مقتطف هدى حجاجي - رواية: امرأة من زمن الحلم الضائع... فصل جديد: على طاولة الأدب... حين حاكمتني مرايا الغياب -

على طاولة الأدب لمحتك من بعيد، ولم أكن أعرف إن كنت قد جئت لتقرأ أم لتُقرأ، لتبحث عن قصيدة تنقذك من نفسك، أم لتضع قلبك فوق الطاولة وتترك الآخرين يتأملون جراحه باعتبارها مادة صالحة للنقاش. كنت تجلس في الطرف المقابل، تحيط بك الوجوه والكلمات وأكواب القهوة، وتبدو كأنك تنتمي إلى ذلك المكان أكثر مما تنتمي إلى حياتك خارجه. كانت الأصوات تتعالى حول نصوص الحب والموت والخذلان، وكان كل واحد يحاول أن يبدو أكثر معرفة بالألم من الآخر، حتى خُيّل إليَّ أن الحزن صار عملة يتنافس الجميع على امتلاكها، وأن من لا يملك جرحًا يرفعه أمام الحاضرين لا يحق له الجلوس إلى طاولة الأدب. تأملتك طويلًا، لا لأنني أعجبت بمظهرك أو بطريقة حديثك، بل لأن في عينيك شيئًا يشبه بابًا أُغلق بعنف، ثم تُرك مفتوحًا قليلًا كي يرى المارّة ما وراءه، دون أن يسمح لأحد بالدخول.

كنت أسمعك تتحدث عن الغياب، وتستعير له كلمات واسعة، وتضع الموت في جملة أنيقة، ثم تبتسم حين يثني أحدهم على عمقك. لم أغضب من إعجابهم بك، لكنني شعرت بوخزة خفية وأنا أراقب الطريقة التي يتحول بها الوجع، أحيانًا، إلى زينة لغوية تُعلّق على جدران الأمسيات. تساءلت: كم مرة بكى هذا الرجل بعيدًا عن العيون؟ وكم مرة استيقظ في منتصف الليل عاجزًا عن التنفس، لا لأن قصيدته تحتاج إلى صورة جديدة، بل لأن الحياة نفسها صارت أثقل من صدره؟ وهل يعرف الذين يصفقون له أن بعض الكلمات لا تُكتب من أجل التصفيق، وأن هناك أرواحًا تنزف حقًا، ثم تخرج إلى الناس بملامح عادية، فلا يلتفت إليها أحد لأنها لا تعرف كيف تجعل ألمها جميلًا؟

مددت يدي إلى فنجان القهوة، لكنني لم أشرب. كان البخار يتصاعد منه ثم يتلاشى، فشعرت أنني أنظر إلى صورة مصغرة لحياتنا؛ شيء ينهض من الحرارة، يتشكل أمام العين، ثم يختفي قبل أن تتمكن اليد من الإمساك به. كنت قد جئت إلى تلك الطاولة لأسمع الأدب، لا لأشهد محاكمة جديدة للإنسان، لكنني اكتشفت أن بعض المجالس لا تقرأ النصوص بقدر ما تقرأ أصحابها، ولا تبحث عما تقوله الكلمات، بل عما تستطيع أن تنتزعه من أسرار كاتبيها. هناك من يسأل عن قصيدتك ليعرف من جرَحك، ومن يمدح استعارتك ليقترب من حكايتك، ومن يتظاهر بأنه يفهم صمتك بينما هو في الحقيقة ينتظر منك اعترافًا يضيفه إلى مخزون الحكايات التي يتداولها في غيابك.

وحين بدأت تتلو كلماتك، ساد صمت قصير. قلت إنك تخلع عن الوقت جلدك، وتعبر من ثقب الغياب انتحارًا، وتخبئ في رئتيك مقبرة للهواء، ثم تستعير من العدم اعتذارًا. كانت الصور قاسية، مشحونة بذلك الاختناق الذي يجعل المرء يتساءل إن كان المتحدث يصف عالمًا يراه أم عالمًا يسكنه. لم تكن الكلمات عادية، لكنها لم تكن بريئة أيضًا؛ فقد شعرت أنها تضعنا أمام سؤال لا يحب أحد أن يجيب عنه: ماذا يبقى من الإنسان حين يصبح وجوده نفسه موضع اتهام؟ وكيف يمكن لوجه أن يقف أمام مرآته فلا يرى ملامحه، بل يرى قاضيًا يفتش عن جريمة لم يرتكبها سوى أنه ما زال حيًا؟

ثم بلغت كلماتك الأخيرة، فتوقفت عندها طويلًا: وجه يحاكم وجهًا بتهمة أنه ما زال حيًا على سبيل الاستعارة. لمحت حول الطاولة رؤوسًا تهتز إعجابًا، وأصواتًا تردد بعض العبارات، بينما كنت أنا أشعر أن المرآة لم تعد أمامك وحدك. لقد انتقلت المحاكمة إلى داخلي، ووجدت نفسي أستدعي كل الذين عاشوا حياتهم باعتذار دائم، وكل الذين اعتادوا أن يبرروا وجودهم، وكل النساء اللواتي يتعلمن منذ الصغر أن يخففن أصواتهن كي لا يزعجن أحدًا، وأن يعتذرن عن أحلامهن قبل أن يبدأن في تحقيقها، وأن يبتسمن حين يوجعهن الكلام، لأن المجتمع لا يحب الوجه الذي يفضح قسوته.

كنت أعرف هذا النوع من المحاكمات. لم أحتج إلى أن أعيش حكايتك كاملة كي أفهم بعضًا منها؛ فقد عرفت كيف يمكن للإنسان أن يقف أمام الآخرين بكامل ملامحه، بينما يشعر في داخله أنه غائب عن حياته. عرفت كيف يصبح المرء حاضرًا في البيت، وفي العمل، وفي المناسبات، ثم يعود إلى نفسه فلا يجدها في أي مكان. وكيف يستطيع أن يؤدي واجباته على أكمل وجه، وأن يطمئن الجميع إلى أنه بخير، بينما يفتش ليلًا عن جزء صغير منه لم تنجح الأيام في مصادرته.

لكنني، وأنا أستمع إليك، لم أستطع أن أمنحك براءة كاملة لمجرد أنك كتبت عن الألم. فالأدب لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، ولا يجعل الجرح دليلًا على النبل، كما أن اللغة الجميلة لا تعني بالضرورة أن صاحبها أكثر صدقًا من غيره. رأيت كثيرين يجيدون الحديث عن الرحمة، ثم يضيقون بأول إنسان يحتاج إليها؛ يتغنون بالحرية، ثم يحاولون إخضاع من يختلف معهم؛ يكتبون عن كرامة المرأة، ثم لا يحتملون أن تكون المرأة التي أمامهم صاحبة قرار لا يستأذنهم. عندها فهمت أن المشكلة ليست في الذين يكتبون عن الغياب، بل في الذين يتخذون من الغياب ستارًا يختبئون خلفه من مسؤولية الحضور.

رفعت عينيَّ إليك، فالتقت نظراتنا للمرة الأولى. لم أعرف إن كنت قد لاحظت ما يدور في رأسي، أم أنك كنت تنظر إلى الوجوه بحثًا عن أثر قصيدتك فيها. كانت بيننا طاولة تفصلها أكواب القهوة والدفاتر والهواتف، لكنها بدت أوسع من المكان كله. شعرت أنني أريد أن أسألك سؤالًا واحدًا، سؤالًا لا يحتاج إلى استعارة ولا يحتمل الإجابة المراوغة: هل كتبت هذه الكلمات لأنك تريد أن تنجو، أم لأنك اعتدت أن تجد في وصف الغرق مكانًا آمنًا لا يطالبك بالخروج إلى الشاطئ؟

لم أسألك. بقي السؤال في صدري، وواصلت أنت حديثك، بينما أخذ أحد الحاضرين يفسر صورك الشعرية، وأخذ آخر يربطها بفلسفة العدم، وثالث يتحدث عن الاغتراب الوجودي. كنت أراقب المشهد وأكاد أضحك من مرارته؛ فكم من مرة وقف الإنسان على حافة انهياره، فجاءه الآخرون بمصطلحات دقيقة تشرح له شكل الحافة، دون أن يمد أحدهم يده ليساعده على الابتعاد عنها؟ وكم من روح احتاجت إلى من يسمعها فقط، فوجدت حولها عشرات المتحدثين عن جمال الألم وضرورة تحويله إلى إبداع؟

لم أكن أريد أن أظلم أحدًا. ربما كانت الكلمات قد أنقذت صاحبها فعلًا، وربما كان الحديث عنها محاولة لفهم ما تعجز الحياة اليومية عن احتماله. لكنني كنت أعرف أن الأدب حين يفقد صلته بالإنسان يتحول إلى غرفة أنيقة بلا نوافذ، وأننا مهما أتقنا وصف الهواء، فلن نستطيع أن نمنحه لمن يختنق. لم تكن القصيدة مطالبة بأن تقدم علاجًا لكل جرح، لكنها كانت مطالبة، في نظري، بألا تجعل من الجرح صنمًا نعبده، وألا تقنعنا بأن الغياب قدر لا يمكن مقاومته.

حين انتهت الأمسية، بدأت المقاعد تتحرك، وتعالت التحيات، وانشغل الحاضرون بتبادل المجاملات والتقاط الصور. رأيتك تقف وتجمع أوراقك، ثم تتلقى كلمات الإعجاب من الذين أحاطوا بك. كان بعضهم يكرر عبارتك عن الأرواح التي تتنفس من رئة الغياب، وكأنهم عثروا على جملة تصلح لتكون عنوانًا جديدًا لمنشوراتهم. ابتسمت لهم، لكن ابتسامتك لم تصل إلى عينيك. للحظة، خُيّل إليَّ أنك تريد أن تقول شيئًا مختلفًا، شيئًا لا يصلح للتداول ولا للتصفيق، ثم تراجعت، وأعدت أوراقك إلى حقيبتك.

اقتربت من الطاولة التي كنت تجلس إليها. بقي فنجانك نصف ممتلئ، وإلى جواره ورقة صغيرة سقطت منك دون أن تنتبه. لم أمد يدي إليها؛ لم يكن من حقي أن أفتش في كلماتك الخاصة، حتى لو كنت قد قرأت ما يكفي لأشعر أن بيننا سؤالًا مؤجلًا. اكتفيت بالنظر إلى الكرسي الفارغ، وتذكرت أن الغياب لا يبدأ حين يرحل الناس، بل قد يبدأ وهم أمامنا، حين نعجز عن الوصول إليهم رغم قرب المسافة، وحين نتبادل الكلام دون أن يلمس أحدنا حقيقة الآخر.

عند الباب، سمعت أحدهم يقول لك إن قصيدتك موجعة، وإنها تليق بأرواح أنهكها الغياب. توقفت لحظة، ثم أجبت بصوت خافت لم أتبين كلماته كلها. لكنني رأيتك بعدها تنظر إلى الخارج، حيث كانت الحياة تمضي بلا اكتراث؛ سيارات تعبر، وبائع ينادي على بضاعته، وامرأة تحمل أكياسًا ثقيلة، وشاب يضحك في هاتفه، ورجل مسن يحاول عبور الطريق. لم يكن أحد منهم يعرف أن قصيدة عن العدم قد قُرئت قبل قليل على طاولة الأدب، ولم يكن أحد مضطرًا إلى أن يعرف. كانت الحياة أكبر من الأمسية، وأكثر فوضى من استعاراتها، وأشد قسوة أحيانًا، لكنها كانت تمضي، وهذا وحده كان كافيًا ليجعلني أفكر في معنى البقاء.

خرجت بعدك بدقائق، ولم أحاول اللحاق بك. كنت بحاجة إلى أن أمشي وحدي، وأن أرتب ما تركته الكلمات في داخلي. قلت لنفسي إنني لا أريد أن أكتب مرثية لأرواح تتنفس من رئة الغياب، ولا أن أكتفي بتعداد الخسارات حتى تصبح الحياة كلها قبرًا واسعًا. أردت أن أكتب عن الذين يعودون من أعماقهم، ولو بخطوة واحدة، عن الذين لا ينكرون جراحهم لكنهم لا يسمحون لها بأن تكون أسماءهم الوحيدة، عن الذين يفتحون النوافذ في الغرف المغلقة، حتى لو دخل الهواء محملًا بغبار الطريق.

ثم أدركت أن المرثية التي تليق بأرواح الغياب ليست تلك التي تمنح الموت لغة أجمل، بل تلك التي تعترف بأن الغائبين تركوا فينا فراغًا حقيقيًا، وأننا لا نستطيع أن نستبدل بهم أحدًا، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نعيش دون أن نخون ذكراهم. ليس مطلوبًا منا أن ننسى، ولا أن نتظاهر بأن الألم انتهى، لكن ليس علينا أيضًا أن ندفن ما بقي فينا من حياة إلى جوار من رحلوا. الوفاء لا يعني أن نموت ببطء خلفهم، كما أن النجاة لا تعني أننا لم نحبهم بما يكفي.

وفي تلك الليلة، جلست أمام دفتري وكتبت: «ليست كل روح صامتة ميتة، وليست كل روح تتحدث عن الموت قد فقدت رغبتها في الحياة. بعضنا يكتب كي لا يسقط، وبعضنا يرفع صوته لأنه يخشى أن يختفي، وبعضنا يضحك حتى لا يضطر إلى تفسير الدموع التي تقف خلف عينيه. لكن الخطر الحقيقي أن نعتاد الغياب حتى نراه طبيعتنا، وأن نحاكم وجوهنا كل صباح لأننا ما زلنا هنا، وأن نطلب الاعتذار عن حقنا البسيط في أن نعيش».

توقفت عند آخر سطر، ثم نظرت إلى المرآة المقابلة لمكتبي. لم أرَ وجهًا كامل الطمأنينة، ولم أرَ امرأة انتصرت على كل ما يؤلمها، لكنني رأيت وجهًا ما زال يحاول. لم أطلب منه أن يكون قويًا طوال الوقت، ولم أتهمه بالضعف حين بدت عليه آثار التعب. قلت له في سري إن الحياة لا تحتاج إلى براءة كاملة كي نستحقها، وإننا لا نعيش لأننا انتصرنا على كل شيء، بل لأن في داخلنا شيئًا، مهما ضؤل، ما زال يرفض أن يسلم مفاتيحه للغياب.

عدت إلى كلماتك مرة أخيرة، وتساءلت إن كنت ستقرأ يومًا ما أكتب، وإن كنت ستعرف أنني لم أسمع قصيدتك بوصفها مرثية فحسب، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان حين يصبح غريبًا عن نفسه. لم أكن أعرف عنك ما يكفي لأحكم على حكايتك، ولم أرد أن أضع لك نهاية من عندي. تركتك في ذاكرتي كما رأيتك: رجلًا على طاولة الأدب، يقرأ عن وجه يحاكم وجهه، ويترك وراءه كلمات تتنازعها الرغبة في الغرق والرغبة في النجاة.

أما أنا، فقد قررت ألا أكتب مرثية للغياب وحده. سأكتب عن الحياة التي تقاومه، وعن الذين يواصلون السير رغم أن شيئًا في داخلهم لم يلتئم بعد، وعن الذين ينهضون في الصباح لأن هناك من ينتظرهم، أو لأن حلمًا صغيرًا لم يمت، أو لأنهم تعبوا من الاعتذار عن وجودهم. سأكتب عن الأرواح التي تختنق، لكنني سأترك لها نافذة، وعن الوجوه التي تحاكم نفسها، لكنني لن أكون القاضي الأخير عليها.

فأيُّ مرثية تليق بأرواحهم، وهم يتنفسون من رئة الغياب؟

ربما لا تليق بهم مرثية أصلًا. ربما يحتاجون إلى كلمة تعيد إليهم أسماءهم، وإلى يد لا تسألهم عن سبب انكسارهم قبل أن تساعدهم على الوقوف، وإلى إنسان يجلس جوارهم دون أن يحوّل وجعهم إلى قصيدة يتباهى بعمقها. وربما يحتاجون، أكثر من أي شيء، إلى أن يعرفوا أن الحياة ليست جريمة، وأن البقاء ليس استعارة، وأن الإنسان لا يصبح أقل وفاءً لمن فقدهم حين يضحك من جديد.

أغلقت دفتري، وتركت النافذة مفتوحة قليلًا. دخل هواء الليل باردًا، لكنه كان هواءً حقيقيًا، لا استعارة ولا وعدًا ولا اعتذارًا مستعارًا من العدم. أخذت نفسًا عميقًا، وشعرت أنني، للمرة الأولى منذ جلست إلى طاولة الأدب، لا أبحث عن وجه يحاكم وجهي.

كنت فقط أحاول أن أعيش.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...