رافد عزيز القريشي - ما يتركه الشطبُ

(1)

يتخثّرُ المعنى في برزخِ التأويلِ، كينونةٌ تُعادُ صياغتُها عبرَ هندسةِ الفراغِ، الوقتُ يتلاشى في نفسِهِ، والشكلُ المفهوميُّ سيميائيٌّ يتوالدُ في خليةِ اللغةِ. أنا اشتقاقُ المعنى من هامشِ الرؤيا، تفكيكٌ لسلطةِ الصورةِ، وزحزحةٌ لمقاماتِ البنيةِ.

(2)

يتعانقُ النصُّ مع ظلِّهِ، تناصٌّ محمومٌ بين أبجديةِ الجمرِ ومُضمرِ الثقافةِ المنسيِّ. تتشظّى الأيقونةُ في مرآةِ التأثيثِ، حيثُ يُشكّلُ المنزاحُ السياقيُّ سؤالَهُ المعرفيَّ: كيفَ للعزلةِ أن تكونَ مطرقةً تدكُّ أعمدةَ العلامةِ؟ وكيفَ للشعريةِ أن تكونَ انزياحاً عن أرسامِ اللسانِ العتيقِ؟

(3)

هنا.. تتحوّرُ البؤرةُ البصريةُ، وتتزاحمُ المرجعياتُ في ظاهراتيةِ الكشفِ، فتغدو الدالّةُ صدىً لمدلولٍ غائبٍ، وتبقى العلاقةُ كائناً برهوائياً يتوالدُ من خدوشِ المحوِ.

(4)

وفي لحظةٍ لا تُقاسُ بالزمنِ، ينفجرُ الشطبُ ككوكبٍ منسيٍّ، تتساقطُ شظاياهُ على مرايا اللغةِ، فتنكسرُ لتكشفَ وجهاً آخرَ للغيابِ: غيابٌ يضيءُ، وصمتٌ يكتبُ نفسَهُ كأنّهُ المعنى الأخيرُ.

(5)

تتراكبُ في حواشي النصِّ سُلطةُ المحوِ، وتنسجُ حولَ الغيابِ أسلاكَ الصمتِ، كأنَّ ضبابيةَ الدالِّ تكفي لإطفاءِ المدلولِ.

لكنَّ البؤرةَ التفكيكيةَ تفتحُ في الجدارِ شقّاً، فيخرجُ منهُ ما ظنّوا أنّهُ انطفأَ: فالذينَ أحكموا إغلاقَ منافذِ الكشفِ لم يتركوا وراءَهم إلّا صدىً يكرّرُ صدىً آخرَ، بينما المسكوتُ عنه يواصلُ اشتعالَهُ في العتمةِ، كجمرٍ يعرفُ طريقَهُ إلى أصلِ الحكايةِ.

(6)

وفي الهامشِ الذي تُركَ خارجَ الضوءِ، تتداعى هندسةُ المربّعِ أمامَ كثافةِ المنسيِّ؛ فالاجتثاثُ لا يحجبُ الظلَّ، بل يمنحُهُ جداراً ليكبرَ عليهِ.

وحينَ تُغلقُ الأبوابُ دونَ وجهٍ من وجوهِ الوجودِ، يبدأُ الغائبُ في تشكيلِ حضورِهِ من الجهةِ الأخرى.

هناك، حيثُ يظنُّ المركزُ أنّهُ يحرسُ المعنى، يكتشفُ متأخراً أنّهُ لم يكنْ يحرسُ سوى تجويفٍ فارغٍ، وأنَّ المبعدَ من دعوةِ الوجودِ لم يكنْ خارجَ المعنى.. بل كانَ وجهَهُ الذي لم يُسمحْ لهُ أن يظهرَ.

رافد عزيز القريشي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...