محمد مزيد - امرأة القمر...

أنا رجل عجوز، أعيش في صقيع الوحدة القارس. أسكن شقة في الطابق الرابع، تطل شرفتها على نوافذ وشرفات البنايات المقابلة في هذا الحي التركي الذي استقررت فيه منذ عشر سنوات. لا أخرج إلى الشرفة إلا نادراً، وبدافع وحيد هو تجفيف الغسيل؛ فلا رغبة لي في أن يثير وجودي ريبة الجيران أو يتهمني أحد بالتلصص. أكتفي بالقليل من الطعام، وتكاد حاجتي للنوم تكون معدومة، سواء في سكون الليل الغامض والجميل، أو في صخب النهار المزعج.
أقضي معظم وقتي في محاورة الليل، محاولاً بث مسرات زائلة في نفسي عبر مراقبة شقق الآخرين. لا تشغل ذهني رؤية النساء العابرة من خلف الزجاج، إلا إذا لمحت في حركتهن خيط قصة مثيرة، عندها أصرف نهاري كله في تحليلها، وتفكيك أواصر العلاقات بين تلك النساء وأزواجهن. إنه الامتداد الطبيعي لماضٍ قديم، يوم كنت مأمور بدالة في وحدتي العسكرية، أتنصت على المحادثات السرية والمثيرة بين الضباط وزوجاتهم أو عشيقاتهم أو أمهاتهم.
في هذا العمر المتقدم، أعيش حياة تقشف زاهدة بعد أن غادرت زوجتي إلى دار الخلد، بقيت وحيداً في هذه المدينة، معتمداً على راتب محدود بالكاد يغطي إيجار الشقة وفواتير الغاز والكهرباء والماء. لم يعد عقلي يستسيغ مشهد فاتنة تتسلى بجسدها أمام المرآة لساعات؛ فقد تجاوزت مرحلة الغواية ولم يعد يثيرني شيء. أنا فقط أجوب آفاق النوافذ بحثاً عن هدنة لروحي .
أراقب ثلاث شقق نسجت من خلال خيالي خيوط الحياة الدرامية لساكنيها، سواء ما ألمحه عبر النوافذ أو ما يتخيله عقلي لما يفعلونه خارجها. هناك شقة "امرأة القمر"، وبجوارها شقة "امرأة الدلع"، وتحتها شقة "امرأة النكد". لكل اسم قصة صاغها عقلي بعيداً عن منطق الأحداث الصارم. وحين يملي عليّ التلصص سأمه، أنصرف إلى قراءة روايات أجنبية لكتاب لم اسمع بهم عبر شاشة الحاسوب. أظن أن خيالي ليس سوى تلميذ صغير في مدرسة تلك الروايات التي لا أنصح بها من هم دون الأربعين.
مساء هذا اليوم، تابعت بشغف شقة "امرأة وجه القمر"، وكان البدر ساطعاً خلف نافذتها. كانت قد دخلتْ إلى الصالة، بينما زوجها الخمسيني يجلس على كرسي هزاز، يحتسي شيئاً ما من قدح أصفر لم يتبين لي إن كان عصيراً، أو نبيذاً، أو دواءً! كانت ترتدي ثوباً بنفسجياً مكشوف الذراعين يصل إلى ركبتيها. أعطت ظهرها لزوجها ووقفت أمام التلفاز، فرفعت مجسماً من فوقه ووضعته على منضدة جانبية فاختفى نصفها عن نظري.
تلك الحركة أشعلت غضب الرجل؛ أشار بيده بعصبية، ولمحت عرقاً نافراً برز في جبهته، كأنه عصب حلق كالفراشة وأخذ يرفرف في سماء الصالة. بدأ يكيل لها الشتائم بحنق، حتى خُيل إليّ أنني أشم رائحة كلماته؛ كانت نتنة وجائفة . قلت في نفسي معاتباً: "أيها الأحمق، هل تستحق هذه الغزالة المترفة أن تُطيّر عصبك في الصالة وتطلق عليها قذائف كلماتك القذرة؟".
نظرت إليها؛ كانت منكسرة ومجروحة، وتنهدت تنهيدة خريفية دافئة، لكنها لم تكن بقوة كافية لتحرك جسد زوجها الجاثم من مكانه ليعتذر منها. استجابت فوراً لنبرة صوته وإشارة يده الممدودة، واختفت نحو اليسار. ظننتها دخلت تنتحب وتمسح دموعها، غير أن ظني خاب كالعادة؛ إذ سرعان ما خرجت وهي ترتدي روباً يكشف عن فخذيها، وفيه شق طولي يمتد من سرتها إلى الأسفل. وقفت أمامه بغواية ودلال مفرط، تحدثه بغنج، لكنه لم يرفع رأسه إليها، بل ظل يقلب قنوات التلفاز بجهاز التحكم. لا شك أنه كان غاضباً من أمر ما، وتمنيت لو أنني أملك لاقط صوت عن بُعد كالذي نراه في أفلام الجاسوسية لأعرف سر غضبه.
أعادت المرأة الشيء الذي رفعته إلى مكانه فوق التلفاز، في محاولة يائسة منها لامتصاص استيائه. نظرت إليه وقالت شيئاً، خمنت أنها تقول: "والآن، هل ارتحت؟ ها قد أعدت التمثال إلى مكانه". وجهت مرقابي نحو المجسم، فإذا هو تمثال من المرمر الأسود يجسد عبدا اسود يعتلي ظهر لبوة ، بينما تفتح اللبوة فمها في محاولة لالتهام رقبته.
بعد ذلك، تنهدت تنهيدة الخريف مرة أخرى، وأعطته ظهرها متجهة نحو غرفة النوم. رأيتها تستلقي على بطنها وتتوسد يديها. أما الرجل المستاء، فقد أطفأ التلفاز ولحق بها إلى الغرفة. وجدها على تلك الوضعية، فجلس بجانبها وبدأ يتحسس جسدها، ممرراً أصابعه عليها، لكنها انتفضت وغادرت الغرفة فوراً بمجرد أن لمسها.
بقي الرجل في مكانه يقلب مجلة محلية مصورة ببرود... أما المرأة، فقد عادت إلى الصالة، وفجأة، رأيت نوراً باهراً ينبعث من وجهها، أخذ يصعد نحو النافذة، قبل أن يتسلل ببطء وينطلق طائراً في الفضاء ليلتحم بالقمر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...