كنت حزينة، ولا أعرف على وجه الدقة لماذا كان الحزن يرافقني في تلك الأيام كظل لا يفارق صاحبه. لم يحدث شيء واضح يمكنني أن أضع إصبعي عليه وأقول: لهذا أنا حزينة، ومع ذلك كنت أشعر بثقل غريب في صدري، كأن الأيام تخبئ لي شيئًا لا أعرفه، وكأن هناك بابًا في حياتي فتحه أحدهم من خلف ظهري دون أن يخبرني. كنت أرى في عيني أبي دهشة لم أفهمها، وألاحظ أنه حين ينظر إليّ يصمت للحظات أطول مما اعتدت، ثم يعود إلى حديثه العادي كأن شيئًا لم يكن. لم يخطر ببالي أن فتحي كان قد جاء إلى بيتنا قبل أيام، وجلس مع أبي، وطلب يدي منه. لم أعرف أن الرجل الذي كنت أظنه ينتظر رأيي في كل شيء يتعلق بي، كان قد اتخذ خطوة كاملة في اتجاه حياتي دون أن أعرف بها. وربما كان هذا هو سر هدوئه في الفترة الأخيرة، وسر تلك النظرات التي لم تعد تحمل قلقًا من أن أرفضه أو أبتعد عنه؛ فقد كان يعرف شيئًا لم أكن أعرفه، ويعرف عن مشاعري نحوه أكثر مما كنت مستعدة للاعتراف به حتى لنفسي، وربما كان يظن أن الأمر محسوم لأن قلب فتاة في الثامنة عشرة لا يعرف كيف يخفي ارتباكه أمام من يراقبه جيدًا. لكن السؤال الذي ظل يطاردني بعد ذلك كان أكثر قسوة: لماذا لم يسألني أبي؟ ولماذا لم يقل لي فتحي إنه جاء إلى البيت؟ ولماذا تركاني أعيش أيامي وأنا آخر من يعلم بأمر يخص مستقبلي كله؟ ربما كنت أنا أيضًا مذنبة في صمتي؛ لم أسأل أبي عما يقلقه، ولم أحاول أن أفهم سبب تغير ملامحه، فقد كنت منشغلة بأشياء أخرى تبدو في تلك اللحظة أكبر من كل شيء. كنت أخاف من الكتابة حينًا، ومن المستقبل حينًا، ومن نتيجة الثانوية العامة أكثر مما أحب أن أعترف. كان المستقبل بالنسبة إلى فتاة في مثل سني كلمة واسعة جدًا، أكبر من قدرتي على تخيلها، وكانت فكرة أن يخذلني مجموع الثانوية العامة ترعبني، ليس لأنني كنت أخشى الرقم نفسه، وإنما لأنني كنت أخشى أن يغلق الرقم بابًا حلمت به طويلًا، وأن أجد نفسي فجأة في طريق لم أختره. ولهذا أمسكت أطراف كراستي البائسة ذات ليلة، وجلست وحدي في حجرتي، وكتبت دون تفكير طويل: «عندما تصل إلى مرحلة ترى فيها أغلب الأشياء تافهة، فاعلم أنك فهمت الحياة.» قرأت الجملة أكثر من مرة، ولم أعرف إن كنت أكتب عن الحياة فعلًا أم عن نفسي. لم يقرأ أحد كراستي تلك المرة. تركتها في المنزل، حبيسة جدران حجرتي، ثم دسستها تحت وسادتي، كما لو كنت أخبئ شيئًا أخشى أن تقع عليه عين أخرى. أصبحت الكراسة ملجئي الصغير؛ كلما جاءتني فكرة وأنا أذاكر، وكلما مر بخاطري مشهد أو جملة أو إحساس لم أجد له مكانًا في الحديث العادي، أخرجتها ودوّنت ما يدور في رأسي، ثم أعود إلى كتبي كأنني لم أفعل شيئًا. كانت الكتابة تمنحني شعورًا غريبًا بالسيطرة؛ ففي عالم لا أملك فيه اختيار الكثير من الأشياء، كنت أملك على الأقل أن أكتبها بالطريقة التي أريدها.
وجاء موعد برنامجي المدرسي الذي كنت أرى فيه شيئًا من روحي، شيئًا يشبهني أكثر مما تشبهني حصص كثيرة. كان برنامج الفلسفة بالنسبة إليّ أكثر من نشاط مدرسي؛ كان المساحة التي أتكلم فيها كما أريد، وأسأل كما أريد، وأقول ما لا أستطيع قوله في أماكن أخرى. لكن صوتي غاب ذلك اليوم عن المدرسة، وكأن جسدي كان حاضرًا بينما قررت روحي أن تبتعد قليلًا. كنت قد اعتذرت للأستاذة عزة قبلها وطلبت منها أن تسند البرنامج إلى طالبة أخرى، لكنها رفضت بشدة وقالت لي: «البرنامج فكرتك من الأساس يا هالة، وأنا لا يهمني كثيرًا أن تقدميه أو لا، لكنني لا أريد أن تتركي شيئًا صنعته بيدك لمجرد أنك متعبة.» نظرت إليها وتنهدت وقلت: «كما تحبين.» لم تكن لديّ طاقة للجدال. صعدت إلى فصلي وجلست في مقعدي، ولم أحضر الطابور. أخرجت كتاب اللغة العربية ووضعته أمامي حسب جدول الحصة، وجلست أراقب من النافذة حتى انتهى الطابور وامتلأت الممرات بالأصوات والضحكات وخطوات الطالبات، لكن الضجيج الذي كان في داخلي بدأ يهدأ رويدًا رويدًا. دخلت زميلاتي الفصل، وألقيت عليهن تحية الصباح، فرددنها عليّ، ثم قالت إحداهن وهي تضحك: «أنتِ هنا؟ إذن لا صوت للمدرسة اليوم.» ابتسمت وقلت: «الهدوء نعمة كبيرة لا يشعر بقيمتها إلا من حُرم منها، والسكون ملاذ لكل متعب.» قالت نرمين: «صباح الفلسفة.» فقلت وأنا أنظر إلى النافذة: «صباح الرضا.» لم أكن أعرف أنني في ذلك الصباح كنت أقول كلامًا يشبهني أكثر مما أدرك. كانت الأيام ما تزال تعلن عن جديد، لكنني لم أكن أعرف أن الجديد هذه المرة سيأتي من مكان لم أستعد له.
وفي تلك الفترة بدأت أكتب شيئًا مختلفًا عن كل ما كتبته من قبل. لم أعرف هل أسميه قصيدة أم نصًا شعريًا، فقد كانت هذه أول مرة أجرب فيها أن أترك الجملة تمشي خارج قوانين الحكاية، وأن أسمح للمشاعر أن تتكلم دون أن أبحث لها عن بداية ووسط ونهاية. كتبت: «لا بأس... فالذكريات تهرول بالحنين، وأنا أنتظر متاهات الحيرة وملامح الظلال الوحيدة لكي أستعير أجنحة القصيدة.» لم أكن أعرف من أين جاءت الكلمات، لكنها كانت تشبه حالة معلقة بين الحزن والانتظار. كنت أختبئ أحيانًا من أعين من حولي خلف الممر الطويل، أو أقف قرب النافذة وأترك نسمة الهواء الشتوية تداعب خصلات شعري البني. كنت أضم الجاكت الأزرق إلى كتفي من شدة البرد، بينما كانت رضا تحاول إغلاق زجاج النافذة، فأقول لها: «لا، دعي الهواء والنور يدخلان، أريد أن أملأ رئتيّ منهما.» كانت لحظات صغيرة، لكنها بقيت في ذاكرتي طويلًا، ربما لأنني لم أكن أعرف وقتها أن الأشياء التي تبدو عادية ونحن نعيشها تصبح فيما بعد أثمن ما نبحث عنه حين تتغير الحياة. وكان يومًا بلا اسم، أو ربما كان الاسم موجودًا وأنا وحدي التي لم أره بعد. كتبت أيضًا: «اجعل بينك وبين الدنيا مسافة من الحكمة؛ فلا يغرّك إقبالها، ولا يحزنك إدبارها.» ثم توقفت، ووجدتني أكتب تحتها: «وتأتي الفرحة عندما نؤمن بأنها سوف تأتي.» كنت أكتب وكأنني أرسل رسالة إلى فتاة أخرى لا أعرفها، فتاة ستقرأني بعد سنوات وتفهم لماذا كنت في ذلك العمر أبحث عن الحكمة وأنا ما زلت أتعثر في أبسط قراراتي.
وفي ذلك اليوم كان قابيل يقترب مني مبتسمًا على غير عادته. كان يعرف أن ابتسامته لا تمر علينا بسهولة، فقلت أنا ونرمين في وقت واحد تقريبًا: «وراء ابتسامتك حاجة، قول أحسن لك، وإلا أنت عارف.» ضحك وقال: «لا، أنا في عرضكم، بلاش مقالب النهارده.» قلت: «إذن تكلم.» وقبل أن يجيب وصلت صفاء، وبعدها سناء، توأمها، فقالت صفاء: «إنتوا عاملين اجتماع ولا إيه؟» قال قابيل وهو ينظر إلينا: «طيب أقول لكِ لوحدك.» قلت بسرعة: «لا، تكلم، ليس بيننا أسرار.» لم أعرف لماذا قلتها بتلك الثقة، ربما لأنني كنت أظن أن ما سيقوله شيء عادي، خبر عن المدرسة أو عن المدرسين أو عن أي شيء يمكن أن نضحك عليه ثم ننساه. لكن قابيل لم يضحك هذه المرة. نظر إليّ قليلًا، ثم قال: «فتحي زار والدك من كام يوم.» لم أفهم الجملة في البداية. ظللت أنظر إليه كأنني أنتظر أن يكملها بشيء آخر، لكنه سكت. قلت: «وبعدين؟» قال: «طلب إيدك.» شعرت كأن أحدًا سحب الأرض من تحت قدمي. لم أسمع بقية الأصوات من حولي، ولم أرَ وجوه صديقاتي للحظات. أبي وفتحي... وأنا أين كنت؟ كيف حدث ذلك وأنا لا أعرف؟ كيف جلس الرجل الذي كان يقرأ كلماتي، ويعرف ارتباكي، ويتحدث معي عن المستقبل، أمام أبي واتخذ خطوة بهذا الحجم دون أن يخبرني؟ لم يكن السؤال الوحيد الذي أوجعني، بل كان هناك سؤال آخر أشد قسوة: لماذا لم يأخذ رأيي؟ هل أصبح مستقبلي قرارًا يمكن أن يتخذه الآخرون نيابة عني؟ ظللت جالسة في مكاني لا أعرف هل أفرح أم أحزن. كانت صفاء أول من استعاد صوتها، فقالت وهي تضحك: «أخيرًا! ألف مبروك، أنا كسبت الرهان.» أما سناء فقالت وهي تهز رأسها: «فتحي ده طلع مصيبة.» وقالت نرمين بانتصار: «أهو بقت رسمي، علشان لما أقول لك حاجة تصدقي.» لم أضحك معهم. كنت أسمع كلماتهن من بعيد، كأنهن يتحدثن عن فتاة أخرى تجلس في مقعدي. وضعت يدي على كراستي، وضممتها إلى صدري دون أن أفتحها. كنت أشعر أن كل الكلمات التي كتبتها عن الحرية والاستقلال وحق الإنسان في اختيار مصيره أصبحت فجأة تقف أمام اختبار حقيقي، وأنني لأول مرة لن أستطيع أن أختبئ خلف الكتابة. رفعت عيني نحو الممر، وكأنني كنت أنتظر أن يظهر فتحي في نهايته، لكنه لم يظهر. وفي تلك اللحظة فهمت أن الأمر لم يعد مجرد نصوص وحوارات ونظرات عابرة. لقد دخلت حياتي خطوة حقيقية، خطوة اتخذها رجل من أجلي، مع أبي، بينما كنت أنا ما زلت أحاول أن أفهم قلبي. وبينما كانت صديقاتي يتحدثن عن الخطوبة والرهان والمباركة، كنت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا لم أستطع التخلص منه: هل من يحبني حقًا يحق له أن يقرر الطريق الذي سأمشي فيه، أم أن الحب نفسه يصبح قيدًا حين يتجاوز حق الإنسان في أن يختار؟ ولم أكن أعرف أنني في الأيام القادمة سأضطر إلى مواجهة هذا السؤال وجهًا لوجه، لا مع فتحي وحده، وإنما مع أبي، ومع نفسي، ومع تلك الفتاة التي كنت أظن أنني أعرفها جيدًا، ثم اكتشفت أنها تقف للمرة الأولى أمام قرار قد يغير حياتها كلها.
من رواية امرأة من زمن الحلم
بقم:الكاتبة ھدى حجاجي أحمد
وجاء موعد برنامجي المدرسي الذي كنت أرى فيه شيئًا من روحي، شيئًا يشبهني أكثر مما تشبهني حصص كثيرة. كان برنامج الفلسفة بالنسبة إليّ أكثر من نشاط مدرسي؛ كان المساحة التي أتكلم فيها كما أريد، وأسأل كما أريد، وأقول ما لا أستطيع قوله في أماكن أخرى. لكن صوتي غاب ذلك اليوم عن المدرسة، وكأن جسدي كان حاضرًا بينما قررت روحي أن تبتعد قليلًا. كنت قد اعتذرت للأستاذة عزة قبلها وطلبت منها أن تسند البرنامج إلى طالبة أخرى، لكنها رفضت بشدة وقالت لي: «البرنامج فكرتك من الأساس يا هالة، وأنا لا يهمني كثيرًا أن تقدميه أو لا، لكنني لا أريد أن تتركي شيئًا صنعته بيدك لمجرد أنك متعبة.» نظرت إليها وتنهدت وقلت: «كما تحبين.» لم تكن لديّ طاقة للجدال. صعدت إلى فصلي وجلست في مقعدي، ولم أحضر الطابور. أخرجت كتاب اللغة العربية ووضعته أمامي حسب جدول الحصة، وجلست أراقب من النافذة حتى انتهى الطابور وامتلأت الممرات بالأصوات والضحكات وخطوات الطالبات، لكن الضجيج الذي كان في داخلي بدأ يهدأ رويدًا رويدًا. دخلت زميلاتي الفصل، وألقيت عليهن تحية الصباح، فرددنها عليّ، ثم قالت إحداهن وهي تضحك: «أنتِ هنا؟ إذن لا صوت للمدرسة اليوم.» ابتسمت وقلت: «الهدوء نعمة كبيرة لا يشعر بقيمتها إلا من حُرم منها، والسكون ملاذ لكل متعب.» قالت نرمين: «صباح الفلسفة.» فقلت وأنا أنظر إلى النافذة: «صباح الرضا.» لم أكن أعرف أنني في ذلك الصباح كنت أقول كلامًا يشبهني أكثر مما أدرك. كانت الأيام ما تزال تعلن عن جديد، لكنني لم أكن أعرف أن الجديد هذه المرة سيأتي من مكان لم أستعد له.
وفي تلك الفترة بدأت أكتب شيئًا مختلفًا عن كل ما كتبته من قبل. لم أعرف هل أسميه قصيدة أم نصًا شعريًا، فقد كانت هذه أول مرة أجرب فيها أن أترك الجملة تمشي خارج قوانين الحكاية، وأن أسمح للمشاعر أن تتكلم دون أن أبحث لها عن بداية ووسط ونهاية. كتبت: «لا بأس... فالذكريات تهرول بالحنين، وأنا أنتظر متاهات الحيرة وملامح الظلال الوحيدة لكي أستعير أجنحة القصيدة.» لم أكن أعرف من أين جاءت الكلمات، لكنها كانت تشبه حالة معلقة بين الحزن والانتظار. كنت أختبئ أحيانًا من أعين من حولي خلف الممر الطويل، أو أقف قرب النافذة وأترك نسمة الهواء الشتوية تداعب خصلات شعري البني. كنت أضم الجاكت الأزرق إلى كتفي من شدة البرد، بينما كانت رضا تحاول إغلاق زجاج النافذة، فأقول لها: «لا، دعي الهواء والنور يدخلان، أريد أن أملأ رئتيّ منهما.» كانت لحظات صغيرة، لكنها بقيت في ذاكرتي طويلًا، ربما لأنني لم أكن أعرف وقتها أن الأشياء التي تبدو عادية ونحن نعيشها تصبح فيما بعد أثمن ما نبحث عنه حين تتغير الحياة. وكان يومًا بلا اسم، أو ربما كان الاسم موجودًا وأنا وحدي التي لم أره بعد. كتبت أيضًا: «اجعل بينك وبين الدنيا مسافة من الحكمة؛ فلا يغرّك إقبالها، ولا يحزنك إدبارها.» ثم توقفت، ووجدتني أكتب تحتها: «وتأتي الفرحة عندما نؤمن بأنها سوف تأتي.» كنت أكتب وكأنني أرسل رسالة إلى فتاة أخرى لا أعرفها، فتاة ستقرأني بعد سنوات وتفهم لماذا كنت في ذلك العمر أبحث عن الحكمة وأنا ما زلت أتعثر في أبسط قراراتي.
وفي ذلك اليوم كان قابيل يقترب مني مبتسمًا على غير عادته. كان يعرف أن ابتسامته لا تمر علينا بسهولة، فقلت أنا ونرمين في وقت واحد تقريبًا: «وراء ابتسامتك حاجة، قول أحسن لك، وإلا أنت عارف.» ضحك وقال: «لا، أنا في عرضكم، بلاش مقالب النهارده.» قلت: «إذن تكلم.» وقبل أن يجيب وصلت صفاء، وبعدها سناء، توأمها، فقالت صفاء: «إنتوا عاملين اجتماع ولا إيه؟» قال قابيل وهو ينظر إلينا: «طيب أقول لكِ لوحدك.» قلت بسرعة: «لا، تكلم، ليس بيننا أسرار.» لم أعرف لماذا قلتها بتلك الثقة، ربما لأنني كنت أظن أن ما سيقوله شيء عادي، خبر عن المدرسة أو عن المدرسين أو عن أي شيء يمكن أن نضحك عليه ثم ننساه. لكن قابيل لم يضحك هذه المرة. نظر إليّ قليلًا، ثم قال: «فتحي زار والدك من كام يوم.» لم أفهم الجملة في البداية. ظللت أنظر إليه كأنني أنتظر أن يكملها بشيء آخر، لكنه سكت. قلت: «وبعدين؟» قال: «طلب إيدك.» شعرت كأن أحدًا سحب الأرض من تحت قدمي. لم أسمع بقية الأصوات من حولي، ولم أرَ وجوه صديقاتي للحظات. أبي وفتحي... وأنا أين كنت؟ كيف حدث ذلك وأنا لا أعرف؟ كيف جلس الرجل الذي كان يقرأ كلماتي، ويعرف ارتباكي، ويتحدث معي عن المستقبل، أمام أبي واتخذ خطوة بهذا الحجم دون أن يخبرني؟ لم يكن السؤال الوحيد الذي أوجعني، بل كان هناك سؤال آخر أشد قسوة: لماذا لم يأخذ رأيي؟ هل أصبح مستقبلي قرارًا يمكن أن يتخذه الآخرون نيابة عني؟ ظللت جالسة في مكاني لا أعرف هل أفرح أم أحزن. كانت صفاء أول من استعاد صوتها، فقالت وهي تضحك: «أخيرًا! ألف مبروك، أنا كسبت الرهان.» أما سناء فقالت وهي تهز رأسها: «فتحي ده طلع مصيبة.» وقالت نرمين بانتصار: «أهو بقت رسمي، علشان لما أقول لك حاجة تصدقي.» لم أضحك معهم. كنت أسمع كلماتهن من بعيد، كأنهن يتحدثن عن فتاة أخرى تجلس في مقعدي. وضعت يدي على كراستي، وضممتها إلى صدري دون أن أفتحها. كنت أشعر أن كل الكلمات التي كتبتها عن الحرية والاستقلال وحق الإنسان في اختيار مصيره أصبحت فجأة تقف أمام اختبار حقيقي، وأنني لأول مرة لن أستطيع أن أختبئ خلف الكتابة. رفعت عيني نحو الممر، وكأنني كنت أنتظر أن يظهر فتحي في نهايته، لكنه لم يظهر. وفي تلك اللحظة فهمت أن الأمر لم يعد مجرد نصوص وحوارات ونظرات عابرة. لقد دخلت حياتي خطوة حقيقية، خطوة اتخذها رجل من أجلي، مع أبي، بينما كنت أنا ما زلت أحاول أن أفهم قلبي. وبينما كانت صديقاتي يتحدثن عن الخطوبة والرهان والمباركة، كنت أسأل نفسي سؤالًا واحدًا لم أستطع التخلص منه: هل من يحبني حقًا يحق له أن يقرر الطريق الذي سأمشي فيه، أم أن الحب نفسه يصبح قيدًا حين يتجاوز حق الإنسان في أن يختار؟ ولم أكن أعرف أنني في الأيام القادمة سأضطر إلى مواجهة هذا السؤال وجهًا لوجه، لا مع فتحي وحده، وإنما مع أبي، ومع نفسي، ومع تلك الفتاة التي كنت أظن أنني أعرفها جيدًا، ثم اكتشفت أنها تقف للمرة الأولى أمام قرار قد يغير حياتها كلها.
من رواية امرأة من زمن الحلم
بقم:الكاتبة ھدى حجاجي أحمد