د. حسين عبدالبصير - يومٌ يمر بسلام...

استيقظ محمود في السادسة صباحًا على صوت هاتفه. لم يكن ينتظر مكالمة من أحد، لكنه صار يخشى الهاتف حتى حين يصمت. الأخبار سيئة، والأسعار ترتفع، والناس تتشاجر، والأيام تتشابه كأن أحدًا أغلق باب المستقبل ونسي المفتاح في جيبه.
ظل مستلقيًا دقائق، ينظر إلى السقف الذي ظهرت في إحدى زواياه بقعة رطوبة تشبه خريطة بلد لا يعرفه. فكّر في إصلاحها، ثم تذكّر أن إصلاح السقف يحتاج إلى نقود، وأن النقود تحتاج إلى مرتب يكفي، وأن المرتب لا يكفي، وأن التفكير في كل ذلك قبل الإفطار قد يفسد اليوم كله.
نهض.
في المطبخ، كانت زوجته تعد الشاي. سألته إن كان قد دفع فاتورة الكهرباء، فأجاب بأنه سيدفعها اليوم. لم يخبرها أنه أجّلها مرتين، وأن رسالة جديدة وصلته مساء أمس تحذره من التأخير. لم تكن زوجته بحاجة إلى معرفة كل شيء. كانت تعرف ما يكفي من وجهه.
أكل قطعة من الخبز والجبن، وقبّل ابنه النائم على رأسه، ثم خرج إلى الشارع.
كان الرصيف مزدحمًا بأناس يسيرون بسرعة، كأنهم يهربون من شيء يطاردهم. رجل يصرخ في سائق سيارة، وامرأة تحاول عبور الطريق وهي تحمل طفلًا وحقيبة، وبائع ينادي على بضاعته بصوت خشن، وشاب يحدق في هاتفه كأنه ينتظر حكمًا نهائيًا بشأن حياته.
وقف محمود ينتظر الحافلة. تأخرت عشرين دقيقة. وحين وصلت، صعد إليها بصعوبة، ووقف بين أجساد متعبة وروائح عرق وعطور رخيصة. كان الجميع صامتين، إلا من رجل يتحدث في الهاتف عن شقة لا يستطيع شراءها، وآخر يشكو من مديره، وثالث يلعن حظه.
لم يكن أحد يتحدث عن أحلامه.
ربما لأن الأحلام أصبحت شيئًا شخصيًا للغاية، لا يجوز إخراجه إلى الشارع دون أن يتعرض للسخرية أو الحسد أو الاتهام بعدم الواقعية.
في العمل، جلس محمود خلف مكتبه، فتح الملفات، ورد على الرسائل، ووقّع الأوراق التي تنتظر توقيعه. ابتسم لمن يستحق الابتسام في نظر رؤسائه، وصمت حين كان الكلام سيكلفه أكثر مما يحتمل، وابتلع غضبه حين تحدث إليه أحدهم بفظاظة.
عند الظهيرة، اتصل به ابنه من المدرسة.
"بابا، ممكن أشتري الكتاب اللي قلت لك عليه؟"
سكت محمود لحظة. كان الكتاب رخيصًا في حسابات الناس، لكنه لم يكن كذلك في حساباته.
قال: "إن شاء الله يا حبيبي. لما أرجع نشوف."
أنهى المكالمة، وظل ممسكًا بالهاتف. تذكّر نفسه حين كان في عمر ابنه، وكيف كان يظن أن العالم ينتظر فقط أن يكبر قليلًا حتى يفتح له أبوابه. لم يعرف متى تحولت الحياة من أبواب يحلم بفتحها إلى أبواب يخشى أن تُغلق في وجهه.
عند الثالثة، خرج لشراء بعض الاحتياجات. اكتشف أن الأسعار ارتفعت مرة أخرى. أعاد علبة كان قد وضعها في السلة، واختار نوعًا أقل جودة. لم يكن الأمر يستحق الحزن، قال لنفسه، ثم أدرك أن أشياء كثيرة لم تعد تستحق الحزن منفردة، لكنها حين تتراكم تصبح حياة كاملة من الحزن الصغير.
في الطريق إلى البيت، مرّ أمام مكتبة قديمة. توقف عند الواجهة الزجاجية. رأى رواية أحبها في شبابه، فتذكر أنه كان يريد يومًا أن يكتب رواية تشبه الناس الذين يعرفهم؛ رواية عن أب يعود كل مساء إلى بيته حاملًا ما استطاع إنقاذه من يومه، وعن أم تخفي خوفها حتى لا يخاف أطفالها، وعن شباب يؤجلون حياتهم إلى أن تتحسن الأحوال.
ابتسم ساخرًا.
منذ سنوات لم يشتر كتابًا لنفسه.
واصل السير.
عندما وصل، كانت ابنته تجلس أمام التلفاز، وزوجته ترتب المطبخ. سأله ابنه عن الكتاب، فقال إنه سيشتريه له غدًا. لم يعاتبه الصغير. اكتفى بهزة رأس، وعاد إلى غرفته.
كان هذا الصمت أشد إيلامًا من البكاء.
جلس محمود على الأريكة. سألته زوجته عن يومه.
قال: "الحمد لله. عدى على خير."
في الشقة المجاورة، ارتفع صوت التلفاز، وفي الشارع واصل بائع متأخر نداءه، بينما كانت زوجته تجمع الأطباق من المائدة. نظر إلى أبنائه، وتابع حديثهم العابر عن المدرسة والجامعة، وشعر برغبة في أن يظل كل شيء على حاله حتى الصباح. لم يكن ينتظر من الأيام الكثير؛ يكفي أن يجد في نهايتها البيت كما تركه، والوجوه التي يحبها حوله، وأن ينام دون أن يطارده خبر أو حساب مؤجل أو خوف جديد.
تذكّر والده، الذي كان يحكي له عن أيامه الأولى في العمل، وعن البيت الذي أراد أن يبنيه، والكتب التي جمعها، والرحلات التي خطط لها، والأشياء التي ظل يؤمن بأنه سيفعلها يومًا ما. لم تكن حياة أبيه سهلة، لكنه كان يتحدث عن المستقبل كما لو أنه مكان حقيقي يستطيع الإنسان الوصول إليه إذا اجتهد وصبر.
أما محمود، فصار يتحدث عن الغد بحذر.
لم يعد يقول: "سأفعل".
صار يقول: "ربنا يسهل".
ولم يكن في العبارة عيب، لكنه خشي أن تكون قد أصبحت ستارًا يخفي وراءه استسلامًا لم يعترف به لنفسه.
في تلك الليلة، خرج إلى الشرفة بعد أن نام الأولاد. كانت المدينة تلمع بأضواء متعبة، وتتصاعد من الشوارع أصوات متفرقة، وضحكة بعيدة، وبوق سيارة، وشجار سرعان ما انطفأ. رفع رأسه إلى السماء، فلم يرَ سوى بضعة نجوم شاحبة خلف غلالة من التلوث.
أخرج من جيبه ورقة صغيرة وجدها بين أوراقه القديمة. كانت قائمة كتبها قبل خمسة عشر عامًا، تضم أشياء أراد تحقيقها. لم يحتفظ منها إلا بالورقة، كأنها شهادة على حياة كان يمكن أن يعيشها.
قرأها ببطء، ثم طواها ووضعها في جيبه.
لم يشعر برغبة في البكاء. كان التعب أعمق من الدموع.
نادته زوجته ليساعدها في إغلاق النافذة. عاد إليها، أغلقها، ثم جلس بجوارها. لم يتحدثا كثيرًا. كانت هناك أشياء لا تحتاج إلى كلام، وأحزان يصبح التعبير عنها عبئًا إضافيًا على أصحابها.
قبل النوم، ضبط المنبه على السادسة صباحًا.
غدًا سيذهب إلى العمل، ويدفع الفاتورة، ويحاول شراء الكتاب لابنه، ويبحث عن طريقة لتدبير بقية الشهر. ستأتي أيام أخرى، وستتكرر الأسئلة نفسها، وربما ترتفع الأسعار مرة جديدة.
أطفأ النور.
لكن فكرة واحدة ظلت مستيقظة في رأسه: متى صار البقاء على قيد الاحتمال بديلًا عن الحياة؟ ومتى أصبح الإنسان الذي يحلم بالحب والمعرفة والحرية والفرح يكتفي بألا يصيبه مكروه؟
لم يجد إجابة.
وفي الصباح، حين استيقظ على صوت المنبه، نظر إلى زوجته النائمة، ثم إلى ابنه الذي ترك كتابه المدرسي مفتوحًا بجوار السرير. شعر بحنان مفاجئ، حاد كأنه ألم جميل. نهض بهدوء حتى لا يوقظهما، وأعد الشاي، ثم كتب على ورقة صغيرة ووضعها بجوار مفاتيحه:
"سأشتري الكتاب اليوم."
أغلق محمود الباب خلفه، ومضى إلى الشارع الذي بدأ يضج بالحياة. عند الناصية، كانت رائحة الخبز الساخن تتسلل من الفرن، وعلى الرصيف المقابل وقف صبي يبيع المناديل للمارة. أخرج محمود هاتفه، راجع ما في جيبه، ثم اتجه إلى المكتبة القديمة. كان يريد أن يعود إلى البيت ومعه الكتاب الذي انتظره ابنه، وربما شيء آخر لم يعرف كيف يسميه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...