د. علي خليفة - حلم المدينة الفاضلة في مسرحيات أرسطوفان

لم يعجب كثير من الفلاسفة والمفكرين والأدباء الأوضاع التي عليها البشر طوال تاريخ وجودهم على الأرض في تناحرهم وصراعاتهم التي لا تتوقف والتي تكون أحيانا لأسباب تافهة؛ ولهذا سرح هؤلاء الفلاسفة والمفكرون والأدباء بخيالهم، واستشرفوا مدنا فاضلة يمكن أن تتواجد على الأرض أو في عوالم أخرى، وتتميز هذه المدن برقي أخلاق البشر الذين يعيشون فيها، وسمو فكرهم، وسعيهم الدائم للعيش في محبة وسلام.
ونرى صورا من هذه المدن الفاضلة في كتاب الجمهورية لأفلاطون، وفي كتاب يوتوبيا لتوماس مور، وكتاب المدينة الفاضلة للفارابي، أما بالنسبة للأدباء ولكتاب المسرح بوجه خاص فإنني أعتقد أن أرسطوفان كان من أكثر الكتاب المسرحيين الذين تطلعوا لوجود المدينة الفاضلة على الأرض، وكان يتخيل وجودها من خلال تدخل بعض الآلهة لإيجادها بتعاون البشر معهم في ذلك، ومن ذلك أنه رأى في مسرحية السلام أن الحروب يمكن أن تختفي من الأرض ويسودها السلام من خلال إخراج ربة السلام من الجب الذي حبسها فيه آرس إله الحرب، وكان ذلك من خلال مهمة قام بها أحد اليونانيين - واسمه تريجيوس - ويعرض علينا أرسطوفان ما يتوقع حدوثه في هذه المدينة الفاضلة التي تخيلها بعد اختفاء الحروب منها، فإنه يظهر لنا فيها أن تجار الأسلحة قد فقدوا تجارتهم الرائجة، وصاروا يبحثون عن أعمال أخرى، كما أن أسلحتهم لم يعد لها جدوى في استخدامها كأدوات قتال بعد توقف الحروب تماما؛ ولهذا استخدمت في أمور أخرى، ومنها أمور تتعلق بأشياء مشينة؛ مما يدل على سخرية أرسطوفان من الحروب ومن يروجون لها ومن يستفيدون منها، لا سيما من صناعها.
وكذلك أظهر أرسطوفان في تلك المدينة الفاضلة التي توقفت فيها الحروب تماما أن الكهنة قد بارت تجارتهم، فلم يعد أحد يلجأ للمعابد التي يشرفون عليها؛ طلبا لمساعدة الآلهة في الحروب التي يخرجون لها، ويأملون في النصر فيها. وهناك صور أخرى ذكرها أرسطوفان في هذه المسرحية عن الحياة المطمئنة السعيدة التي عاشها الناس بعد توقف الحروب توقفا تاما.
ونرى أرسطوفان يرسم صورة أخرى للمدينة الفاضلة في مسرحية المال، وفيها يتخيل أن سبب سوء توزيع المال على الناس - في كون أكثره مع الأشرار وقلته مع الأخيار - أن إله المال قد أعماه زيوس رب الأرباب عند الإغريق، وعندما تمكن إله المال من الإبصار بمساعدة بعض البشر له تحقق ذلك المجتمع المثالي الذي تخيله أرسطوفان في هذه المسرحية، فصار أكثر المال مع الصالحين الأخيار، واختلفت حياة الناس كثيرا في هذا المجتمع، واستفاد منه الأخيار أما الأشرار فوجدوا بعض المصاعب في حياتهم حينذاك، ودارت عليهم الدائرة، فصاروا هم التعساء والأشقياء في تلك المدينة الفاضلة التي تخيلها ارسطوفان في هذه المسرحية.
ونرى أرسطوفان يعرض تصورا مختلفا لمدينة فاضلة في مسرحية برلمان النساء، ففيها يرى النساء في مدينة أثينا أن سبب فساد الحياة في مدينتهم في أوضاع كثيرة يعود لكون الرجال هم الذين يسيطرون على الحكم، ويتفق بعض هؤلاء النساء على القيام بحيلة طريفة حتى يتمكن من حكم البلاد، وينفذنها، ويحققن هدفهن بحكم البلاد، وعند ذلك نرى صورا عجيبة في هذه المدينة الفاضلة، ولعل أرسطوفان لم يقصد غير السخرية إذا ما تحققت هذه المدينة الفاضلة، ومن ذلك أن المال والنساء صارا مشاعين بين الجميع.
وهذه هي بعض مسرحيات أرسطوفان التي رأيناه فيها سباقا في تصوره لمدن فاضلة يمكن حدوثها على الأرض من خلال بعض البشر بمساعدة بعض الآلهة لهم، ورأينا بعض هذه المدن تتطلع لاختفاء الحروب ولانتشار السلام، وفيها أيضا يتم توزيع المال على الأخيار فقط، كما أن من مدنه التي تصورها في مسرحياته تلك التي رسمها بريشة السخرية حين تصور انفراد النساء وحدهن بحكم أثينا وخضوع الرجال لهن، كما رأينا ذلك في مسرحية برلمان النساء.

د. علي خليفة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...