محمد فيض خالد - موت بطعم الفراولة...

في هذه الأرض البعيدة ينبت النهار مبكرًا، تهتز نبتته سريعًا في انتفاض مورق مع أول ضوء، ينفلت في ثقل وإعياء، كمن يئن من تحت حمل ثقيل، يسير الخلق هنا في رتابة يتعلمونها مع الأيام؛ تعلمهم سنن الحياة والتعايش، العمل، الأكل، والاشتباك مع الوهم، مع اللاشيء في معارك لا تنتهي، يظل المرء يلهث وراء السراب، يغترب المرء ويدور، يضطرب كما تضطرب الحمامة في الفخ، يتعلم الدرس مؤخرًا أن صراعه لم يكن لشيء؛ الحب، الكراهية، التحاسد، وحتى الطيبة، هي أوهام يحاول بها تلطيف طفح البركان المتدفق بداخله. مع أول نهار ينبت في هذه البلاد، يسير الخلق كآلات هامدة نُزعت منها الروح، نوبات العمل اليوم بكامله بقسوة أدمنها هؤلاء المساكين، حتى أصبحت طقسًا يتعبدون به للمجهول ويرضون به شيطانهم.
في مسكننا السخيف تتلاقى المتناقضات: الأبيض والأسود، العربي والأعجمي، القبح والجمال. حتى المشاعر العادية؛ منهم من تكفيه نظرة، ومنهم من يهز رأسه مبتسمًا، وفيهم من يربكك بالتحية، أما صاحبنا فقد آنست إليه في تلك الفروض القليلة التي تجمعنا بالمسجد، بدايةً، لم يرق لي تسلطه الفج، ويده الممتدة دون رادع للمراوح والمصابيح، تأخذني غمغمته المبالغ فيها بعد صلواته، حتى ما يذيعه القوم عنه في شبه إجماع وبخوف مفرط، عن عمله الخفي مع رجال المباحث؛ عينًا ترى وأذنًا تسمع، أطلقهما رجل فقير طحنته الغربة بأضراسها. لا يهمني ما يشاع عنه بقدر ما يهمني تجاهل وجود ذلك المخلوق، لا تغريني نظراته المطمئنة، ولا محاولاته إخفاء اضطرابه اللافت وهو يغمض عينيه في ارتعاشة ثعلب: "إزيك يا أستاذ؟". بعفوية تنزوي ابتسامة على شفتي، ينتابني الإزعاج، أستمع سريعًا لهواجس نفسي تقودني لتوبيخه، ولكني وأنا في حومة الضيق يبادر هو بتلطف: "اتفضل نسقيك عصير فراولة طازة".
يعمل صاحبنا موظفًا في أشهر مصانع المرطبات، تباطأت نظراته في خجل وأنا أشكره ممتنًا، تخايلني على الفور صورة أهدابه السود المتهدلة التي تبعث ظلال الشر تحت أعمدة النور القادم، جسده الهزيل، شعرات ذقنه النابتة في فوضى، ردفاه النحيلان. نظرة عميقة تطل من عينيه تقول غير ما يبدي صاحبها من خبث، لكنها في الأخير بقايا إنسان حطمته الحياة، لطمته الأيام ألف لطمة، قُيّد بأغلال غليظة في ماضٍ أسود لا يستطيع منه الفكاك. تبدو على ملامحه رواسب الألم طافية، لكنه شموخ الفقراء.
قالوا إنه بعد مقتل والده ربته أمه مع أربع بنات، أصاب زوجها عيار من مجهول فأرداه قتيلًا، كان المرحوم أضعف من أن يحرك العداوات، لكنه القدر الذي أسقط هؤلاء في يد الشقاء،أثارت الشفقة بعض الأقرباء، لكنها خمدت مع مرور الأيام، ما اضطر الأم لأن تخدم في البيوت، انكسر قلب الفتى؛ ما ذنب المسكينة كي تبذل كرامتها لإطعامهم؟ كان يصرخ بصوت مبحوح، تحولت حياته لكابوس طويل وعلامة استفهام كبيرة، استجاب لذلك الصراخ المندلق في أذنيه المتأتي من المجهول، يشعل فكره، ويؤرق باله، وينشر الضباب في زوايا روحه، فيغرس الكراهية بقلبه الغض.
ذات صباح كئيب، طرق بابي جار لي، بدا كسيف البال على غير عادته، ودون مقدمات أخبرني: "لقد توفي ابن صابر، والرجل منهار". فرك كفيه وقد نهشت كلماته ستره، على مدخل الغرفة امتلأت الأرض ببقايا زجاج مهشم، وفاضت رغوة حمراء كثيفة تلطخ البلاط، ومن فوقها هش الذباب كثيفًا في حوم مقزز. امتلأت الغرفة بالوجوه الغريبة مستغرقة في نوبة تمثيل فج، لم تفلح كلمات المواساة أن تعزيه أو أن تكبح جماح حزنه. يتملكه الحنق الشديد وهو يستمع مضطرًا لنبرات المعزين التي يتقيؤونها، خُيل إليّ وكأن الرجل كَبُرَ ألف سنة، تلوع عيناه في حيرة، يترنح الكلام ميتًا بين شدقيه كسفينة تتقاذفها الأنواء في بحر بلا مرسى، كل ما فيه قد خمد، والابتسامة الميتة لا تزال معلقة على شفتيه السوداوين، تتبدى أمامه تلك الذكريات البعيدة مثل فقاعة من الهواء امتلأت ثم انفجرت في صمت محدثة ذلك الفراغ القاتل. نظر إلينا وهو يفتح فمه دهشًا: "لقد ضاع الحيلة، ابني الذي رجوته من الدنيا، الأستاذ بتاع الكلية".
جاءه الخبر قبيل الفجر؛ عيار طائش خرج من مجهول أصاب الشاب في رأسه وهو عائد من عرس صاحبه، زاغ بصره وكأنه يحاول تفريغ شحنة ثقيلة من الوجع، يطالع بذهول ما يجري من حوله، تصل أصوات الناس إليه كعواء طويل ممطوط، سريعًا أمسك برأسه يهزه في عنف، تمايل في ضجر يردد بشكل هستيري: "كفاية.. ده الحيلة يا ولاد الكلب!". في الخارج كان النور قد انحسر في الشارع قليلاً كانحسار الماء عن البحيرة، وامتدت السماء في الأفق بلونها الرمادي وقد خالطتها بقع حمراء.
أربكني الأسى الذي يسيل من صوته وهو ينوح، انبرى يعدد مآثر الفقيد ويرثي شبابه، الأماني الجميلة، والمستقبل الزاهر. حرك أصابعه سريعًا، أشار في الوجوه بخبل مخيف، تلمع عيناه في ذعر مع كل كلمة، ثم انهمرت دموعه بغزارة ،قبيل مغادرتي دسست يدي في يده مواسيًا، أطبقتها على أطرافه التي بدت باردة كقطعة ثلج، اعتلى وجهَه الغضب، ودُفعةٌ من دم حار تتمشى فيه صبغته، برزت عظام وجنتيه الغائرتين كوجه ثعلب عجوز، عاود تحطيم ما تبقى من قناني العصير، دُبغت الأرض باللون الأحمر، وفاضت رائحة الفراولة، ثم غادر من فوره متوجهًا للمطار.
منذ يومين مررت أمام غرفته، لا تزال رائحة الفراولة تعبق المكان، ومن فوق كومة الزجاج المحطم ينش جيش الذباب في وشيش مزعج. لم يرجع صاحبنا حتى الساعة.. قالوا إنه ينتظر مقدم مولوده الذكر بفارغ الصبر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...