شريف محيي الدين إبراهيم - أنا لست ملكا

المشهد الأول
الكأس


المكان: مكتب الأمير آسر داخل قصره .

مكتب عريض، فوقه أوراق مختومة ومحبرة ومصباح، وبجواره كأس ماء.

في الخلفية مكتبة كبيرة تمتلئ بالكتب.

على يمين الباب نافذة عالية تطل على ساحة القصر.

(يقف رجل غريب أمام المكتب. الأمير آسر جالس مستغرق في قراءة أحد الكتب ، ينظر إليه الرجل في ثبات.

الرجل: نحن الذين قتلنا أخاك.

(ينهض آسر فجأة، ويحدق فيه مذهولًا.)

آسر: ماذا قلت؟

الرجل: قتَلنا الملك جلال.

آسر: تقولها هكذا؟ في قصري؟ ألا تخشى أن تطير رقبتك بسيف جلادي؟

الرجل: لو كنت أخشى الموت، لما جئت إليك.

آسر: كيف دخلت إلى مكتبي؟

الرجل: كما دخلنا إلى كل مكان نريد الوصول إليه.

(يخرج ورقة مطوية ويضعها على المكتب. يفتحها آسر. يمر بعينيه على الأسماء.)



آسر: وزراء... قادة... ولاة... شيوخ قبائل... رجال من القصر!



(يتوقف فجأة.)



آسر: ليال!



(يقرأ الاسم مرة أخرى، ثم يرى اسمي ابنيه.)



آسر: سليم وراشد؟! من أنت يا هذا... ماذا تريد؟



الرجل: بل نحن.



آسر: من أنتم؟ وماذا تريدون مني؟



الرجل: ثوب الأمير بات صغيرًا عليك، وثوب الملك لا يناسب أحدًا سواك.



(يضحك آسر ضحكة قصيرة يابسة.)



آسر: أنا؟



الرجل: نعم، أيها الأمير الشاعر.



آسر: لماذا؟



الرجل: لأنك الوحيد الذي يستطيع أن يجمع البلاد.



آسر: قتلتم الملك جلال، ثم جئتم تبحثون عن ملك آخر؟



الرجل: لم يكن ملكًا.



آسر: كان أخي.



الرجل: كان ضعيفًا.



آسر: قتلتموه لأنه ضعيف؟



الرجل: قتلناه لأن البلاد كانت تضيع.



آسر: ومن أعطاكم الحق؟



(يصمت الرجل لحظة، ثم ينظر إليه مباشرة.)



الرجل: أنت.



آسر: أنا؟!



الرجل: تركت له العرش.



آسر: تركت له العرش، ولم أطلب منكم أن تقتلوه!



الرجل: ونحن نطلب منك أن تكمل ما بدأناه.



آسر: وإن رفضت؟



(يميل الرجل فوق المكتب.)



الرجل: وهل تستطيع أن تتحمل عواقب ما سيحدث بعد ذلك؟



(تتحرك عيناه نحو كأس الماء.)



الرجل: أتظن أن الخادم الذي وضع هذا الكأس هنا اختاره من تلقاء نفسه؟



(يمد يده، ويزيح الكأس قليلًا، ثم يعيده إلى موضعه. يراقبه آسر بحذر.)



آسر: ماذا تعني؟



الرجل: نحن نعرف أين تذهب زوجتك قبل أن تعرف أنت، ومتى يخرج ابناك من غرفتيهما، ونعرف من يقف الآن خلف الباب... نحن في كل مكان.



آسر: وماذا لو حاربتكم؟



الرجل: بأي جيش؟



(يصمت قليلًا.)



الرجل: نحن لا نريد أن نقتلك.



آسر: لأنكم تحتاجونني.



الرجل: نحتاج إلى وجه يلتف حوله الناس.



آسر: وتظنون أنني سأقبل بعد أن قتلتم أخي؟



الرجل: ستقبل.



آسر: وكيف تعرف؟



الرجل: لأنك تحب زوجتك وأبناءك. ولأنك، رغم كل شيء، تحب هذه البلاد.



(ينظر آسر إلى الكأس.)



الرجل: اشرب.



آسر: ماذا؟



الرجل: أتخاف من السم؟



آسر: أنت تلاعبني.. ليس في الكأس سم.



الرجل: بل سم قاتل.



(يرفع الرجل الكأس، وينظر إلى آسر نظرة ثابتة، ثم يشرب الماء كله. يعيد الكأس إلى المكتب.)



(لحظة صمت.)



آسر: ماذا فعلت؟



(لا يجيبه الرجل. تتغير ملامحه، ويضع يده على صدره، ويتراجع خطوة. يحاول أن يتكلم، لكن أنفاسه تتقطع.)



آسر: أنت...



(يجلس الرجل على حافة الكرسي، ويرفع عينيه إلى آسر.)



الرجل: نحن لا نكذب.



(يرتجف جسده.)

اسر: أنتم مجانين!!

الرجل: بل مؤمنون.



(يسقط على الأرض.)



آسر صائحا: يا حراس! استدعوا الطبيب! أنقذوه.

يدخل مجموعة من الحراس

(ينحني أحدهم فوق الرجل، ثم يرفع رأسه ببطء.)



الحارس: لقد مات، يا سيدي.



(يقترب حارس آخر من آسر ويهمس.)



الحارس : كان يعرف أن مهمته تنتهي هنا.



(ينظر آسر إلى الكأس، ثم إلى القائمة المفتوحة فوق المكتب.)



آسر: أغلقوا الأبواب.



(يتحرك الحراس في توتر .)



آسر: لا أريد أن يدخل أحد قبل أن يصل قائد الحرس. وأغلقوا الأبواب المؤدية إلى الجناح الملكي.



الحارس: أمرك، سيدي.



(ينصرف الحارس. يلتقط آسر القائمة، ويعيد النظر في الأسماء. يتوقف عند اسم ليال، ثم اسمي سليم وراشد. صوت خطوات مسرعة من الخارج، ثم يظهر وجه ليال عند الباب.)



ليال: آسر؟



(يرفع رأسه بسرعة، ويحاول إخفاء الورقة.)



ليال: ماذا حدث؟ الحراس يتحدثون عن رجل مات هنا.



آسر: ادخلي وأغلقي الباب.



(تدخل ليال وتغلق الباب. تقترب منه، ثم تقع عيناها على الجثة)



ليال: من هذا؟



آسر: جاء ليخبرني أنه واحد من الذين قتلوا جلال.



ليال: من هم؟



آسر: جماعة لا أعرف أسماء أفرادها، لكنهم يعرفون كل شيء عنا.



(يناولها القائمة. تقرأ الأسماء، ثم يتغير وجهها حين تصل إلى اسمها واسمي ابنيها.)



ليال: سليم وراشد... لماذا وضعوا اسميهما؟



آسر: لأنهم يريدونني أن أقبل العرش.



ليال: وما علاقة ابنيّ بذلك؟



آسر: يريدون أن أفهم أن رفضي لن يكون ثمنه موتي وحدي.



(تجلس ليال ببطء، والقائمة بين يديها.)



ليال: هل هددوك؟



آسر: أخبرني الرجل أنهم يعرفون أين تذهبين، ومتى يخرج الولدان من غرفتيهما، ومن يقف خلف الباب.



ليال: والحراس؟ ألا يستطيعون حمايتنا؟



(ينظر آسر إلى الباب.)



آسر: لا أعرف من منهم ما زال وفيًّا لنا.



ليال: لا تقل ذلك، هم رجال أقسموا الولاء لأبيك.



آسر: أبي مات، وجلال قتل ، والقسم لم يمنع أحدًا من قتله.



(تصمت ليال. تضع القائمة على المكتب، ثم تنظر إلى الجثة.)



ليال: وماذا فعلت بالرجل؟



آسر: لم أفعل شيئًا ... هو من رفع الكأس الذي زعم أنه مسموم، وشربه حتى آخر قطرة.



ليال: كان يعلم أنه سيموت؟

أراد أن يخيفك بما يستطيعون فعله.



آسر: بل أراد أن يقول إنهم لا يخافون الموت، وإنهم مستعدون للتضحية بأي رجل منهم حتى أصل إلى النتيجة التي يريدونها.



(تقترب ليال منه.)



ليال: وماذا ستفعل؟



آسر: لا أعرف.



ليال: هل ستقبل العرش؟



(يصمت آسر.)



آسر: لو قبلت، أصبحت شريكًا في لعبة بدأت بقتل أخي. ولو رفضت، فلن يتركونا وشأننا.



ليال: لا أريد أن أفقدك.



آسر: أنني لم أطلب شيئًا من كل هذا،أنا شاعر أردت فقط أن أحيا في سلام أقرأ.. أكتب، أعيش في هدوء معك ومع الولدين، وأن أظل بعيدًا عن صراعات القصر.



ليال: لكنهم لن يتركوك بعيدًا.



آسر: لا أعرف إن كنت أصلح لهذا الأمر.



(ينظر إليها طويلًا.)



آسر: أخشى أن أتحول إلى رجل لا أعرفه.



ليال: وأنا أخشى أن ترفضه، فيحكمنا رجال لا يخشون أن يتحولوا إلى أي شيء.



(يصمتان. يسمعان طرقًا متتابعًا على الباب.)



صوت من الخارج: مولاي! قائد الحرس يطلب الدخول.



(ينظر آسر إلى ليال، ثم إلى الباب.)



آسر: أدخلوه.



يدخل (مالك) قائد الحرس مسرعًا،ثيابه مغبرة وعلى جبينه جرح صغير، وهو ينحني لآسر، يلمح جثة الرجل



آسر: ماذا حدث؟



قائد الحرس( مالك) : أغلقت المداخل كما أمرت، لكنني اكتشفت أن أوامر إغلاقها لم تصل إلى جميع الحراس.



آسر: ماذا تعني؟



قائد الحرس: وجدت اثنين من رجالي عند الممر المؤدي إلى جناح الأسرة. قالا إنهما تلقيا أوامر بنقل الأميرة ليال والولدين إلى مكان أكثر أمنًا.



(تلتفت ليال إليه في فزع.)



ليال: نقلنا؟ إلى أين؟



قائد الحرس: لم يعرفا اسم المكان. كانت معهما عربة تنتظر في الساحة الخلفية.



آسر: ومن أصدر الأمر؟



قائد الحرس: حملوا أمرًا مختومًا بخاتم القصر.



(يتقدم آسر نحوه.)



آسر: أين الأمر؟



(يخرج مالك ورقة من ثيابه ويضعها على المكتب. يتفحصها آسر.)



آسر: هذا ختم أخي!



مالك : الختم صحيح، لكن الأمر لم يصدر اليوم. الورقة مؤرخة قبل وفاة الملك جلال بيومين.



(يصمت آسر، ثم يعيد النظر في الورقة.)



آسر: هل وقّع جلال هذا الأمر؟



مالك : لا أستطيع أن أجزم. لكن الرجلين أقسما أنهما تسلماه من مسؤول الديوان.

آسر : ماذا يحدث بالضبط؟

مالك : ثمة تحركات مريبة...

بعض الحراس غادروا مواقعهم، هناك رجال لا أعرفهم دخلوا القصر خلال الساعات الماضية. لا أستطيع أن أضمن لك أن الطريق إلى جناح الأسرة آمن.



(تتجه ليال إلى آسر، وقد ازداد قلقها.)



ليال: إنهم يريدون الوصول إلينا.



آسر: أو يريدون أن أعتقد أنهم يستطيعون الوصول إلينا في أي وقت.



مالك : مولاي، أطلب منك أن تسمح لي بنقل الأسرة إلى الحصن الشرقي، حيث لا يستطيع أحد الاقتراب منهم دون المرور برجالي.



آسر: وهل تستطيع ضمان سلامتهم هناك؟



(يتردد مالك لحظة.)



قائد الحرس: لو لزم الأمر سأضحى بحياتي من أجلهم.



(ينظر آسر إلى القائمة، ثم إلى الورقة المختومة.)



آسر: كم رجلًا بقي تحت إمرتك؟



قائد الحرس: لا يتجاوزون نصف القوة المخصصة لحراسة القصر.



آسر: والنصف الآخر؟



قائد الحرس: لا أعرف أين هم.



(يصمت آسر طويلًا. ثم يلتفت إلى ليال.)



آسر: خذي الولدين ولا تسمحي لأحد بالدخول إليكما.



ليال: وأنت؟



آسر: سأعرف من أصدر هذا الأمر، ومن يملك مفاتيح القصر.



ليال: لا تجعل غضبك يدفعك إلى قرار لا رجعة فيه.





(تتبادل معه نظرة طويلة، ثم تخرج. يتجه آسر إلى قائد الحرس.)



آسر: أريد أسماء كل من دخل القصر أو خرج منه منذ وفاة أخي. وأريد أن أعرف من كان مسؤولًا عن ختم الديوان.


إظلام




المشهد الثاني

الأشباح



المكان: مكتب الأمير آسر داخل القصر، بعد انصراف ليال ومالك.

المصباح ما زال مضاءً، والكأس إلى جوار القائمة، والجثة ممددة على الأرض.

من الخارج تتردد أصوات الحراس وخطواتهم المتوترة.



(يبقى آسر واقفًا أمام المكتب، يحاول أن يقرأ الأسماء مرة أخرى، لكنه يتوقف، كأن صوتًا قديمًا انبعث من بين الكلمات.)



صوت رائف: لماذا رفضت العرش؟



(يرفع آسر رأسه فجأة. يخفت ضوء المصباح، ويغمر المكتب ضوء شاحب. يظهر الملك رائف في عمق المكان، مرتديًا ثيابه الملكية، ويظهر جلال إلى جواره، مرتديًا تاجه وثيابه الملكية. يقفان كأنهما عادا من زمن بعيد.)



آسر: أبي!



رائف: لم تجبني يوم سألتك، فهل تجيبني الآن؟



آسر:أنا لم أفعل شيئًا.



رائف: هذه هي مشكلتك يا آسر. تظن أن الامتناع عن الفعل يعفيك من عواقبه.



آسر: كنت تريدني أن أجلس على العرش، وأنا لم أكن أريد ذلك.



رائف: كنت أريدك أن تتحمل مسؤوليتك.



آسر: لم أكن أريد أن أقضي عمري بين السيوف والمؤامرات ومظالم الناس. أردت أن اقرأ،... أكتب، وأن أعيش في عالمي الخاص.



(يتأمله رائف طويلًا، ثم يقترب منه.)



رائف: وُلدت في قلب السلطة، وفتحت عينيك على التاج، وكان العرش ينتظرك، ومع ذلك لم ترغب فيه.



آسر: لأنني لم أكن مثلكم.



رائف: (بشيء من المرارة) تقصد أنك شاعر.



(يصمت آسر لحظة، ثم ينفجر في وجه أبيه.)



آسر: (صارخًا) أنا لست ملكًا! أتسمعني؟ أنا لست ملكًا، ولن أكون!



(يرتد صدى صرخته في أرجاء المكتب. يتوقف جلال عن الحركة، بينما يظل رائف محدقًا في ابنه.)



آسر: أردتني أن أجلس مكانك، أحمل سيفك، أرتدي تاجك، وأن أصبح نسخة أخرى منك.

لم تسألني يومًا ماذا أريد.

كنت ترى فيّ وريثًا، ولم ترَ الشاعر الذي كان يختبئ داخلي.



رائف: ليس عيبا أن تكون شاعرًا، بل أن تظن أن بإمكانك أن تكون أميرًا بلا تبعات.



آسر: لم أطلب أن أكون أميرًا أصلًا!



رائف: لكنك وُلدت أميرًا ، والمرء لا يختار ما يولد به



(يتقدم جلال، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة، فيها شيء من المرارة.)



جلال: أما أنا، فقد أردت الملك، وسعيت إليه، وفرحت به حين صار لي. لم أخجل يومًا من رغبتي فيه. كنت أريد أن أحكم، وأن ينحني الناس أمام سلطاني، وأن يصبح اسمي اسمًا عظيما مجيدا لا يجرؤ أحد على تجاهله.



(يلتفت إلى آسر.)



جلال: كان التاج بين يديك، فتركته لي كأنك تتخلص من عبء لا يخصك.



آسر: لأنني لم أكن أريده!... حين تنازلت لك.

أتذكر؟

لقد احتضنتك وقلت لك أنا الآن أصبحت حرًّا، وإنني سأستطيع أخيرًا أن أعيش كما أريد.



جلال: نعم، وأنا رأيت الطريق مفتوحًا أمامي.

آسر: إذن، لماذا تلومني الآن؟



جلال: كنت أريدك أن تقف إلى جواري حين أصبح الحكم واقعًا.

آسر: كنت أظن أنك سعيد.

جلال: كنت سعيدًا بأنني أصبحت ملكًا. كنت أرى التاج فوق رأسي، وأرى الناس تنحني لي، وأشعر أنني وصلت إلى المكان الذي حلمت به. لكنني لم أكن غبيًّا إلى الحد الذي يجعلني أظن أن الجميع يحبونني.



(يتحرك جلال في أرجاء المكتب، متأملًا الكتب والأوراق.)



جلال: كلما أصدرت أمرًا، وجدت من ينفذه طمعًا في رضاي، ومن يعترض انتظارًا لسقوطي، ومن يبتسم لي لأنه يريد شيئًا مني. الوزراء يتنافسون على القرب، والقادة يريدون مزيدًا من النفوذ، وأصحاب المصالح لا يشبعون ، كنت أريد أن أكون أقوى منهم جميعًا، ولكن المؤامرات كانت أكبر بكثير من طموح ملك شاب.



آسر: في وقت المؤامرة، لماذا لم تستدعيني و تطلب معونتي صراحة

جلال: وهل كنت ستترك كتبك من أجلي؟



(يصمت آسر.)



جلال: كنت أتمنى أن تفهم أنني ما زلت أخاك.



آسر: لم أكن أريد أن أتدخل في حكمك، ولا أن أفرض عليك رأيي.



(يسود الصمت. ينظر آسر إلى جلال طويلًا.)



آسر: هل ندمت على الملك؟



جلال: لا....

... كنت أريد الملك، وحين تحقق، شعرت أنني حققت ما عشت من أجله، لكنني ندمت على أشياء فعلتها وأنا أحاول الاحتفاظ به، وعلى رجال منحتهم ثقتي، ولم أتخيل أن نهايتي ستكون على أيديهم.



آسر: قتلوك يا أخي.



جلال: نعم.



آسر: قتلوا الملك.



جلال: نعم.



آسر: والآن يريدون مني أن أجلس مكانك!



جلال: لأنهم يعرفون أنك لست مثلي.

هم، يريدون ملكًا لا يطمع في الملك، لكنه يملك ما يكفي من الاسم والمكانة ليمنحهم شرعية حكمهم.



(يتراجع آسر خطوتين، ثم يلتفت إلى رائف.)



آسر: وأنت أيضا يا أبي؟

ترى أنني خذلتك ،لأنني رفضت من البداية ولاية العهد؟



رائف: لا تتعامل مع اختيارك القديم كأنه صك براءة أبدي.

كنت حرًّا في أن ترفض العرش، لكنك لست حرًّا في أن تتجاهل ما يحدث الآن.



(يصمت آسر، ثم يضرب بيده على المكتب.)



آسر: أنا لست ملكًا!

لماذا لا تفهمان؟

لست ملكًا، ولا أريد أن أكون ملكًا!

لا أريد أن أستيقظ كل صباح وأنا أتساءل أيّ من رجالي سيخونني، وأيّ من أقاربي ينتظر موتي، وأيّ من الذين ينحنون أمامي يحمل خنجرًا في قلبه.

أريد أن أكون إنسانًا لا يخاف ممن حوله!



(يقترب رائف منه، وصوته ساخر .)



رائف: تريد أن تكون شاعرا فقط.



آسر: الشاعر ليس أقل قيمة من الملك؟



(رائف يضحك)



(يتقدم جلال، وقد اختفت ابتسامته.)



جلال: أتظن أن الأمر سينتهي حين تقول لهم إنك لا تريد العرش؟



(ينظر آسر إلى القائمة فوق المكتب.)



آسر: سأحمي أسرتي.



جلال: وبعدها؟



آسر: سأعرف ... من قتلك.



جلال: وبعدها؟



آسر: سأحاسبهم.



جلال: وبأي سلطة؟



(تخرج صرخة آسر حادة، فيرتجف ضوء المصباح. يتراجع الشبحان قليلًا)

آسر: لا أعرف ماذا تريدون مني!

أبي أرادني ملكًا، وأنت تحملني ذنب قتلك ، والقتلة يريدون أن يجعلوني واجهة لجرائمهم.

كل واحد منكم يطلب مني شيئًا.



(يصمت الشبحان. يقترب جلال منه، وقد هدأت نبرته.)



جلال:

أنا فقط كنت أحتاج إليك.



آسر:

أتظن أنني لا أتذكر وجهك حين احتضنتني؟

في آخر لقاء معك؟

. يا أخي لم أكن أعرف أنها ستنتهي هكذا.



(يبدأ ضوء جلال في الخفوت.)



آسر: جلال! انتظر!



(يمد آسر يده نحوه، لكن جلال يتلاشى ببطء. يبقى رائف وحده.)



آسر: أبي، لا تتركني أنت أيضًا.



قل لي ماذا أفعل!



( يقول رائف بصوت يختلط فيه العتاب بالحزن.)



رائف: أنت الآن أمام أمر لا تحسمه القصائد.



(يتلاشى رائف، ويعود ضوء المصباح إلى حاله. يجد آسر نفسه وحيدًا أمام المكتب.)

(يمسك بالقائمة، يطويها ببطء، ثم يضعها في جيبه يسمع من الخارج وقع أقدام مسرعة وصوت مالك يأمر الحراس بالانتشار.



إظلام.




المشهد الثالث

التتويج



المكان: قاعة التتويج في العاصمة.

منصة مرتفعة يتوسطها العرش، وعلى جانبيها رجال الدولة وقادة الجيش.



(يدخل آسر بملابس التتويج. يتقدم كبير حكماء رجال الدولة حاملًا التاج.

يقف آسر أمام العرش دون أن يجلس.)



كبير الحكماء : مولاي، تنتظر البلاد أن تتولى سموكم الحكم.



آسر: وهل تنتظر البلاد ملكًا، أم رجلًا يضعونه على العرش ليحمل عنهم خطاياهم؟



(يتبادل رجال الدولة النظرات.)



كبير الحكماء : البلاد لا تحتمل فراغًا في الحكم. القبائل تتنازع، والجيش ينتظر أوامرك، والناس يريدون أن يعرفوا من يحكمهم.



آسر: وهل عرفتم من الذي قتل الملك جلال؟



(يصمت الجميع.)



آسر: يبدو أنكم تعرفون فقط ،أن تطلبوا مني الحكم، ولكنكم لا تعرفون كيف تجيبوني عن مقتل أخي.



كبير الحكماء : اجلس على العرش، ثم افتح التحقيق.



آسر: وماذا لو اكتشفت أن بعض الجالسين هنا يعرفون أكثر مما يقولون؟



(يتوتر الحاضرون.)



كبير الحكماء : عندئذ حاسبهم، بصفتك الحاكم.



(ينظر آسر إلى التاج. يظهر طيف جلال خلف العرش، مرتديًا ثياب الملك، وعلى وجهه أثر الموت. لا يراه أحد سواه.)

(يظل آسر ساكنًا لحظة، ثم يشير بيده إلى التاج.)



آسر: ضعوه.



(يضع كبار رجال الدولة التاج على رأسه. تتعالى الهتافات.)

عاش الملك آسر،عاش الملك.

(يجلس آسر على العرش، ويرفع يده تحية لهم)



إظلام.









المشهد الرابع

أخت الملك



المكان: قاعة الحكم

بعد أسابيع.

كرسي العرش، منضدة ملكية كبيرة)

خريطة كبيرة للبلاد معلقة على الجدار)

وأمام آسر تقارير عن اضطرابات في المدن.

مالك: قبائل الشرق طردت الولاة، ورفضت دفع الضرائب، وقتل رسلنا.



آسر: من قتلهم؟



مالك: رجال يرفعون راية الملك جلال.



آسر: راية أخي ليست دليلًا على أن القاتل يحبه. ابحث عن الفاعلين.



(يدخل حاجب يحمل رسالة مختومة.)



الحاجب: رسول من الأميرة ناردين، مولاي.



(يفتح آسر الرسالة ويقرأ.)



آسر:

تقول أنها لا تعترف بي ملكا... تطالبني بالقبض على قتلة جلال وتسليمهم لها... أختي ترفض اعطائي البيعة قبل الثأر لجلال.



مالك: إنها تجمع أنصارًا في الشمال. وكثيرون يرون أن مطالبتها بدم أخيها حق مشروع.



آسر:أليس أخي أيضا؟ .... المطالبة بالحق لا تمنح أحدًا حق الاستيلاء على الحكم.



(يلتفت إلى الرسول.)



آسر: أبلغها أن التحقيق مستمر في مقتل جلال وأن المتهمين سيُحاكمون أمام القضاء.



الرسول: والأميرة تنتظر جوابًا عن العرش.



آسر: هل أتنازل عن الحكم كي لا تغضب أختي؟

هيا انصرف قبل أن أقطع رأسك.

(يهرول الرسول خارجا)

مالك: إنها تستند إلى غضب الناس من مقتل الملك السابق.



آسر: إذن لا تمنحوها سببًا جديدًا لغضبهم. أرسلوا المؤن إلى المدن المتضررة، وأعيدوا فتح الطرق.



مالك: مخزون العاصمة لن يكفي طويلًا إذا استمرت الاضطرابات.



آسر: لن أجعل الناس يجوعون حتى يبقى مخزن القصر ممتلئًا.



(يخرج مالك لتنفيذ الأمر. يدخل حاجب آخر مسرعًا.)



الحاجب: مولاي، أُحرقت مخازن الحبوب في الجنوب، وقُتل عدد من الحراس.



(يأخذ آسر التقرير ويقرأه.)



آسر: أرسلوا قوة لحماية القرى، لا للانتقام. أريد أن أعرف من أحرق المخازن قبل أن نضرب أحدًا.





إظلام.




المشهد الخامس

المتمردون



المكان: قاعة الحكم.

بعد أيام.

يدخل مالك ومعه ضابط يحمل تقريرًا.



مالك: سقطت المدينة الشرقية. قُتلت الحامية، وفُتحت السجون، واستولى المتمردون على مخازن السلاح.

عائلات كثيرة محاصرة.



آسر: جهزوا قوة.



مالك: الطريق محصن، وقد نخسر رجالًا كثيرين.



آسر: لن نتركهم حتى يموتوا جوعًا.



(ينحني الضابط ويخرج.)



مالك: قبضنا على قادتهم

اعترف أحدهم بأن رجاله كانوا يتلقون أوامر من أشخاص يعملون باسم الأميرة ناردين.



آسر: هل ثبت تورطها؟



مالك: ليس بعد.



آسر: إذن لا تذكر اسمها في الاتهام قبل أن تثبت الأدلة ذلك.



(يدخل رسول جريح، يسنده أحد الحراس.)



الرسول: مولاي... قتلوا الأسرى... أعدموا مئتي أسير في ساحة المدينة، بينهم جنود ألقوا أسلحتهم ومدنيون اعتقلوهم من بيوتهم.



(ينهض آسر ببطء.)



(يصمت آسر، ثم يلتفت إلى مالك.)



آسر: استعدوا لاستعادة المدينة.



مالك: هل تسمح لي باستخدام القوة كاملة؟



آسر: احموا من لا يحمل السلاح. ومن يستسلم لا يُقتل.



مالك: سأبلغ القادة.



(يخرج مالك والرسول. يبقى آسر وحده، ثم يلتقط ورقة ويبدأ في كتابة شيء، لكنه يتوقف.)



آسر: كنت أكتب بيتًا من الشعر، فأقلق إن جرحت كلماتي قلبًا. والآن أوقّع أمرًا قد يموت فيه عشرات الرجال.



(يظهر طيف الملك رائف.)



رائف: الرحمة لا تعني أن تترك الضعيف لمَن هو أقوى منه؟



آسر: لا. لكنني أخشى أن أعتاد ما أفعله.



رائف: راقب ما تسمح لنفسك به، لا ما يقوله الناس عنك.



(يختفي الطيف. يعود مالك.)



مالك: صدرت أوامر التحرك.



آسر: فلترافق الجيش لجنة تسجل أسماء القتلى، وتتحقق من معاملة الأسرى.



مالك: في أثناء المعركة؟



آسر: خصوصًا في أثناء المعركة.



يخرج مالك. يسمع آسر أصوات الجنود في الخارج



إظلام.









المشهد السادس

الحساب



المكان: قاعة الحكم

يقف آسر أمام خريطة البلاد، وقد انقسمت بينه وبين ناردين وعاصم.

يدخل مالك.



مالك: قُبض على الأميرة ناردين، وثبت أن قواتها قتلت المدنيين وجوّعت القرى بأوامر منها.



وقُبض على الأمير عاصم، وثبت أنه أمر بقتل آلاف الأسرى بعد استسلامهم.



آسر: هل أدانتهما المحاكمة؟



مالك: نعم، تمت إدانتهما.



آسر: أدخلوهما عليّ.



(يدخل الحارسان بناردين، ثم يبتعدان بإشارة من آسر. يقف الأخوان متقابلين في صمت.)



آسر: أردت أن أراك قبل أن ينتهي كل شيء.



ناردين: وهل تذكرت أخيرًا أننا أخوان؟



آسر: لم أنسَ ذلك يومًا.



ناردين: ولكنك نسيت جلال!



الذي قُتل، وأنت جلست على عرشه، وتركت قاتليه بين رجالك.



آسر: هل يعطيك ذلك الحق في قتل الأبرياء؟!



ناردين: كانوا يساندونك!



آسر: أحرقتِ بيوتهم، وأخذتِ طعامهم، وقتلتِ من خالفك.

أكان هؤلاء هم قتلة جلال؟



ناردين: كنت أريد أن أخيفهم، وأن أجمع البلاد تحت يدي، ثم آخذ بثأره.



آسر: الثأر عندك صار عرشًا، وباتت دماء الناس وسيلة إليه.

ناردين: إذن ستتركني أموت؟ مثلما تركت جلال؟

كنت شاعرًا. كنت تكره هذا العرش، وتخشى أن يغيّرك، ،فماذا بقي من ذلك الشاعر؟

(يصمت آسر، تغلبه دموعه، فيشيح بوجهه لحظة.)

آسر: أدانتك المحكمة بجرائمك.

ناردين : وأنت من يحاسبك على جرائمك؟

آسر :هناك فرق كبير جدًا بيني وبينك.

أنا لم أنسَ جلال، ولكن دمه لم يجعلني أضحّي بالمملكة واستقرارها.

الحاكم الحق لا يفكر في نفسه وثأره فقط، بل يفكر في وطن وشعب بأكمله. أما أنت، فلم يسيطر عليك سوى شهوة الانتقام والثأر.

رفضتِ حكمي، مع أن حقي في الملك سابق أصلًا على حق جلال.

ناردين: للملك سلطة إلغاء أي حكم قضائي.

آسر: بأي حق؟

هل ستتركني؟و أنا الأميرة أخت الملك، ابنة الملك!

آسر: الآن اعترفتِ بي ملكًا.



(تقترب منه وتلمس يده. يقبض على يدها للحظة، ثم يتركها برفق.)



آسر: سامحك الله يا ناردين.



(يشير إلى الحارسين. يقتربان منها.)



(يلتفت إليها. تنظر إليه طويلًا، كأنها تريد أن تحفظ وجهه.)



(تخرج ناردين. يبقى آسر واقفًا، مطأطئ الرأس.)



(يدخل عاصم مكبل اليدين، لكنه يسير مرفوع الرأس.)



عاصم: أرسلت في طلبي لتشمت بانتصارك؟



آسر: لماذا قتلت الأسرى؟



عاصم: لأنني الأحق بالحكم. أنت جلست على العرش، وأنا أملك القوة والخبرة والرجال. كان يجب أن تكون البلاد تحت رايتي.



آسر: فقتلت آلاف الجنود الذين استسلموا لك؟



عاصم: لو أطلقت سراحهم، لعادوا إلى جيشك وقاتلوني.

لا تحدثني عن الدماء! أتحسب نفسك ما زلت الأمير الشاعر؟ أنت ملك، ويداك ليستا نظيفتين. بل إنهم يلقبونك بالسفاح!

كيف تحولت يا ابن عمي هكذا؟

كيف نسيت قصائدك عن الحب والجمال والحياة؟ كيف غرقت، في تلك القصيدة الثقيلة بالقتل والموت والدماء؟

هل نسيت أنني

أكبر منك، والنظام قائم على تولّي الأكبر من الأعمام أو الإخوة.

آسر: ولماذا لم تطالب بتطبيق هذا النظام في عهد جلال؟



عاصم: كيف وقد غير أباك الملك رائف الدستور خصيصًا من أجل جلال؟



آسر: أنت تناقض نفسك يا عاصم.

تتصارع على الحكم، وأنت أصلًا لا تستطيع أن تحكم نفسك!

قلت إنني شاعر، وقلت أنني سفاح

ولكنك أنت أي ملك ستكون، وأنت أحمق ،غيور، حقود، كنود، حسود ؟

ما هي مؤهلاتك التي تجعلك أهلًا للتحكم في مصير شعب؟

صدقني، لو كنت صالحًا للحكم، لتنازلت لك عنه، ولأرحت نفسي من عبء كبير. فالأمر ليس مغنمًا..



عاصم: هذه فرصتك كي تتخلص مني.



آسر: المحكمة هي التي أدانتك بقتل الأسرى، وأصدرت حكمها في قضيتك.



عاصم: أتخشى أن تقتلني، أم تخشى أن تعفو عني؟



آسر: أخشى أن أسمح لنفسي بأن أعتبر دماء الناس أقل شأنًا من استقرار عرشي.



عاصم: إذا عفوت عني، سأكون مساعدك وسندك الأول في المملكة.



آسر: هل كنت ستعفو عني لو كنت أنا مكانك.؟



(يصمت عاصم.)



عاصم: ستبقى وحدك فوق العرش.



آسر: أفضل أن أبقى وحدي على أن يجلس معي قتلة لا يرون في الناس إلا عوائق أمام طموحاتهم.



(يشير إلى الحراس.)

(يخرج عاصم مع الحراس، وهو يصيح)

عاصم: لا تظن أنك انتصرت؟



(يظهر شبح الملك رائف، في عمق القاعة.)



رائف: أستقتل أختك وابن عمك؟



آسر: هذا هو العدل.



رائف: دعهما يعيشان، تحفّظ عليهما، احبسهما ، ولكن لا تقتلهما.



آسر: وأترك أمهات القتلى بلا قصاص ؟



رائف: أنت الملك.

آسر: وتلك هي محنتي.



(يتلاشى الشبح. يدخل مالك.)



مالك: مولاي، ينتظر الجميع قرارك.

أدانت المحكمة كليهما، لكن القرار النهائي بشأن تنفيذ العقوبة لم يُعلن بعد.



(ينهض آسر. تبدو عليه علامات الإنهاك، لكنه يستعيد هيبته.)

آسر: أُدينت ناردين بجرائمها بحق المدنيين، وأُدين عاصم بقتل الأسرى.

لم يُحاكما لأنهما نافساني على العرش، بل لأنهما اعتديا على أرواح الناس وحقوقهم.



مالك: وبماذا تأمر؟



(يصمت آسر لحظة طويلة.)



آسر: تنفيذ حكم الإعدام في كليهما.



(يتردد مالك.)



مالك: أأعلن أن هذا قرارك؟



آسر: نعم. لا أريد أن يتحمل القضاة وحدهم عبء قرار تتعلق به مسؤولية الحكم.

لقد أثبتوا الجرائم وأصدروا الأحكام، وأنا أتخذ قراري النهائي وأتحمل مسؤوليته أمام الله والناس.



مالك: حتى أخت سموك الأميرة ناردين؟



(تنكسر ملامح آسر لحظة.)



آسر: حتى أختي.



(تدخل ليال، وقد بلغها ما يجري.)



ليال: آسر، إنها أختك،يمكنك إيقاف التنفيذ.



آسر: لا أستطيع.



ليال: أخشى أن تفقد نفسك.

يضع آسر وجهه بين كفيه، ثم يرفع رأسه، كأنه حسم صراعه الداخلي.

آسر: وأنا أخشى أن أترك الدماء بلا حساب.

يلتفت آسر إلى مالك.

آسر: نفّذوا القرار، بلا احتفال ولا شماتة.

لا احتفالات على موت أختي، ولا شماتة في موت عاصم.

افتحوا أبواب السجون لمن لم تثبت إدانتهم، وأعيدوا حقوق المدنيين، وعوّضوا أسر الضحايا.



(يتقدم خطوة، وتعلو نبرته.)



آسر: من اليوم، لن تحمي أحدًا قرابته مني، أنا ملك هذه البلاد، لكنني لست مالك أرواح أهلها.

والحكم الذي أطبقه على غيري أقبله على نفسي.


إظلام تام.



المشهد السابع

الندم



المكان: جناح آسر الخاص في القصر.

يجلس آسر وحده، وقد خلع تاجه ووضعه على الطاولة.

يدخل مالك، مترددًا في الاقتراب.



مالك: نُفِّذ الحكمان يا مولاي.



يرفع آسر رأسه ببطء.



آسر: كلاهما؟



مالك: أختك وابن عمك.



يصمت آسر طويلًا، ثم يمد يده نحو التاج، لكنه لا يرفعه.



آسر: كنت أعرف أن الحكم سيُنفَّذ. كنت أعرف ذلك منذ نطقت به. فلماذا أشعر الآن كأنني أسمعه للمرة الأولى؟



مالك: لأنك كنت تتحدث يومها بلسان الحاكم، أما الآن فتسمعه بقلب الأخ وابن العم.



آسر: وهل ينفصل الاثنان حقًّا يا مالك؟

هل أستطيع أن أكون ملكا عادلًا فأقتل أختي، ثم أعود إلى نفسي فأكون أخًا؟



يدخل أحد الحراس، معلنًا قدوم زوجة آسر وابنيه. يأذن لهم بالدخول.



تقترب زوجته منه، بينما يقف الابنان أمام أبيهما.



الزوجة: أتذكر حين كنت تكتب لي القصائد؟



آسر: أتذكر كل قصيدة كتبتها فيكِ.



الزوجة: كنت أقرأها فأشعر أنني المرأة الوحيدة في العالم. كنت أحب الشاعر الذي يكتب لي، وأحلم أن أقضي عمري معه.



آسر: وها أنا ذا أمامكِ.



الزوجة: لا... أنت أمامي، لكنني لا أعرف أين ذهب ذلك الرجل. صرت ملكًا، وصارت يداك ملطختين بالدماء. كلما نظرت إليك، رأيت الرجل الذي أحببته، ورأيت إلى جواره رجلًا آخر لا أعرفه.



آسر: ربما ترينني الآن غير جدير بحبك.



الزوجة: لقد كنت أحلم لك بمكانة تليق بك، وها أنت بلغت قمة المجد. لكنني لا أعرف إن كنت ما زلت أستطيع أن أحبك كما كنت.



آسر: ألا يعجبك الملك؟



الزوجة: أنا فخورة بقوتك، لكنني أخاف منها.

أخاف أن يأتي يوم أحتاج فيه إلى الرجل الذي كان يسمعني، فلا أجد إلا ملكًا ينتظر من الجميع الطاعة.

لا أريد أن أخدع نفسي. كنت أعرف قلبك حين كنت شاعرًا، أما الآن فلا أعرف ماذا فعل به العرش.



يصمت آسر، وينظر إلى يديه.



آسر: أحيانًا، حين أغسل يدي، أشعر أن الدم ما زال عالقًا بهما.



تقترب منه، ثم تتوقف قبل أن تلمسه.



الزوجة: أريد أن أضمك، كما كنت أفعل حين تعود منكسِرًا ، لكنني هذه المرة لا أعرف إن كنت سأضم الرجل الذي أحببته، أم الملك الذي يخافه الناس.



تنظر إلى التاج فوق الطاولة.



الزوجة: إنني لا أستطيع أن أكره هذا التاج... . لكنني أخشى أن يكون الثمن أكبر مما نستطيع احتماله.



تمد يدها نحوه، ثم تسحبها. يظل آسر جالسًا، بينه وبينها التاج.

يدخل ابنا آسر، راشد وسليم.

راشد : أبي، هل أنت أعدمت عمتي حقًّا؟

ينحني آسر قليلًا نحوه، ثم يتوقف قبل أن يلمسه.



آسر: هذا حكم المحكمة.



راشد: كان يمكنك يا أبي أن تعفو عنها؟

ألست ملك هذه البلاد؟!

تتدخل الأم، محاولةً إسكاته، لكن آسر يشير إليها أن تتركه يتكلم.



آسر: كنت أستطيع أن أعفو عنها كأخ، لكنني لم أستطع أن أعفو عنها كملك.



سليم : وهل أنت حزين لأنها ماتت؟



آسر: أكثر مما تتصور.



يصمت آسر لبرهة ثم يرفع عينيه إلى زوجته.



آسر: خذيهما إلى جناحهما.



تخرج الزوجة مع الابنين.



إظلام.



المشهد الثامن

مونولوج : أنا لست ملكًا

المكان: جناح آسر الخاص في القصر،



يجلس آسر أمام التاج الموضوع فوق الطاولة. يبدو شاردًا.

ينهض فجأة، ويبدأ في السير بخطوات مضطربة.



آسر:



ألا تريَّثتَ يا زمن؟!



ألا تستحي من رداءة القدر؟!



ماذا تريد بعد؟



أخذتَ أبي... ثم أخي... ثم أختي!



وها أنت ذا تجلس معي على العرش، وتطالبني بالمزيد!



يضحك بمرارة، ثم يدفع التاج بعيدًا.



ثقيلٌ... ثقيلٌ...



هذا العرشُ رذيل!



ضياعٌ، وآمالٌ تبتعد...



ودماءٌ على كفّي لا تجفّ!



ينظر إلى يديه، ويفركهما بعنف.



أغسلهما بالماء...



فتعود الدماء!



أغسلهما بالنسيان...



فتعود الوجوه!



أين أهرب من أختي؟



من أخي؟



من أبي الذي علّمني أن الملك لا يركع...



ولم يعلّمني كيف ينام الملك حين يقتل أحبّاءه!



يصمت طويلًا، ثم يتجه إلى النافذة، وينظر إلى ظلام الليل.



مغارةُ الكلام...



والراحلون في سوق العدم...



وحيدٌ...



ولا يعرف إلا الندم!



يلتفت إلى التاج.



أهذا ما أردتُه؟



أن أملك البلاد، وأفقد نفسي؟



أن يخافني الناس، وأخاف صورتي في المرآة؟



أن أنام على سريرٍ من حرير...



وأصحو على تابوت؟!



يضرب بقبضته على الطاولة.



ألا تريَّثتَ يا زمن؟!



أم أنك لا تعرف الرحمة؟



أم أنك غضبةٌ عمياءُ ضارية؟



أم لعنةٌ تسكن هذا التاج منذ الأزل؟!



يتراجع خطوتين، ثم يجلس. يتغير صوته، ويغدو أكثر هدوءًا ووجعًا.



كنتُ شاعرًا...



وكان لي قلبٌ...



وكانت لي امرأةٌ أحببتني قبل أن أصبح ملكًا.



كانت تسمع كلماتي، لا أوامري...



وترى في وجهي رجلًا، لا عرشًا يمشي على قدمين!



والآن...



ربما تعجب بملكي...



لكن هل تستطيع أن تحبّ السفّاح الذي يسكنني؟!



ينهض فجأة، ويقترب من التاج. يحمله بكلتا يديه، ثم يضعه فوق رأسه للحظات، كأنه يختبر ثقله. سرعان ما ينزعه بعنف.



لا!



لا أريد أن أسمع كلمة مولاي!



أريد أن يناديني أحد باسمي...



آسر!



آسر الذي كان يحلم...



آسر الذي كان يكتب...



آسر الذي لم يكن يحتاج إلى أن يقتل كي يثبت أنه حيّ!



يهبط إلى مقعده، ويخفي وجهه بين كفّيه. يسود الصمت لحظات، ثم يرفع رأسه ببطء.



غدٌ سيأتي...



ربما...



لكن بأيّ وجهٍ أستقبله؟



وجوهُ الذين أحببتهم غابت...



وكلما مددتُ كفّي إلى الحياة...



عاد خريفٌ يحتضر!



ينهض، ويحمل التاج، ثم يتوقف قبل أن يضعه على رأسه. يلتفت نحو الجمهور، ويبدو في عينيه صراع لم يُحسم.



قولوا لي...



هل يملك الملكُ حقًّا أن يحكم البلاد؟



أم أن البلادَ هي التي تحكمه؟



وهل بقي في هذا العالم مكانٌ لرجلٍ مثلي...

لا يستطيع أن يعيد قتلاه؟!



يصمت. ينظر إلى التاج طويلًا، ثم يضعه فوق الطاولة، دون أن يدير ظهره إليه.



أنا لست ملكًا...



أنا رجلٌ أضاع نفسه في الطريق إلى العرش.



إظلام تدريجي. يبقى ضوء خافت مسلطًا على التاج. يُسمع من بعيد صوت ساعة تدق، ثم ينقطع الصوت فجأة.

إظلام



المشهد التاسع

المواجهة



المكان: القاعة الملكية.

يقف آسر أمام الطاولة، وإلى جواره مالك، بينما يقف كبير الحكماء على مسافة منهما.

يدخل الحراس مقتادين ثلاثة رجال ذوي هيبة وملابس فاخرة، ويقفون أمام آسر.



آسر: أخيرًا التقينا وجهًا لوجه.



الرجل الأول: أتدري من نحن؟

آسر: أنتم أخطر أعداء الدولة! أخيرًا وقعتُم في قبضتي.

أنتم من تحرّكون الأحداث من خلف الستار، وتديرون كل شيء دون أن يراكم أحد!

الرجل الثاني (بحدة): نحن الذين صنعناك! نحن الذين أوصلناك إلى الحكم!



(يتبادل آسر ومالك نظرة خاطفة، ثم يعود آسر ببصره إلى الرجال.)



آسر: أخيرًا اعترفتم.



الرجل الثالث: وهذا ما يدعوك إلى شكرنا، لا إلى القبض علينا!



آسر: أشكركم لأنكم أوصلتموني إلى العرش، ثم أترككم تحكمون البلاد من خلفه؟



الرجل الأول: نحن زعماء قبائل كبرى ، لم تكن تستطيع أن تجلس مكانك لولا اتفاقنا.



آسر: أنا ابن الملك رائف، والوريث الشرعي للحكم حتى من قبل أن يجلس أخي جلال على العرش.



الرجل الثاني: كنا ننتظر منك الوفاء. أنت مدين لنا بعرشك.



آسر: أنا مدين للبلاد بأن أحميها، لا بأن أضعها تحت سيطرتكم.



الرجل الثالث: أتظن أن اعتقالنا ينهي الأمر؟ وراءنا آلاف الرجال ، هل تستطيع مواجهة الجميع؟



آسر: لن أسمح لكم باستخدام دماء الناس كوسيلةً لابتزازي.



الرجل الأول: تذكّر الرسول الذي مات مسمومًا في قصرك.



(يتغير وجه آسر، ويلتزم الصمت لحظة.)



آسر: كان رسولكم.



الرجل الأول: وقد تلحق به إن أصررت على عنادك.



الرجل الثاني: من يجلس على العرش لا يملك دائمًا قراره.



الرجل الثالث: ما زال أمامك وقت لتراجع نفسك. أطلق سراحنا، ولن ننسى أنك اخترت الحكمة بدلًا من العناد.



آسر: أتحسبون أن التهديد بالموت سيجعلني أرتجف أمامكم؟



الرجل الأول: لولا موت أخيك جلال، لما وصلت إلى الحكم!



(تشتد ملامح آسر، وتتصلب قبضته، لكنه يحافظ على هدوئه.)



آسر: قتلتموه لتبلغوا غايتكم، ثم ظننتم أنني سأقبل أن أكون شريكًا لكم في الجريمة.



الرجل الثاني: احذر يا آسر. لا تجعل وفاءك لأخيك يدمّر ملكك.



آسر: أنا لا أدافع عن أخي وحده، بل عن حق البلاد في ألا يحكمها قتلة من وراء الستار.



الرجل الثالث: ستشعل حربًا مع قبائلنا!



آسر: لن أحتفظ بعرشي ثمنًا للصمت عن دم أخي.

آسر: ثمة أمر ما يحيرني كثيرا....

أنتم قتلتم جلال بحجة أنه ضعيف،

فلماذا تآمرتم عليَّ بعد ذلك ، وأنتم كما تزعمون الذين جئتم بي إلى الحكم؟

أندمتم بعد أن توليت الحكم ،ورأيتم بعدها أنني أيضا ضعيف لا أستحق العرش؟

.

الرجل الثاني: بل قتلنا جلال لأنه كان أضعف من أن يتولى الحكم فعلا ... أما أنت، فقد تبيّن أنك أقوى مما ينبغي....أقوى بكثير مما كنا نظن.



آسر في هدوء : اقتادوا الرجال إلى محبسهم، يتم إعدامهم صباحًا، بتهمة قتل الملك جلال والتآمر على الدولة.



الرجل الأول: ستندم! لن تنسى القبائل ما فعلته بنا.

الرجل الثالث: ستكتشف يومًا أنك لم تكن تعرف من يحكم هذه البلاد!

آسر: لقد اكتشفت ذلك بالفعل، ولهذا أقف أمامكم الآن.



(يشير آسر إلى الحراس، فيقتادون الرجال الثلاثة إلى الخارج. يظل واقفًا حتى يُغلق الباب خلفهم، ثم يلتفت إلى مالك.)



مالك (بحذر): مولاي، أخشى أن يكون قرار إعدامهم بداية مواجهة مع قبائل كبرى.

كبير الحكماء :

صدور الحكم عنك مباشرة، من دون محاكمة مستقلة، قد يفتح بابًا لا يسهل إغلاقه.

آسر: لن أجعل الخوف منهم يعيد البلاد إلى أيديهم. لقد قتلوا أخي، وحركوا الفتنة، ويريدون اليوم فرض إرادتهم على العرش.



(يصمت لحظة، ثم يتجه إلى الطاولة ويمد يده إلى السيف الموضوع بجوار التاج.)



آسر: سأنفذ حكم الإعدام بنفسي، بهذا السيف، أمام الناس في الميدان العام. أريد أن يعرف الجميع أن عهد الحكم من وراء الستار قد انتهى.



(يتردد كبير الحكماء قبل أن يتكلم.)



كبير الحكماء : أرجو ألا يُفهم كلامي على أنه اعتراض على سلطتك يا مولاي، لكنني أخشى أن يراك الناس خصمًا وحكمًا وجلادًا في وقت واحد.



(ينظر إليه آسر بحدة. يطأطئ كبير الحكماء رأسه قليلًا، لكنه لا يتراجع عن قلقه.)



كبير الحكماء (باحترام): يا مولاي العدل لا يقلل من هيبة الملك، بل يزيدها....ولكني أخشى أن يؤدي تنفيذ الحكم بهذه الصورة إلى اضطراب البلاد، حتى لو كان المتهمون يستحقون العقاب.



آسر: أتظن أنني لم أحسب حساب ذلك؟

كبير الحكماء: لا أجرؤ على افتراض ذلك يا مولاي. لكنني أرى أن خطرهم لا ينتهي بموتهم، وأن علينا أن نضمن استقرار البلاد بعدهم.



آسر: لهذا لم أترك الأمر للمصادفة.



(يتبادل مالك والحكيم نظرة قلقة، ثم يقتربان منه بحذر.)

آسر: لقد اجتمعت بحكماء القبائل وبالرجال الذين سيكون لهم تأثير في اختيار خلفائهم، اتفقت معهم على من يتولى القيادة بعد كل زعيم، وضمنت ألا تنتقل السلطة إلى رجال لا يرون في الحكم إلا وسيلة للثأر. ومنحت القبائل نصيبًا في إدارة شؤونها، وفتحت لها أبواب التجارة التي أغلقتها الحروب.



مالك ينظر إليه في دهشة



آسر: كنت فقط أنتظر الوقت المناسب، و لم أترك فراغًا يتقاتلون عليه. حُسمت الأسماء، ووُضعت شروط الاتفاق. من يحفظ عهده يحتفظ بمكانه، ومن ينقضه يخسر ما ناله.



كبير الحكماء: لكن يا مولاي، قد تتراجع القبائل عن اتفاقها حين ترى زعماءها يُعدمون.



آسر: لهذا لم أعتمد على الزعماء وحدهم. ضمنت مصالح رجال القبائل أيضًا. لن يجدوا في موت هؤلاء الثلاثة ما يدفعهم إلى الحرب، بل سيجدون ما يخسرونه إن أشعلوها.



مالك: وماذا عن أتباع ناردين وعاصم؟



آسر: فتحت باب العودة أمام من لم تتلوث أيديهم بدماء الأبرياء، بشروط واضحة. أما من قتل أو أمر بالقتل، فلن تحميه عودته ولا ولاءاته القديمة، أنا

لم أطلب العرش لأجلس فوق الفوضى، بل لأنهيها.



(ينحني مالك برأسه، وقد اختلط إعجابه بقلقه.)



مالك: لقد أسأت تقدير ما يدور في ذهنك يا مولاي. ظننت أنك تتخذ قرارك تحت وطأة الغضب، فإذا بك قد أعددت لما بعده.



(يتقدم كبير الحكماء نصف خطوة، محافظًا على نبرة الاحترام.)

كبير الحكماء: لا أنكر حسن تدبيرك يا مولاي، لكنني ما زلت أخشى أن يصبح نجاح الخطة مبررًا لكل قرار. استقلال القضاء ضمان للبلاد وللحاكم معًا، حتى حين تكون الجريمة واضحة.



آسر (بصرامة): لن أسمح بأن يتحول القانون إلى وسيلة لشراء الوقت، أو أن يستغله هؤلاء الرجال لمواصلة تحريك البلاد من وراء الستار.



كبير الحكماء: حاشا لي يا مولاي أن أدافع عنهم. إنما أخشى أن يصبح الخوف من الخصوم هو القانون الوحيد في البلاد.



آسر: وأنا أخشى أن يصبح القانون عاجزًا عن حماية البلاد ممن يعرفون كيف يستغلونه.



(يصمت كبير الحكماء وينحني برأسه. لا يقتنع بقرار الملك، لكنه لا يواصل الجدال.)



(يُفتح الباب، وتدخل ليال. تتوقف حين ترى السيف في يد آسر، ثم تنظر إلى مالك والحكيم قبل أن تتقدم نحو زوجها.)



ليال: كنت أظن أن قسوتك وليدة غضبك، فإذا بها جزء من حسابك أيضًا.

أيهما أخطر يا آسر؟

رجل يقتل في لحظة غضب، أم رجل يرتب لكل شيء بهدوء ثم يقتل؟



(لا يجيبها آسر. يعيد السيف إلى الطاولة، فتتعلق عينا ليال به.)



آسر: ربما يكونان الرجل نفسه يا ليال..



(يُفتح الباب مرة أخرى، ويدخل سليم وراشد. يتوقفان عند المدخل حين يريان أباهما واقفًا إلى جوار السيف، ثم يتقدمان ببطء.)



سليم: هل ستنفذ بنفسك حكم الإعدام في زعماء القبائل؟



آسر: نعم.



(يصمت الابنان. ينظر سليم إلى السيف، بينما يتأمل راشد وجه أبيه.)



ليال: لقد ابتلعك العرش يا آسر. أصبحت في النهاية الرجل الذي كنت تحاربه.



آسر: السلطة لا تكشف الإنسان فحسب، بل قد تصنع منه إنسانًا آخر.



ليال: ومن أنت الآن؟



(ينظر آسر إلى التاج فوق الطاولة.)



آسر: لا أعرف. أنا الرجل الذي قتل أقرب الناس إليه، والرجل الذي منعهم من قتل المزيد. لا أعرف أي الرجلين سيراه الناس حين يتذكرونني.



(ينظر راشد إلى أبيه، ثم يخفض عينيه.)



راشد: وإذا أخطأنا نحن يومًا يا أبي؟



(يلتفت آسر إليه.)



آسر: ماذا تقصد؟



راشد: أخشى أن تغضب منا يومًا، فتعاقبنا كما تعاقب الآخرين.



آسر: أتظن أنني قد أؤذيكما؟



راشد: لقد قتلت أختك وابن عمك... فكيف نطمئن إلى أننا لن نكون يومًا في موضعهما؟



(تتجمد ملامح آسر. تتقدم ليال نحو ابنيها وتقف إلى جوارهما.)



ليال: لقد صار أبناؤك يخافونك.



(يحاول آسر الاقتراب من ابنيه، لكنهما يتراجعان تلقائيًا. يتوقف في مكانه، كأن تراجعهما أقسى عليه من أي اتهام.)



آسر: لن أؤذيكما.



(لا يجيبه أحد. يطأطئ سليم رأسه، ويبقى راشد إلى جوار أمه.)



مالك (بصوت خافت): عفوًا يا مولاي... لعل هذا هو الثمن الذي لم يخطر لك.



كبير الحكماء : لقد أحطت بما قد تفعله القبائل، وبما قد يترتب على موت زعمائها، لكن خوف ابنيك منك أمر لم يكن في الحسبان.



مالك (بهدوء): حفظ الله لك أبناءك يا مولاي.

كبير الحكماء :

إن خوف الرعية من ظلم الحاكم خطر، أما خوف الأبناء من أبيهم فجرح لا تمحوه الأوامر ولا تعالجه القوة.



ينظر آسر إلى سليم وراشد

(يتجه إلى الطاولة ويقف أمام السيف. يمرر يده على مقبضه، ثم يسحبها كأن لمسته آلمته.)



آسر: السلطة لا تكشف الإنسان فحسب، بل قد تصنع منه إنسانًا آخر.



ليال: ومن أنت الآن؟

(يصمت قليلًا، ثم يرفع التاج ويتأمله.)

آسر: لعل التاريخ يكتب يومًا أنني كنت سفاحًا. ستقول الأجيال إنني قتلت أهلي وأبناء دمي، وإن الشاعر الذي كان يهرب من الملك انتهى إلى حمل السيف.



كبير الحكماء : لكن البلاد ستذكر يا مولاي أنك أنقذتها من فتنة كادت تبتلعها.



آسر: وربما تذكر أيضًا أنني أخفتها وأنا أنقذها.



. يضع التاج فوق الطاولة، ثم يلتفت إلى ليال وابنيه.



آسر: لن أطلب منكم ألا تخافوا مني. لا أملك أن أطلب ذلك بعد اليوم.



(يتجه إلى باب الشرفة ويفتحه. يتسلل ضوء خافت إلى القاعة. يقف عند العتبة، ثم ينظر إلى المدينة البعيدة.)

(تبقى ليال إلى جوار ابنيها. ينحني مالك برأسه في صمت، ويقف كبير الحكماء مطرقًا.)

(يرفع آسر عينيه إلى الأفق، بينما يبقى التاج والسيف خلفه فوق الطاولة.)


إظلام تام.




المشهد العاشر

الملك السفاح



المكان: قاعة الحكم في القصر،

بعد أسابيع



يجلس آسر شاحب الوجه أمام أوراق الحكم.

يدخل مالك، وخلفه كبير الحكماء، ثم تدخل ليال وابنا آسر.



مالك: طلبت حضورنا يا مولاي؟



آسر:نعم. أريد أن أضع حدًّا لهذا الأمر. انتهت الفتنة، وتوحدت البلاد، وسقط المتآمرون.

أديت ما كان عليّ، وأريد أن أرحل.



مالك: تتنحى الآن؟

آسر: قبل أن أفقد نفسي.



يدخل راشد مقتربًا من المكتب، ويتأمل التاج، بينما يقف سليم إلى جوار أمه.



راشد: أحقًّا ستترك العرش يا أبي؟



آسر: وهل تريدني أن أبقى؟



راشد: كنت أظن أن الملك لا يتخلى عن ملكه.



سليم: إذا رحلت، هل ستعود الحرب؟



ينظر آسر إلى ابنه عاجزًا عن الإجابة.



سليم: أليس من المفترض أن الملك يعرف كل شيء؟



تتدخل ليال.



ليال:اذهبا إلى جناحكما.



آسر: دعيهما.



يقترب سليم منه.



سليم: أنا لا أريد أن أراك تقتل أحدًا، ولا أن يأتي أحد فيقتلنا.



يضع آسر يده على رأسه، ثم يبتعد الابنان.



آسر: حتى أطفالي صاروا يخافون مني، ومن غيابي.



ليال: أنت ملك وشاعر يا آسر.



آسر: وسفاح.



يصمت الجميع.



آسر:. لقد وجدت نفسي أحمل السيف وأصدر أحكامًا لم أكن أتخيل أنني سأصدرها.

أنقذت البلاد، لكنني لا أستطيع أن أنسى وجوه الذين ماتوا.



كبير الحكماء: لا يستطيع أحد أن يدينك على ما لم يكن أمامك فيه خيار.



آسر:كلام جميل، لكنه لا يعيد أحدًا إلى الحياة.



مالك:ولا يعيدهم رحيلك، لقد أسقطت الذين أرادوا استخدامك، وأثبتَّ أنك الأقوى ،والآن تريد أن تترك المملكة بعد أن استعدتها؟



تتعالى هتافات من خارج القصر.



أصوات من الخارج: ليبقَ آسر! ليبقَ الملك السفاح!



يتجمد آسر في مكانه، ثم يتجه نحو الشرفة.



آسر: كيف يريدون بقاء رجل يصفونه بالسفاح ؟



كبير الحكماء: لأنهم يخشون ما قد يحدث إذا رحلت. .



آسر: أيخشونني أم يخشون غيابي؟



مالك: الأمران معًا.



آسر: إذن يريدون السفاح ليحميهم من السفاحين؟!



كبير الحكماء:تلك هي المفارقة يا مولاي. قد يكره الناس القوة، ثم يتشبثون بها حين يخافون الفوضى. وقد يطالبون بالعدل، لكنهم يقبلون بيد قاسية إذا ظنوا أنها تمنع ما هو أشد قسوة.

ربما تحتاج البلاد إلى قوتك ، كما تحتاج أنت أيضا إلى معرفة أن لهذه القوة حدودًا.



يصمت آسر، ثم يقترب من المكتب، ويحمل التاج بين يديه.



آسر هامسا: أبي... لقد حققت أمنيتك. توليت العرش، وأعدت للمملكة استقرارها، وأخذت بثأر جلال. أديت رسالتي، ولم يبقَ لي شيء أفعله هنا.



تخفت أصوات الجموع. تهتز شعلة أحد المصابيح، ويمر تيار هواء بارد في القاعة. يظهر رائف في عمقها، بملابسه الملكية.



يلتفت الآخرون إلى آسر، لكنهم لا يرون أحدًا.



يقترب آسر منه، وقد سقطت عن وجهه صلابة الملك.



آسر: سامحني يا أبي، أعدمت ناردين، ولم أعف عنها.



رائف: لقد فعلت ما رأيته واجبًا.



آسر: لا يا أبي. أنت ما كنت لتفعل ما فعلته أنا.

رائف: لم أكن أريد لك القوة وحدها، بل أردت ملكًا يعرف ثمن قراراته ويتحمل مسؤوليتها، لا تجعل ندمك يدفعك إلى أن تتخلَّ عن مسؤوليتك.



يسود الصمت. ثم يأتي صوت من خلف آسر

يلتفت آسر .

يظهر جلال في الجانب الآخر من القاعة.



جلال: أخذت بثأري، وأسقطت الذين تآمروا علي لكنني لا أريد أن تقضي بقية عمرك أسيرًا لموتي.

لا تجعل موتي آخر ما تعيش من أجله.

عش يا آسر.



يلتفت جلال إلى أبيه.

جلال:لقد صار أقوى مما تصور الجميع.

رائف : لكنه يخشى قوته.

يتقدم رائف نحو آسر.

ثم يتلاشى في العتمة. يظل جلال لحظة، وينظر إلى أخيه.

. جلال:. عش يا آسر.

يختفي جلال.



يقف آسر في منتصف القاعة، وقد سقط التاج من يده. تقترب ليال وتمسك بيده.



ليال: آسر، انظر إليّ.



آسر: ... أبي وجلال. كانا هنا.



ليال: لا أعرف إن كنت رأيتهما حقًّا، أم أن قلبك استدعاهما . لكنني أعرف أنك تتألم.



آسر: كنتِ طوال الوقت تحذرينني من العرش. كيف تطلبين مني الآن أن أبقى؟



ليال: ابقَ من أجل المملكة وأبنائك، ومن أجل الرجل الذي ما زلت تحاول أن تكونه.



ينظر آسر إليها طويلًا.



آسر: كنت أظنك ستكونين أول من يفرح برحيلي.



ليال: هذا لو كان رحيلك سيعيدك إلى نفسك. لكنه لن يعيد الموتى، ولن يمحو ما حدث. لا تهرب يا آسر. واجه نفسك وأنت على العرش.

يصرخ آسر : لا أستطيع.

فجأة، تخفت الإضاءة مرة أخرى. تظهر ناردين في الجانب الآخر من القاعة. يتجمد آسر في مكانه، ويتراجع خطوة.



ناردين: لم آتِ لألومك.

آسر: ولكني أعدمتك.

ناردين: لقد أخذت جزاء تهوري وظلمي وغروري. المحكمة هي التي حكمت، وحكامها عادلون.

آسر : كان ينبغي أن أنقذك.

ناردين: لا تحمل نفسك خطيئتي.

آسر: هل سامحتني يا ناردين؟



ناردين: هل تود أن يصبح موتي وموت جلال بلا ثمن؟

اجعل لموتنا ثمنًا يا آسر.

أأموت، ثم تتنحى؟

ما جدوى أن تضحي بي، وتنفذ حكم إعدامي، ثم تترك المملكة وترحل؟ لا يا آسر، لن أسامحك!



آسر: ناردين... أرجوكِ!



ناردين: إذا أردت مني أن أسامحك، فلا تتنحَّ! لا تجعل موتي نهاية رسالتك، ولا تجعل موت جلال آخر ما تبقى لك منه. لقد أخطأتُ، ونلتُ جزاء خطئي، لكنك ما زلت حيًّا، وما زالت المملكة في عهدتك. اجعل لموتنا ثمنًا بأن تحكم بالعدل، لا بأن تهرب.



آسر: لكنني في الأصل لست ملكًا!

ناردين: فمن يكون الملك إذن يا آسر؟

هل تظن أنك تستطيع أن تحيا كمجرد شخص عادي؟

حتى حين كنت طفلًا، كنا جميعا نراك ملكًا؛ في سلوكك وحكمتك وقوة إرادتك، في شموخك وسموّك ، كنت تحمل همّ الآخرين قبل همّك.

أنت خُلقت لتكون ملكًا، فلا تهرب من نفسك لأن الطريق آلمك.



تمد يدها نحوه، فيمد يده إليها، لكن أصابعه لا تلامس إلا الفراغ.



ناردين: عش يا أخي... واجعل لموتي وموت جلال ثمنًا.



تختفي ناردين، ويبقى آسر مادًّا يده في الفراغ، عاجزًا عن الكلام.



يقترب ابنا آسر منه. يركع ويفتح ذراعيه، فيندفع سليم نحوه ويتبعه راشد. يضمهما بقوة.



آسر: لن أترككما.



سليم:ولن تترك العرش؟



يتردد آسر، ثم ينظر إلى ليال.



كبير الحكماء:هل عرفت الآن إن كنت ملكًا أم سفاحًا؟



ينظر آسر إلى سيفه.



تتعالى الهتافات من الخارج.



أصوات من الخارج: ليبقَ الملك السفاح!



يتجه آسر نحو الشرفة، ويصغي إلى الأصوات المتعارضة.



مالك: إنهم ينتظرون أن تخرج إليهم.



آسر:سأخرج ،لكني لن أعدهم بأنني لن أخطئ.



يخرج إلى الشرفة. تتعالى الهتافات باسمه، وتظل أصوات المطالبين بالعدل مسموعة في الجهة الأخرى.

تبقى ليال وابنا آسر عند باب القاعة، وخلفهم مالك وكبير الحكماء.

ينظر أحد الابنين إلى أبيه بفخر ممزوج بالخوف، بينما يتأمل الآخر التاج في صمت.



يبقى آسر ظاهرًا عند الشرفة، و وسيفه معلقًا إلى جانبه. تتعالى الهتافات مرة أخرى:



. أصوات من الخارج: يحيا الملك السفاح!


إظلام تدريج



النهاية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...