كل صباح تأتي بعباءتها السوداء تحمل جرة فخارية تضمها إلى صدرها كأنها تمسك ضلع مكسور . تمشي بمحاذاة الشاطئ متكئة على عصا من جريد النخل تنقل قدميها النحيلتين المرتعشتين حتى تبلغ الركن الذي تتكسر عنده الأمواج ثم تجلس تحت نخلة لا يتذكر أحد من زرعها ولا لماذا تركت وحيدة في طرف القرية .تغمس أصابعها في التراب و تملأ الجرة ثم تمشي بها إلى حافة الماء و تنثر حفنة منه فوق الموج . تراقب الحبيبات وهي تغوص واحدة بعد أخرى كأنها ترمي أطواق نجاة إلى شخص ما.كل يوم تفعل الشيء نفسه ثم تعود إلى بيتها الطيني الذي صار أكثر صمت من مقبرة.كان زوجها قد ركب البحر ذات يوم ولم يعد . وحين سألت عنه قالوا إن الموج كان عالي ولم يتحدثوا عن الغبار في الطرف الآخر من البحر كانت تقرأ عيون الصيادين وتعرف تعابير وجوههم المنكمشة، أما الشباب فقد انقطعوا عن البحر الذي ألفه آباؤهم وركبوا الزوارق التي لم تعد كما ذهبت . كبر ابنها وصار يطيل الوقوف أمام البحر يرمي الحجارة في الماء ثم يتابع الحلقات وهي تتسع و
تتلاشى . ذات مرة سألته عن ماذا ينظر، قال لها الى من يسكن هنا و أشار إلى البحر.نظرت إليه ولم تسأله لكنه التفت إليها وسألها إن كان البحر يوصل الرسائل أم لا لم تجبه. وضعت يدها على رأسه و زحفت موجة صغيرة نحو قدميهما فإعترضتها صخرة . مرت سنوات استيقظت القرية ذات يوم على أصوات رجال تصرخ. هبطت الغيوم حتى خيل إليها أنها تريد أن تلقي سوادها على الأرض.مر الرجال عند طرف القرية بوجوه مطفأة و ثياب غطاها الرماد . بنادقهم أطول من ظلالهم. لم تتبين العجوز وجوههم كان الذهول يحجبها عنها. أرتفعت أصواتهم ينادون أسماء كثيرة. منهم من ركب القوارب ومنهم من ظل إسمه معلق على باب الدار بمسامير صدئة.تعلم حينها أهل القرية أن يصمتوا حين ترتفع الأصوات. والنساء أن تطفئ المصابيح مبكرا وتعلم الأطفال أن يهربوا من الأسئلة. أما القرية فكانت تودع القوارب دون سؤال.في الصباح خرج ابنها.قال إنه لن يتاخر .كانت تلك آخر مرة رأته فيها.إنتظرته عند الباب ثم في الطريق. سألت الرجال الذين مروا قرب الساحل فلم يجبها أحد.كان الغبار في ذلك اليوم أثقل من الأيام السابقة والبحر غارق في هدوء مخيف. جاء رجال بوجوه مطفأة و وقفوا أمامها. كان أحدهم يحمل ورقة بيضاء. تحدث طويلا عن الصبر والاختبار والفرج ثم أخرجوا كيس صغير ناوله إياه أحدهم.كان في داخله ساعة وخاتم ودفتر ومفتاح.
وضعت الأشياء في صندوق خشبي قرب سريرها إلى جانب صورة زوجها وقميصه القديم ومسبحته.في تلك الليلة ضاقت جدران الدار وأطبقت على أضلاعها. جلست إلى جوار الصندوق ثم خرجت تحمل جرة صغيرة . راحت تجمع التراب من لطرقات التي مشى عليها ابنها ومن الأماكن التي اعتاد الوقوف فيها. كانت تقربه من أنفها ثم تعيده إلى الجرة. و لما عجزت عن العثور على شيء حملت التراب إلى البحر ونثرته فوق الماء.ومنذ ذلك اليوم صارت تملأ جرتها كل صباح وتمضي بها إلى الشاطئ.جاء الخريف وتساقطت الأوراق على الطرقات الطينية .بدت الأشجار عارية.كانت القرية تسمع الهتاف من بعيد يرتفع ثم يخفت وحين تهب الريح تصلها كلمة أو كلمتان أما ما يحدث خلف البحر فظل محجوب بالغبار.في أحد الأيام وجدت فردة حذاء في الرمل طويلة الرقبة متيبسة ومثقوبة من جانبها.
لم ترفعها.جلست إلى جوارها ورسمت حولها دائرة بإصبعها. أخذت الدائرة تتسع في عينيها ثم تلاشت.رفعت رأسها كان الغبار يهرول في الجهة الأخرى من البحر حيث تذهب المراكب ولا تعود كما ذهبت.واصلت العجوز الذهاب إلى الشاطئ. لم يسألها أحد عن جرتها ولم تسأل أحد عن الغائبين.وفي أحد الأيام هاج البحر. ارتفعت الأمواج وعلا صراخ النساء. تطايرت الأسماء فوق الشاطئ ثم عادت بلا أصحابها.وقفت العجوز بين النساء تنظر إلى الأيدي والأكمام والأحذية وإلى الوجوه التي تبحث عن وجوه. كانت الطيور تحوم فوق الماء وتضرب سطحه بأقدامها.
في الليل جلست قرب النافذة. حركت الريح الستارة ببطء ومدت العجوز يدها إلى الزجاج. أحست ببصمات أصابع صغيرة تتعلق به فحاولت أن تتلمس تلك الأنامل.تذكرت يد ابنها حين كان يعبر الطريق يمسك إصبعها بقوة. وحين ينام يضع إصبعها في فمه كي يطمئن.تذكرت ركضه وركبتيه المخدوشتين وقميصه الذي كان يفقد أزراره دائمًا وصوته العالي و مشاكسته وسؤاله عن البحر و الرسائل حاولت أن تتذكر آخر مرة ناداها فيها فلم تستطع.في الصباح التالي كان البحر هادئ والغبار يتوسط الأفق.فتحت العجوز الجرة. غاصت أصابعها في التراب لكنها لم تنثره.ظلت تحدق في البحر.كان شيء يتحرك بعيدا عنها يظهر مع موجة ويختفي مع أخرى. حدقت طويلا ثم سمعت صفير.توقفت أنفاسها. لم تعرف إن كان الصوت يأتي من عمق البحر أم من عمقها.نهضت وحملت الجرة ومشت. كان الغبار يتراجع ببطء أمامها.في الصباح وجد الصيادون العباءة السوداء عند حافة الماء والجرة إلى جوارها فارغة بحثوا عند الصخور وتحت النخلة وعلى امتداد الشاطئ. لم يجدوا أثر للعجوز.في تلك الليلة سمع أهل القرية أصوات تأتي من جهة البحر وشاهدوا فوانيس صغيرة على الشاطئ وفي الصباح لم يجدوا سوى دوائر صغيرة على الرمل.بعد أيام، خرجت امرأة من القرية، مرتدية السواد منحنية و تحمل جرة. ملأتها بالتراب ووقفت عند البحر ثم نثرت حفنة منه فوق الماء وعادت.في اليوم التالي خرجت امرأة ثانية ثم ثالثة ثم امتلأ الشاطئ بالنساء المنحنيات. تحمل كل واحدة منهن عصا و جرة و تنثر حفنة من التراب فوق الماء ثم تعود في صمت وفي الليل كانت الفوانيس تملأ الشاطئ و تتلألأ بصمت .
علي عبيد عيسى
تتلاشى . ذات مرة سألته عن ماذا ينظر، قال لها الى من يسكن هنا و أشار إلى البحر.نظرت إليه ولم تسأله لكنه التفت إليها وسألها إن كان البحر يوصل الرسائل أم لا لم تجبه. وضعت يدها على رأسه و زحفت موجة صغيرة نحو قدميهما فإعترضتها صخرة . مرت سنوات استيقظت القرية ذات يوم على أصوات رجال تصرخ. هبطت الغيوم حتى خيل إليها أنها تريد أن تلقي سوادها على الأرض.مر الرجال عند طرف القرية بوجوه مطفأة و ثياب غطاها الرماد . بنادقهم أطول من ظلالهم. لم تتبين العجوز وجوههم كان الذهول يحجبها عنها. أرتفعت أصواتهم ينادون أسماء كثيرة. منهم من ركب القوارب ومنهم من ظل إسمه معلق على باب الدار بمسامير صدئة.تعلم حينها أهل القرية أن يصمتوا حين ترتفع الأصوات. والنساء أن تطفئ المصابيح مبكرا وتعلم الأطفال أن يهربوا من الأسئلة. أما القرية فكانت تودع القوارب دون سؤال.في الصباح خرج ابنها.قال إنه لن يتاخر .كانت تلك آخر مرة رأته فيها.إنتظرته عند الباب ثم في الطريق. سألت الرجال الذين مروا قرب الساحل فلم يجبها أحد.كان الغبار في ذلك اليوم أثقل من الأيام السابقة والبحر غارق في هدوء مخيف. جاء رجال بوجوه مطفأة و وقفوا أمامها. كان أحدهم يحمل ورقة بيضاء. تحدث طويلا عن الصبر والاختبار والفرج ثم أخرجوا كيس صغير ناوله إياه أحدهم.كان في داخله ساعة وخاتم ودفتر ومفتاح.
وضعت الأشياء في صندوق خشبي قرب سريرها إلى جانب صورة زوجها وقميصه القديم ومسبحته.في تلك الليلة ضاقت جدران الدار وأطبقت على أضلاعها. جلست إلى جوار الصندوق ثم خرجت تحمل جرة صغيرة . راحت تجمع التراب من لطرقات التي مشى عليها ابنها ومن الأماكن التي اعتاد الوقوف فيها. كانت تقربه من أنفها ثم تعيده إلى الجرة. و لما عجزت عن العثور على شيء حملت التراب إلى البحر ونثرته فوق الماء.ومنذ ذلك اليوم صارت تملأ جرتها كل صباح وتمضي بها إلى الشاطئ.جاء الخريف وتساقطت الأوراق على الطرقات الطينية .بدت الأشجار عارية.كانت القرية تسمع الهتاف من بعيد يرتفع ثم يخفت وحين تهب الريح تصلها كلمة أو كلمتان أما ما يحدث خلف البحر فظل محجوب بالغبار.في أحد الأيام وجدت فردة حذاء في الرمل طويلة الرقبة متيبسة ومثقوبة من جانبها.
لم ترفعها.جلست إلى جوارها ورسمت حولها دائرة بإصبعها. أخذت الدائرة تتسع في عينيها ثم تلاشت.رفعت رأسها كان الغبار يهرول في الجهة الأخرى من البحر حيث تذهب المراكب ولا تعود كما ذهبت.واصلت العجوز الذهاب إلى الشاطئ. لم يسألها أحد عن جرتها ولم تسأل أحد عن الغائبين.وفي أحد الأيام هاج البحر. ارتفعت الأمواج وعلا صراخ النساء. تطايرت الأسماء فوق الشاطئ ثم عادت بلا أصحابها.وقفت العجوز بين النساء تنظر إلى الأيدي والأكمام والأحذية وإلى الوجوه التي تبحث عن وجوه. كانت الطيور تحوم فوق الماء وتضرب سطحه بأقدامها.
في الليل جلست قرب النافذة. حركت الريح الستارة ببطء ومدت العجوز يدها إلى الزجاج. أحست ببصمات أصابع صغيرة تتعلق به فحاولت أن تتلمس تلك الأنامل.تذكرت يد ابنها حين كان يعبر الطريق يمسك إصبعها بقوة. وحين ينام يضع إصبعها في فمه كي يطمئن.تذكرت ركضه وركبتيه المخدوشتين وقميصه الذي كان يفقد أزراره دائمًا وصوته العالي و مشاكسته وسؤاله عن البحر و الرسائل حاولت أن تتذكر آخر مرة ناداها فيها فلم تستطع.في الصباح التالي كان البحر هادئ والغبار يتوسط الأفق.فتحت العجوز الجرة. غاصت أصابعها في التراب لكنها لم تنثره.ظلت تحدق في البحر.كان شيء يتحرك بعيدا عنها يظهر مع موجة ويختفي مع أخرى. حدقت طويلا ثم سمعت صفير.توقفت أنفاسها. لم تعرف إن كان الصوت يأتي من عمق البحر أم من عمقها.نهضت وحملت الجرة ومشت. كان الغبار يتراجع ببطء أمامها.في الصباح وجد الصيادون العباءة السوداء عند حافة الماء والجرة إلى جوارها فارغة بحثوا عند الصخور وتحت النخلة وعلى امتداد الشاطئ. لم يجدوا أثر للعجوز.في تلك الليلة سمع أهل القرية أصوات تأتي من جهة البحر وشاهدوا فوانيس صغيرة على الشاطئ وفي الصباح لم يجدوا سوى دوائر صغيرة على الرمل.بعد أيام، خرجت امرأة من القرية، مرتدية السواد منحنية و تحمل جرة. ملأتها بالتراب ووقفت عند البحر ثم نثرت حفنة منه فوق الماء وعادت.في اليوم التالي خرجت امرأة ثانية ثم ثالثة ثم امتلأ الشاطئ بالنساء المنحنيات. تحمل كل واحدة منهن عصا و جرة و تنثر حفنة من التراب فوق الماء ثم تعود في صمت وفي الليل كانت الفوانيس تملأ الشاطئ و تتلألأ بصمت .
علي عبيد عيسى