إبراهيم الديب - السير باتجاه الغروب...

أصبح بطيء الخطى، وئيد الحركة؛ تأكد من ذلك أثناء نزوله درج السلم الذي كان يطويه في الماضي تحت قدميه صعودًا وهبوطًا برشاقة متناهية. لعل ذلك ترجمة صادقة عن نفسه العازفة عن المشاركة في أمور كانت تدعوه، من قبل، إلى الاندماج فيها بكل خلجة من نفسه، وتأخذ بتلابيبه؛ فيعبّ منها عبّ الظمآن حتى الثمالة.
فارقت نفسه الأماني، ولم تعد تداعبها الأحلام. تحول إلى شخص يعيش على الحياد، بوجه جامد لا يوحي بفرح، يقف في برزخ بين الموت والحياة، فاقدًا معيار التفرقة بين السيئ والقبيح، وكأن الحياة نفسها فقدت أهدافها. ابتلعت المدينة الأصوات، وتوقفت الضحكات، وأغلقت الشفاه. يقف على مسافة واحدة من كل ما يشاهده، بلامبالاة يحسبها البعض ترفعًا. ولكن شعوره الحقيقي ان الكل: قبض الريح، وحصاد الهشيم.
تساءل: ما كل هذه العتمة، و الانطفاء الداخلي الذي زحف وتوحش، محتلاً مساحات شاسعة من نفسه، حتى بدت كصحراء قاحلة مترامية الأطراف، خالية من جيوش تقاوم هذا الزحف القاتم؟ لماذا استسلمت حصونها دون مقاومة، وقعدت عن الدفاع.
تساءل: لماذا خذله صخب مقتبل العمر، وضجيجه؟ حينها كان في حاجة إلى سماء أوسع، وسحاب أقرب. لماذا لا يهبط المساء إلا حزينًا مظلمًا؟ ما الذي حدث؟ هل هو من تبدل؟ أم قوانين الحياة والعمر هي من فرضت عليه ما لم يكن في حسبانه، ولم يتوقع حدوثه بهذه السرعة المباغتة؟ ربما لعدم استعداده بصورة كافية ، فأخذه العمر على غرة، وفرت من بين يديه الأيام بعد أن اطمأن إلى صداقتها.
أين كان يسكن كل هذا الهدوء والسكون واللامبالاة والعزوف عن الحياة، ؟و كل صنوف الصمت وأسراره القديمة؟ كيف سلبت ارادته ، ووقوف مشاعره على الحياد ،أهو الثلج الذي يعمل على إزاحة الحرارة، والخمول الذي حل بديلاً عن الانطلاق؟ أهو تقدم ؟ أم هو الوعي بحقيقة دنيا، لا محالة فانية، ولا بد من الرحيل عنها؟
كان الغمام يحاصر قرص الشمس، ساترًا نوره حينًا، وكاشفًا عنه أحيانًا أخرى، فترسل الشمس ضوئها ليغمر الكون الفسيح، ويلون المساء الرمادي بألوان قوس قزح. لكن سحابا عابسا أغلق المسارات التي يتسرب منها ااضوء، بينما واصلت الشمس رحلة مصيرها ومسيرها الأبدي.
فأعلن يوم الدنيا منها غضبه ، لقتامة المشهد وعمل بنشاط ، في محاربة الظلام ف محاولة لإزاحته من الصورة. ولكن باءت محاولة اليوم بالفشل فلم يجد بدا من لملمة ما تبقى منه على صفحة الكون، وهرول مغادرًا، فبدا لمن يراقبه كأنه شبه مطرود.
غض الطرف عن لوحة الكون الغامضة الغاضبة، وواصل مسيره في تلافيف شوارع المدينة وأزقتها الحزينة، حتى وجد نفسه على أطرافها. استنشق هواء الخريف، خليطًا من التراب ورائحة الأشجار العتيقة.
أخرجه فجأة من شروده ضجيج مجموعة من الشباب صغار السن، لا تنقصهم الرشاقة والانطلاق والإقبال على الحياة.
كان كل منهم يقص أحلامه وآماله على الآخرين، فتداخلت الرغبات مع أنسجة الروح، وكأن الشمس توهجت فجأة في داخلهم.
كان الجميع في حالة توهج، سعيدًا بما سيحققه ويناله من الدنيا في غده القريب؛ وكأن كل واحد منهم يقرأ من كتاب مفتوح، وكأنه سيعيش أبد الدهر. يحكي كل منهم، بشغاف قلبه وأعماقه، عما سيكونه، وما يخبئه الغد من فرح عظيم.
كانوا منطلقين بخفة نفس وروح، ليست أجمل من رشاقة خطواتهم، ولا من سلاسة أفكارهم ووضوحها. تقرأ في نظراتهم المتبادلة مرح الصحبة وبريق المغامرة، وكأن الأرض تضيق بأحلامهم، وكأن العمر أقصر من أمانيهم.
بدت مسافة كبيرة تفصل بينهم وبينه. واصلوا انطلاقهم نحو شرق المدينة، بينما هو، يسير بهدوء شديد في اتجاه الغروب...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...