د. حسين عبدالبصير - عفريت العتبة...

كان أبي يقول إن القاهرة لا تنام، لكنها في تلك الأيام كانت تستيقظ على صوت الترام.

كنت صبيًّا في الثانية عشرة، أعيش مع أسرتي في حارة قريبة من العتبة الخضراء. وكان أبي يعمل خياطًا في الموسكي، يخرج كل صباح حاملًا حقيبته الجلدية، ويعود عند الغروب ورائحة القماش والصبغة عالقة بيديه. أما أنا، فكنت أجد متعتي في الوقوف عند أول الشارع، أراقب العربات التي تجرها الخيول، والحمير المحملة بالخضار، والباعة الذين يملأون الدنيا نداءات.

لكن الترام كان حكاية أخرى.

كان أهل حارتنا يسمونه «العفريت». يقول عم منصور، بائع الفول، إنه وحش حديدي ابتلع الخيول وصار يجري وحده. وتؤكد أم نعيمة، التي تسكن في الطابق الأرضي، أنها سمعت أن الكهرباء تسكن في أسلاكه، وأن من يلمسها يتحول إلى رماد.

وحده أبي لم يكن يضحك من هذه الحكايات.

قال لي ذات مساء، وهو يقص خيطًا بأسنانه:

«كل شيء جديد يخيف الناس يا حسن. الخوف أحيانًا من جهلنا، وأحيانًا من الأشياء التي ستغيّر حياتنا من غير أن تستأذننا».

في صباح يوم من أيام سنة 1913، قررت أن أركب الترام للمرة الأولى. كنت قد ادخرت بضعة مليمات من مساعدة أبي في الدكان، وخرجت قبل أن يستيقظ البيت. وصلت إلى العتبة، فوجدت الناس يتدافعون حول العربة، والجرس يرن، والموظف ينادي الركاب.

سألت رجلًا يرتدي جلبابًا رماديًّا:

«يا عم، هو الترام ده رايح فين؟»

نظر إليّ مبتسمًا وقال:

«على حسب الخط يا ابني. فيه خطوط تروح ناحية القلعة، وفيه اللي يروح ناحية روض الفرج. اسأل المحصل، وهو يقول لك».

صعدت مترددًا، وجلست بجوار النافذة. تحركت العربة فجأة، فقبضت على المقعد بيدي، بينما انفجر رجل يجلس أمامي ضاحكًا.

«إيه يا واد؟ أول مرة تركب العفريت؟»

لم أجبه. كنت مشغولًا بالقاهرة التي تتحرك أمام عيني. واجهات المحال، والرجال بطرابيشهم الحمراء، والسيدات بملابسهن الأنيقة، والصبية الذين يركضون وراء العربة، كل شيء بدا كأنه جزء من مسرح كبير.

وعندما نزلت، وجدت نفسي في شارع لا أعرفه. لم أفزع في البداية، لكنني حين أدركت أنني لا أعرف طريق العودة، شعرت بأن العفريت قد خطفني فعلًا.

سألت شرطيًّا عن العتبة، فأشار إلى موقف الترام. عدت إليه، ودفعت ما تبقى معي، وجلست هذه المرة في هدوء. لم أعد أخاف صوت الجرس، ولا اهتزاز الأرض تحت العجلات.

عندما دخلت الحارة، كان أبي واقفًا أمام البيت، ووجهه متجهم. رأى حذائي المغبر، ثم نظر إلى وجهي.

«كنت فين يا حسن؟»

حكيت له كل شيء. توقعت أن يضربني، لكنه ظل صامتًا لحظات، ثم وضع يده على كتفي.

«خفت؟»

قلت بصدق:

«في الأول. وبعدين لأ».

ابتسم ابتسامة صغيرة.

«أهو ده المطلوب. تتعلم تخاف، وبعدين تفهم».

مرت أعوام طويلة. تغيرت القاهرة، واتسعت شوارعها، واختفت أشياء كثيرة من طفولتي. مات أبي، وأغلق عم منصور محل الفول، ولم أعد أعرف أين ذهبت أم نعيمة. أما الترام، فظل يمر في ذاكرتي مثل زائر قديم، يحمل أصوات الذين ركبوه ذات صباح ولم يعودوا.

وكلما سمعت جرس ترام في شارع من شوارع القاهرة، تذكرت ذلك الصبي الذي ظن أن العفريت اختطفه، ثم اكتشف أن المدينة أكبر من حارته، وأن الخوف لا يمنع الإنسان من اكتشاف العالم.

لم يكن العفريت في الترام.

كان في قلبي الصغير، قبل أن أتعلم كيف أفتح له الباب.

د. حسين عبدالبصير- مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...