إبراهيم محمود - الطفل الذي لم أكبره قط

في هذه البلاد:
طفلاً كنتُ، ولم أكن طفلاً يوماً. لقد كبرت سريعاً دون أن أراني طفلاً,دون أن أسمعني طفلاً. دون أن أركض بقدمين حافيتين تصادقان العشب، بيدين ملؤهما البراءة، تصافحان الهواء الوديع، دون أن أنسَب إليهما. دون أن أتذكرني طفلاً. دون أن تحملني صورتي طفلاً. دون أن أعاملني طفلاً.
كبرت دون أن أعرف ماذا يعني أن أكون صغيراً: طفلاً، سوى أنني لم أعرفني كبيراً، كما ينبغي، لتكون لي صورتي، ليكون لي ظلي المنتظَر، ليكون لي صوتي الدال علي، ليكون لي نبضي الشاهد على أن بين جنبيّ قلباً يخفق في جسد يتوقف علي، لساني المعبّر عني حضوراً وغياباً. لأعرف أن ثمة حياة تسمى باسمي، ليكون لي موتي في سجلي الخاص: تاريخ كينونة بداية ونهاية !
لا ألوم الطفل القار داخلي إن صيَّرني خصيماً له، لأنني لم أعشه كما هو حقه طفولةً. وما الذي مُنِحتُه من هواء المكان الذي أتنفسه بطريقتي الخاصةن من ترابه الذي يحسسني بحنانه الناعم، من برده وحره، من ظلامه ونوره، ومن مائه الذي يكون محمولاً بفلتره المنشود؟ كيف لي أن ألام على ما بات مستحيلاً في بلاد تراهن على سمو، على شموخ، على رفعة، على إبداع، على تمايز، وهي في مسوخية المعنى؟
في هذه البلاد:
طفلاً أُبقيتُ.
علّموني الأبجدية بكلمات تثبتها وغرسها في تكويني.
كان الوطن، ولا يزال:
و، ط: وط، ط، ن: طن، أي وَطَن. ولا يزال الاسم يطن لأنني طفل كبرت عمراً وأبقيت صغيراً جداً.
كانت الحرية، ولا تزال:
ح، ر: حر. ح، ر، ي: حري. ي، ة: ية. المجموعة : حرية .ولا يزال حرف " الحاء" عالقاً في الحلق.
كانت الثورة، ولا تزال:
ث، و:ثو. ث، و، ر: ثور. و، ر،ة: ورة. المجموع: ثورة. ولا تزال تتلخص في ثور هائج هنا وهناك.
هكذا: عرف:
ع،ر: عر. ر، ف: رف. أي: عرف. ولا تزال الكلمة منقوصة الفاء، لأنني لا زلت طفلاً عياء ..
في هذه البلاد، كما رأيتني:
كان علي أن أعترف بأنني طفل، لأن هناك كبيراً واحداً، يختزل فيه الزمان والمكان. أُذم بأنني شيبت، ولم أتعلم نطق الحروف بعد، وإن نطقتها سليمة، يقال: لازلت صغيراً.
ولا أدري حتى الآن ما إذا كنت طفلاً لم يكن طفلاً يوماً، وقد طعن في السن، ولم يكبر إلى الآن .
أي بلاد هذه التي صيّرتني طفلاً دون أن أعيشه، كبيراً دون أن أشعر به؟
في بلاد لا تعرف من الطفولة إلا اسمها ، ومن مراحل العمر المتسلسلة إلا مجرداتها، كيف لها أن تجالس سواها من أمم الأرض، وهي تعرّف بطفولة ، تخشاها وهي في رحميتها، فتولفها، لئلا تبصر النور كما هو مستحقها المنتظر، وهي تعرّف بشبوبية مهيكلة، وشيبة فزاعة ، وتكون لها نبرتها الحية تاريخياً؟
في بلاد لم أعثر على اسم لها في " معجم البلدان " إلا في الهامش الأكثر هشاشة !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...