شعر أن الغرفة التي يسكنها ضيقة، لا بل ضيقة جداً.
شعر في الوقت نفسه، في الوقت نفسه تماماً وتحديداً، أن هناك شيئاً آخر، شيئاً آخر تماماً وتحديداً، دفع به لأن يفكر في المنفردة التي أقام فيها رغماً عنه، بصفة معتقل سياسي، وهو لم يكن سياسياً يوماً، وأن ما ذاقه من مرارة وكابده من عذاب لا يوصفان.
لحظة شعوره بأن غرفته ضيقة جداً، لحظة إحساسه بما هو عليه جسده ونفسه معاً، فكّر في العديد من المواقف التي كادت أن تهلكه، أن تشرذمه من الداخل، وقد حُشِر فيها، من قِبل من لا تربطه بهم أي علاقة فعلية، ودون أن يعثر على أي مبرر لما حدث.
لحظة شعوره أن غرفته ضيقة جداً عليه، وهو يمسحها بناظريه، وهي بسقفها الواطىء، وهي بنافذتها الصغيرة والمطلة على زقاق ضيق، وأنه لا يستحق الإطلالة عليه، إنما عليه التزام عليه حيث يقيم، لئلا يُتهّم بالتلصص على الآخرين، كان ثمة ما يمنحه انتشاراً في المكان الذي يتجاوز نطاق الحيطان الأربعة المتقاربة من بعضها بعضاً، ويتنفس بعمق.
شعر أن الغرفة الضيقة جداً، أوسع مما هي عليه، بما أنها تتناسب وتقديره بالغ الإيجابية لها:لقد تكيف معها، وربما هي نفسهاغ تكيفت معه، ومن خلالها ينتقل إلى الخارج بحساباته الخاصة، لا أحد يمكن أن يزعجه، ومن يقصده وهو في غرفة كهذه؟ ذلك ضمان أمان واستقرار له، ليعيش المتبفي غير المحتسب بعد من عمره طبعاً، وهو يتخذ وضعيات مختلفة فيها: مستلقياً، منبطحاً، جاثياً، متوسداً ركبتيه في وضعية الجلوس، نصف واقف، رغم انزعاجه، لأنه لا يستطيع الوقوف كاملاً، لكن المهم هو أن هواء الغرفة يكفيه، ليتنفس بالطريقة التي يرغب، ونافذة الغرفة تكفيه، ليشعر بالعالم عير ضفيرة ضوئية من خلالها يقدّر الوقت.
وإذا كان السقف يضايقه أحياناً، فقد تكيف هو الآخر معه، كما تقدم، فثمة ما يحرره من المكان هذا، وهو يسترسل عبر أفكاره، وهو يحس بكامل جسده، إذ يتنفس بعمق،ويمسّد شعره، ويمرر يديه على كامل رجْليه، مدركاً أنه ينسكن بجسد يشعره له، عبر دفقات أحاسيس ومشاعر، مرفقة بأفكار، وخيالات تضع العالم بين يديه، ويمكّنه ذلك من التركيز على ما يريد بصورة أفضل. بعملية حسابية بسيطة أدرك ويدرك دائماً، أن المكان كمساحة ليس المحدد النهائي لسعادة المرء، ما يهم هو دوام المصالحة، ديمومة التعايش بسوية جسدية.
الأقرب إليه في التمثيل هو الذئب، إنه يختار لجسمه في وكره، ما يتناسب ومساحته الجسمية، مع هامش يكفي لانسيابيته وهو يتكور على نفسه، أو ينسحب إلىالخارج أو يرجع عليه.
الأٌقرب إليه عكساً، هو من يعرفهم عن قرب، في فيلّاتهم، أو بيوتهم التي يمنحونها من القيمة أكثر من تلك التي يمنحونها لأنفسهم، لأجسادهم، وكيف يمكنها أن تتنفس راحة وأماناً. من خلال تجربته بالحياة، يعرف إلى أي مدى ينتهبهم القلق، بقدْر ما يبقيهم الخوف خارج النفس التي كانت سبباً في جزء كبير منها، لأن يراهنوا على ما يبنونه خارجاً،ويعرف بعضهم بعضاً بهذا الخارج.
هذا المقيم في الغرفة الضيقة جداً، إذاً، لديه صادره ووارده اللذان يعنيانه فقط في حساباته!
مثلاً، كم كان يردد بينه وبين نفسه: لو أنني سلكت الطريق، أو بعض الطريق الذي سلكه الكثير منهم، لكن الآن مجاوراً لهم، شركاً لهم في هذا يتباهون به.
بينه وبين نفسه حسْن جوار، وهذه الغرفة ضمنت له حتى الآن هذا الشعور بالراحة.. لا أحد يطمح لا فيه ولا في غرفته البعيدة عن الأنظار أصلاً، حتى القطط والفئران تتجنبها. فليس ما فيها ما يشدها إليها.
ما يتناوله من طعام يقتصر عليه، وليس هناك ما يُذكّر من الفضلات التي يمكن طرحها خارجاً.
ثمة من يشير إليه بسجين غرفة ، هو نفسه سجّانها، ويشمتون به، كما يسخرون منه. هو على علم بذلك. ربما هو فرح بذلك، لأنه يبقيه أكثر سكينة. سوى أنه في قرارة نفسه، منشغل بما لديه من أفكار، بما يمد بنظره إلى الأمام، كما لو أنه العالم كله، ليس هناك من منافس له في هذا المضمار. ببساطة، لأنه لا يعطي اعتباراً لذلك،شعوراً منه أن ما ينشغل به، يقتصر عليه، وعلى غيره أن يتصرف بالطريقة التي تعنيه، بذلك يكون أكثر ثقة بنفسه.
في الغرفة الضيقة جداً، ثمة من ينظر إلى داخله، ولا يقلق المكانَ ولا الزمان في محيطه.
في الغرفة الضيقة جداً، يتناغم كلٌّ من الزمان والمكان، ويرددان بلسان لا يستوعب حركته، سوى من هو نظير هذا الذي يقيم في الغرفة هذه،حيث ينظر إليه عالَم كامل بحسد وغيرة وامتنان.