حسين جرود - دراديع

1
على سقف تلك الغرفة التي يرتفع سقفها أقل بمتر واحد من سقف بيتنا، وتحت باب خشبي قديم، توجد الكنوز.
أصعد على سور السطح، وأقفز إلى سطح الغرفة، وكل مرة أتعرف على شيء أو اثنين، من تلك الكنوز الأثرية.
قد تكون رحلة العودة أصعب؛ إذ تتطلب بعض التشبث والتسلق والسقوط أحيانًا.
العناية التي بذلت في وضع تلك الأغراض وتوضيبها، عناية إلهية بشرية ممتدة لعقود، وإن كانت ليد واحدة وحيدة... يَدُ جدي.
الخلق الذي استمر طويلًا لأصل إلى ذلك المشهد
بعد أن تقاعد الخالق... فهو الآن في فراشه، في غرفته، في بيتنا، بالكاد يستطيع أن يذهب إلى الحمام ليتوضّأ عدة مرات في اليوم. وعندما يغامر ويخرج خارج البيت، يُسجل ذلك في أحاديث العائلة والقرية.
وقد يخلو ذلك السفر من حوادث أو تعب، وقد لا يسلم، ولكنه في كل مرة فريد... ونادرٌ بطبيعة الحال، وينذر أكثر باقتراب نهاية ذلك العجوز الذي تجاوز التسعين.
*
لا أتذكره عائدًا على عكازه سعيدًا، بل أتخيله متجهمًا أو مُساقًا إلى باب الدار، وهنالك من يضع يده تحت إبطه ليسنده...
نوعٌ من الوهم المشترك، أن ذلك السير، إن زاد عن حده، سيحوي نهاية وشيكة، كأنه يسقط من حالق، ولا يسير على أرض مستوية، مثل كل طرقات بلدتنا.
2
ما الذي يمكن أن أفعله لأتجنب مصير جدي؟ كان وجوده كابوسًا دائمًا أمام عينيّ، وعندما توفيت أمي بعد عقود كنت سعيدًا لأنها ماتت في شبابها.
لم أكن خائفًا من الحياة، فهي ستنتهي بطبيعة الحال، والموت موثوق به. بل إنني كنت أتمنى أن أعيش حتى السابعة عشرة أو الخامسة والعشرين، مع ما يتخلل ذلك من سعادة وحب ونجاح وانتصار ورفاهية أيضًا...
لكن الرعب الذي لازمني هو الخوف من البقاء في الجنة، وذلك الملل الذي سيأتي بعد الموت...
أسأل أبي: سنموت، ونذهب إلى الجنة، وماذا بعد؟
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
لا تتوقعون أن يجيب.
أبكي بين السرير والخزانة، وأتمنى أن أحترق بالنار، فربما كانت أقلل مللًا... فلا طاقة لي على العيش في الجنة، كنت أظنها مثل التخشب الطويل بلا نهاية.
طبعًا شفيتُ من هذا سريعًا، وجاءت كوابيس طفولة أخرى.
عندما ولدت كان جدي في فراشه، وتوفي قبل أن أبلغ الثالثة عشرة بشهر، ولكنه عمر طويل، يقارب السجن المؤبّد، بلا ذنب... إذا كانت هذه هي الحياة، فما هو الجحيم إذن.
3
لم أعرف أبدًا سبب احتفاظه بتلك الرصاصات. أنا متأكد أنه لم يملك مسدسًا يومًا. في علبة معدنية (تنكة) وضعها مع قطع أخرى من المعادن، وما يؤكد أنها لا تعني شيئًا له أنه وضعها على هذا السطح، مع تلك الكنوز الخفيفة القيمة المادية، الكبيرة القيمة المعنوية، الثقيلة أيضًا... بينما يضع الكنوز الحقيقية في غرفته.
لا أذكر آخر مرة صعد فيها إلى ذلك السطح، فلا بد أن ذلك كان في سنواتي الأولى، ومن الصعب أن أراه... لكن من السهل بما أني فكرت في هذا الأمر من قبل، أن أخلق صورة لجدي وهو يوضّب الأغراض، وأن تظهر لي الآن كأنها حدث حقيقي، مع ما صاحبه من عتب ولوم على قفزته الخارقة فوق الجدران في عمره الكبير ذاك.
لكن منطقيًا كان هناك آخر مرة، منذ زمن ليس ببعيد، فالأغراض موضّبة بعناية، ولمساته ما زالت تنطق. وهو سطح لغرفة واحدة فقط، وليس له علاقة بسطح بيتنا... بل هو سطح لغرفة مخزن، تحولت يومًا إلى مكتب، قبل أن تعود إلى مخزن لأغراض مختلفة، ثم هدمتها الطائرات مثل كل شيء.
رأيته كثيرًا وهو يرتب المقتنيات المهمة، في صندوقه الكبير في غرفته، وهو صندوق خشبي قديم مدهون بالأخضر، ويقال إن تلك الصناديق كانت تستخدم لأغراض العروس، ما يعني أن عمر الصندوق كان 50 عامًا عندما ولدت. وكان عمر جدي 50 عندما ولد والدي. وكي لا أجعلك تكره هذه القصة سأكتفي بالقول إن جدي ولد عام 1902 وتوفي عام 2004. ولم يبقَ هناك لا صندوق ولا شيء.
بل إن تلك الأشياء على السطح تخلصوا منها قبل وفاته، ولم يسبب ذلك لي كثيرًا من الحزن. فقد خسرتُ قبلها جميع الأشياء المهمة منها، ولم يبقَ سوى الخشب والحديد.
4
لم يكن جدي لطيفًا أبدًا، وكان يصرخ بأي طفل يقترب منه... أما الاقتراب منه وهو يرتب صندوقه، فهو من الكبائر التي تجعل أصواته تصل إلى السماء.
ولكني بشكل ما لعبت معه في الألعاب ذاتها... وكل قطعة اختارها ووضعها على السطح أخذت كثيرًا من وقتي وتفكيري، وبعضها أصبحت شخصيات حقيقية عاشت معي ومع أخي ومنحناها أسماء... قبل أن تنتهي كأي لعبة.
كل ما في الحياة لعبة، شيء بسيط. وقد يساعدني في الكتابة، وقيل لي يومًا إنها معتقداتي.
لكن كل لعبة لها نهاية... هذا الشيء يبكيني الآن وأنا في الخامسة والثلاثين.
وكما كان جدي يحتفظ بأغراضه الثمينة وألعابه، كانت لدي ألعاب كثيرة جديدة (سيارات - قصص أطفال - مجسمات أبطال خارقين - ميداليات مفاتيح – أوراق لعب أونو - وتلك الأشياء التي فيها عدسات وصور، وأقلام تلوين مع أني لا أجيد الرسم...) لم أكن أسمح لأحد بلمسها، بل أقفل عليها في خزانة، وأدعو أخي ومن يزورنا لنلعب بألعاب جدي.
العصي الخشبية كانت من تلك الأبطال، فبين أغراضه يوجد عصي مختلفة، منها: عكاز حقيقي غير مستخدم (العكّازة)، وعصا لها رأس كبير يشبه العظم (أبو عظمة)، وعصا أخرى كالرمح عثرنا يومًا على قطعة بلاستيك جيدة فغلفنا قسمًا منها، وعصي أخرى أقل أهمية...
كان أبو عظمة العصا المفضلة لي والتي أستخدمها في المبارزة عندما نلعب، بينما يُفضّل أخي العكّازة، ونمنح الثالثة للضيف القادم.
5
لو سألتني: من أكثر شخص تكرهه؟
لقلت ببساطة: "جدي"... ويمكن يومها أن أسوق أسوأ العبارات التي أعرفها لوصف الشخص السيئ، وقد كلفني ذلك حذف أحد نصوصي التي كتبتها عنه بعد أن تلقى والدي اتصالات، مع أنه حضر في غيره مرات، ويمكن الآن أن أفسر ذلك وأقول إنه كان "ضد الحياة"، جدي وليس النص.
بل أكثر من ذلك، أجد أن تلك الصفات تسربت إلي، وأبرزها اللامبالاة، وإن ما زلت أتسم بسعة الأفق، كما أظن، أو أتمنى، أو يسمح غروري. ولكن هناك صفة مشتركة أساسية تجمع بيننا: الكسل.
الشيء الذي لا يفهمه أصدقائي: كيف تركت كل تلك القصص السورية المهمة التي رأيتها، لأكتب في مجال ميت مثل الشعر الحر؟ ربما كان الخوف من المعنى، من السلطة التي تمنحها القصص لأشياء بعينها أو سرديات معينة، بينما لا يفعل الشعر ذلك. والسبب الأهم لماذا نكتب عن أمور لا تعنينا، مع ما ذكرته قبل قليل بأن النتائج لن تخلو من اتصالات!
عندما شاهدت مسلسل "متحف البراءة"، المقتبس عن رواية أورهان باموق، ويتحدث عن ذلك الشاب الذي يجمع كثيرًا من الأشياء المتعلقة بحبيبته، حتى أعقاب السجائر، أسميت بطل المسلسل يومها: "أبو الدراديع"، وأردت كتابة هذا النص. وطبعًا نسيت!
هل بداية الكتابة تحويل لميدان اللعب فقط؟ ما يعني أن التوقف عنها هو النضج الطبيعي الذي يحدث مع معظم الناس، بينما لا يستمر في ذلك الشيء سوى الأطفال. قد لا نحتاج إلى المأساة والحروب لنجمع الشظايا، وقطع القلوب المنفطرة... فنحن قبل هذا نجمع "الدراديع".
هامش:
ما الفرق بين الشظية والدردوعة؟ الدردوعة شيء يكتسب قيمة مضافة لمن يجمعها، مع أنها قد لا تملك قيمة سوقية عالية. بينما تأتي الشظية وحدها، وتفرض نفسها، وتحطم المرايا، فإننا نبحث عن الدردوعة بأنفسنا، ونسعد بإيجادها، وتعجبنا، ونرى فيها شيئًا يعكس ما في دواخلنا.

#حسين_جرود

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...