنافهِ بإرسالِ كتيبةِ الإمدادِ الأولى. أدارتِ الفراغَ بما يلائمُ محاكاتَها لإصدارِ تلك الطقطقاتِ، إلا أن أطرافَ النعاسِ المتمردِ والقاطنِ في نفقِ معصميها، أَدْنَتْ بتلك الأناملِ في خُللِها المظلمةِ، تُقبل أهِلَّتها المضيئة انسدال الليلِ، خلفَ جفونِها...
أعاد المنبه فعلته.
دفعتْ مقدمةَ قدميها خارجَ اللحافِ المترامي فوقها بحركةٍ طفوليةٍ، لتخترقَها أشعةٌ من شمسِ الشتاءِ المتسللةِ من أقصى ركنِ البابِ المواربِ.
بانقضاضةٍ طفولية مكركرة...
جعلتْ أصابعَها تتوهجُ كالجمراتِ، وكأنَّ الشمسَ ظلتْ منذ الأمس خلفَ ليلتها متربصةً بهنَّ.
تخيلتْ لو أنَّ هذا الوهجَ الساطعَ هنا هو تمامًا؛ نفسُ اللونِ لصوتِ إحدى النغماتِ المتخشخشةِ هناك، والتي لأجلها تورطتْ كلُّ الأوراقِ من مختلفِ مواقعِها؛ كمادةٍ صوتيةٍ قابلةٍ للتأليفِ، إلى أن ينبتَ للإنصاتِ قدمٌ تدهسُ الأشجارَ، كما دهسَ الصمتُ حقَّ جدِّها في تلك الأرضِ.
رنَّ جرسُ الباَبِ في اللحظةِ التي لمسَ فيها إبهامُ قدمها الحافي موطئها الخشبي، لترى عند الجزءِ الأخيرِ من رفعِها لرأسِها ظلَّ الجدِّ يحبو رويدًا إلى أن ابتلعه الممر...
همَّتْ على مضضٍ نحو النافذةِ، استندتْ على عتبتِها دافعةً بنفسِها خارجَ إطارِها المستطيلِ قدرَ المستطاعِ. بدتْ معلقةً كالنافذةِ، وأمشاطُ قدميها بالكادِ تضغطُ على النسيجِ الداخليِّ لألواحِ البلوطِ العسليِّ الممتدةِ على مساحةِ أرضيةِ الغرفةِ.
استرقتْ نظراتٍ لاهيةً مابين العام والخاص في العابرين. مرَّغتْ وجهَها في الطقسِ الباردِ، وتمنَّتْ خلفَ خمول وعيِها لو أنَّ "غيدو داريتسو" تمرَّدَ على حياتِهِ الرهبانيَّةِ تلك؛ لو أنَّ ما أنتجَهُ ظلَّت ملكية الأديرةِ وحدَها، كتميمةٍ أبدية تخص حفَظةِ الترانيمِ.
لو أنه غض الطرف؛ لَمَا كانَ يتعيَّنُ عليها الآنَ الالتزامُ بمدرجِهِ الموسيقيِّ، وهي التي لم تلتزمْ باستقامةِ الخطوطِ المنقوشةِ على دفاترِها المدرسيةِ منذُ طفولتِها.
جمعتْ حاجياتِها في حقيبةِ ظهرٍ صغيرةٍ ، مدفوعةً بطاقة تلك الأمنيةِ الخاطفةِ؛ أكملتْ إدارةَ وشاحِها الأحمرِ حولَ عنقِها؛ وهي تقفزُ من درجة السلمِ لأخرى هبوطًا... حيث درسِ البيانو الأخيرِ.
ليفاجئَها جدُّها؛ واقفًا بتلك القامة قربَ صندوقٍ خشبيٍّ ضخمٍ، أزلق بيدِ تهتزُّ مفتاحًا في جيبها بعد خطوات قصيرة. لتتفاجأَ عند إدارةِ المفتاحِ في واجهة الصندوق، ببيانو... كهديةٍ.
برقتْ عيناها تتراقص دامعة، سحبتْ مع ابتسامتِها مقعدًا، جلست بهدوء. مرَّرتْ أصابعَها على المفاتيحِ دون الضغطِ عليها، وكأنَّ الصمت في لحظة السير على الماء لغةٌ جديدةٌ لكليهما.
نظرتْ إلى جدِّها. تذكرتْ قصَّتَهُ التي رواها في ذلك الصباحِ في أثناءَ تنظيفِ الأرضِ لزراعةِ الباوباب؛ بعدما أخبرتْهُ عن التحاقِها بمعهدِ الموسيقى الوطنيِّ.
أفسحتْ لهُ مجالًا بجانبِها، تردَّدَ قبل أن يستعيدَ الزمنُ وعيَهُ، وكأنه يعي أن تلك المساحةَ بجانبِها ليس إلا ثقبًا سيهوي بهِ نحو الماضي.
زحفتْ منهُ ابتسامةٌ نحو حدثٍ قديمٍ؛ تلك الليلةِ الحافلةِ والأخيرة في رأسِ الشارعِ. جلسَ أمامَ المفاتيح بكلِّ ما أُوتِيَ من شوقٍ حذر؛ نقر النقرة... ثم الثانية، ثم توقف عندما...
جذبتْهُ الأصواتُ الضاحكةُ من الخلفِ الساحةُ القرية الممتلئة، ولونُ الغبارِ المختلطِ بالأضواءِ الملونةِ، ملامحُ الوجوهِ المصطفةِ بكلِّ تعابيرِها ما بينَ عازفٍ ومتلقٍّ.
تعثَّرَت اللحظاتٍ المتناثرة داخلِه ببعضها، حتى اللحظة لشراءِه ذلك البيانو ليلتَها، بعدما كان يعزف عليهِ المارة بثمنٍ لا يناسبُ عمرَهُ، وهو أولُهم.
عندما قفزتْ إليهِ مفارقةٌ جعلتْهُ يتحاشى فكرة محاولةَ الوقوفِ أمامَها مجدداً...
"... أنَّ آلةً؛ تتحملُ أشكالًا من الجهلِ والفضولِ باسمِ العزفِ، تظلُّ تعطي كلَّ أحدٍ حقَّهُ في العبثِ بأوتارِها، وكأنَّها تتحملهم لأجلِ مقطوعةٍ أصيلةٍ تنامُ بداخلِها...
وإدراكها أيضًا في قرارةِ نفسِها بأنَّهم أملُها الوحيدُ، هؤلاءِ العابثون... تمامًا كبلادِهِ.
بعدَ أربعةَ عشرَ عامًا من العزوفِ والصمتِ، ضربَ بسبَّابتِهِ مفتاحًا طرفي، معلنةً برنتِها الناعسةِ تلك ألفَ اعتذارٍ ...
يربِّتُ بهِ على ربعِ الصوتِ الثائرِ في لهجتِهِ؛ قائلًا بها عندما نظرت إليه نغم: " إنَّ محاولةَ (الانزلاقِ) بآلةٍ لا تجيدُ سوى (القفزِ)؛ هو ذلك العبثُ القديم بعينِهِ".
و ما بين ربع التون في صوتها و اهتزاز عينيه بلادًا مثقوبة كلما عوتِ الريحُ فيهِ أسمعتْ مدائنَهُ خِواءَ النايِ.