د. عاطف سلامة - إشعار التحويل...

لم يكن أبو ناصر يتخيّل، وهو يعلّق شهادته الجامعية على جدار الصالة، أن يأتي يومٌ يقف فيه على باب سيارة أجرة، ينادي على الركاب، ويخاصمهم على ثلاثة شواكل.
كان معلّمًا للغة العربية منذ سبعة وعشرين عامًا. يعرفه أهل الحيّ بوقاره، ويحفظ طلابه عبارته التي كان يرددها كلما تشاجر اثنان منهم: «يا أولاد، الناس لبعضها». وكان إذا مرّ في السوق، سبقه الناس بالسلام، وتبعته الدعوات الطيبة.
ثم جاءت الحرب.
قُصف بيته، وتحوّلت مدرسته إلى ركام، وفقد ابنه الأكبر تحت سقف لم يمهله حتى يناديه. أما راتبه، فصار خبرًا قديمًا يتناقله الموظفون كما يتناقلون أخبار البيوت التي سقطت.
وحين طال الجوع، باع مكتبته. ثم باع مكتبه الخشبي. وحين لم يبقَ في البيت ما يُباع، خرج يبحث عن عمل.
في اليوم الأول، عرض عليه صاحب سيارة أجرة أن يعمل مساعدًا له.
قال أبو ناصر، مستغربًا: مساعد سائق؟! شو يعني أعمل؟
ضحك الرجل: بتنادي عالركاب، وبترتّبهم، وبتلمّ الأجرة. شغلة بسيطة.
نظر أبو ناصر إلى يديه، اللتين قضى عمره يكتب بهما على السبورة، وقال: بعد سبعة وعشرين سنة تدريس، صرت أرتّب الناس في الكراسي؟
ردّ السائق وهو يدير المفتاح: يا حج، اللي ما بتكسر ظهره الحرب، بتعلّمه شغلة جديدة.
ركب أبو ناصر، ولم يرد.
في الصباح التالي، وقف عند الباب، ورفع صوته: خان يونس! اللي على خان يونس! يلا يا جماعة، وسّعوا لبعض، الدنيا مش ناقصة ضيق!
كان صوته لا يزال صوت معلّم، لكن الناس لم يعودوا تلاميذ.
— يا عم، تحرّك، بدنا نمشي! حاضر يا ابني، حاضر.
ابتلع كلمته، وصعد إلى السيارة.
بعد أيام، تعلّم أبو ناصر أسماء المحافظ الإلكترونية، وصار يعرف من وجوه الركاب مَن سيحوّل فورًا، ومن سيقول: «الشبكة فاصلة»، ومن سيطلب أن يدفع عند الوصول.
كان يحمل هاتفًا متشقق الشاشة، يراجع عليه التحويلات، ويحتفظ بإشعاراتها حتى لا يضيع حقّ السائق.
ذات صباح، صعد رجل أنيق، كان أبو ناصر يعرفه جيدًا. إنه أبو العبد، صاحب مصنع الأثاث الذي كان يوظّف عشرات العمال قبل الحرب. كان الرجل يلبس قميصًا قديمًا، ويحمل كيسًا بلاستيكيًا فيه بعض الخبز.
قال أبو ناصر بفرح لم يستطع إخفاءه: أبو العبد! يا ميت أهلا وسهلا! وين هالغيبة؟ والله اشتقنالك.
رفع الرجل عينيه، وتعرّف إليه: أبو ناصر؟!
أيوه يا سيدي، أبو ناصر نفسه. يا رجل، إنت هان؟!
ضحك أبو ناصر ضحكة قصيرة: صحيح، صرت أشتغل بالنقل. الدنيا دوّارة يا أبو العبد.
أشاح الرجل بوجهه نحو النافذة.
— الله يعين الناس.
-- ويعينك إنت كمان. كيف المصنع؟
ظل أبو العبد صامتًا لحظة، ثم قال: المصنع راح. — راح كيف؟
-- يعني راح يا أبو ناصر. المكن تحت الركام، والمخازن راحت، والخشب احترق. حتى المكتب اللي كنت أقعد فيه وأوقّع رواتب العمال، ما ظل منه درج واحد.
سكت، ثم أضاف: أربعين سنة وأنا أبني فيه، وأربعين ثانية كانوا كافيات حتى يصير ذكرى.
لم يجد أبو ناصر ما يقوله.
كان قد سمع الحكاية من قبل، لكنه لم يسمعها بهذه البساطة القاسية. فالرجل الذي كان الناس يقفون في طابور أمام مكتبه لطلب العمل، صار يقف في طابور المساعدات ليحصل على كيس طحين.
وصلت السيارة إلى مفترق الطرق.
مدّ أبو العبد هاتفه، وحاول تحويل الأجرة. انتظر قليلًا، ثم أعاد المحاولة.
قال أبو ناصر: الشبكة مش راضية؟
أجاب الرجل: المحفظة فاضية.
ظن أبو ناصر أنه يمزح.
— طيب، بتحوّل من البيت.
رفع أبو العبد رأسه ببطء: من أي بيت يا أبو ناصر؟
ساد الصمت.
كان أبو ناصر يعرف أن بيت الرجل قد دُمّر، لكنه لم يتخيّل أن كلمتين عابرتين ستفتحان بابًا بهذا الاتساع من الوجع.
قال مرتبكًا: قصدي... لما تتيسر أمورك.
ابتسم أبو العبد ابتسامة باهتة: ولا يهمك. حقك عليّ.
ثم فتح كيس الخبز، وأخرج رغيفين.
— خذ هذول بدل الأجرة.
تراجع أبو ناصر كأن الرجل مدّ إليه جمرة.
— عيب عليك يا أبو العبد! إنت إلك خاطر عندي.
قال أبو العبد بهدوء: والخاطر، يا أبو ناصر، ما بوكل خبز.
ثم وضع الرغيفين على المقعد، ونزل.
ظل أبو ناصر يراقبه من النافذة. رآه يعبر الشارع بخطوات بطيئة، ثم يتوقف أمام محلّ كان يومًا معرضًا لأثاث مصنعه. وقف هناك قليلًا، كأنه ينتظر أن يخرج أحد العمال ليسأله عن راتبه المتأخر.
وفجأة، سمع صوت السائق: شو يا حج؟ حوّل الزلمة؟
نظر أبو ناصر إلى شاشة هاتفه: لا.
— طيب، ليش ما دفّعته؟
رفع أبو ناصر عينيه إلى السائق وقال: لأنه ما معه.
ردّ السائق بحدّة: وإحنا شو دخلنا؟ إحنا كمان عندنا بيوت وأولاد. اللي ما بدفع، ما بركب.
لم يغضب أبو ناصر. كان يعرف أن السائق ليس ظالمًا، وأن الجوع حين يطول يجعل الناس تتشاجر على ما كان يومًا لا يستحق الخصام.
لكنه نظر إلى الرغيفين على المقعد، وقال: معك حق. بس اسمعني يا أبو محمد... قبل الحرب، كان أبو العبد يشغّل أربعين عاملًا، وكان يدفع رواتبهم قبل موعدها. واليوم، مش قادر يدفع أجرة سيارة.
تنهد السائق: الله يفرّجها على الجميع.
قال أبو ناصر: آمين. بس مين كان يصدّق إننا نوصل لهيك؟ معلّم يصير ينادي على الركاب، وصاحب مصنع يركب وما معه الأجرة، وعامل ماهر يستنى كرتونة مساعدات. بكرة يمكن يطلعوا لنا مهنة جديدة: واحد يعلّم الناس كيف تعيش من غير بيوت، وواحد يعلّم الأطفال كيف ينسوا أسماء مدارسهم.
لم يضحك السائق.
مدّ يده إلى الرغيفين، ثم سحبها.
— خليهم معك يا حج.
قال أبو ناصر: ليش؟
أجاب: يمكن تحتاجهم.
هزّ أبو ناصر رأسه: وأنا إذا احتجتهم، مين بدّه يعطيني؟
لم يجب السائق.
تحركت السيارة، وبدأ أبو ناصر ينادي من جديد، لكن صوته هذه المرة كان مبحوحًا:
— خان يونس... خان يونس... آخر مقعد!
صعد طفل صغير يحمل حقيبة مدرسية ممزقة. جلس قرب الباب، وأخرج دفترًا من حقيبته. لمح أبو ناصر الكتابة على الصفحة الأولى، فقرأها بصمت: التعبير: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟
كان الطفل قد كتب بخطّ متعرّج: أريد أن أصبح معلّمًا، مثل أستاذي.
سأله أبو ناصر: شو اسم أستاذك يا حبيبي؟
قال الطفل: الأستاذ ناصر. استشهد بالمدرسة.
أطرق أبو ناصر رأسه. لم يعرف لماذا شعر أن الرغيفين على المقعد أثقل من حجرين، ولا لماذا عجز عن ابتلاع ريقه.
رنّ هاتفه.
إشعار تحويل: 3 شواكل.
نظر إلى الشاشة. كان السائق قد حوّل الأجرة عن الطفل.
رفع أبو ناصر عينيه إليه، فلم يقل الرجل شيئًا. اكتفى بأن أشار إلى الطريق.
وعلى شاشة الهاتف، بقي إشعار التحويل مضاءً، بينما كانت السيارة تمضي بين أنقاض البيوت.
فكّر أبو ناصر أن الحرب لم تدمّر المصانع والمدارس والبيوت وحدها؛ لقد دمّرت أيضًا المسافات التي كانت تفصل الإنسان عن حياة كريمة، ثم أجبرته على اختراع مهنٍ غريبة كي يبقى حيًّا.
صار المعلّم ينادي على الركاب، وصاحب المصنع يعجز عن دفع الأجرة، والسائق يتبرّع بثلاثة شواكل لطفل لا يعرفه.
أما السؤال الذي كان مكتوبًا في دفتر الطفل، فقد ظلّ يلاحقه:
«ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟»
لم يعرف ماذا يكتب له.
ففي بلادٍ ما زالت الحرب تأكل حاضرها، صار أصعب الأحلام أن يكبر الطفل، ويجد عملًا لا يضطر فيه إلى أن يبيع كرامته كي يشتري رغيفًا.
وكان أبو ناصر، للمرة الأولى منذ سبعة وعشرين عامًا، عاجزًا عن تصحيح إجابة تلميذ.
تمت،،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...