امرأة من زمن الحلم الضائع
الفصل: أحببتها في الغياب الذي لا ينتهي
بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر
لم أكن أعرف أن الغياب يمكن أن يكون بهذه القسوة، وأن الإنسان قد يواصل حياته بصورة طبيعية أمام الآخرين، بينما يتوقف شيء في داخله عن الحركة منذ اللحظة التي يرحل فيها شخص بعينه. كنت أظن أن السفر مسافة تقطعها القطارات، وأن المدن، مهما ابتعدت، تظل قابلة للوصول، لكنني اكتشفت متأخرًا أن هناك مسافات لا تقاس بالكيلومترات، وأن بعض الرحيل لا يحتاج إلى طريق طويل؛ تكفي لحظة واحدة كي تجد نفسك واقفًا على الضفة الأخرى من حياة لم تعد تشبه حياتك.
منذ سافرت هالة، لم يعد يوم الأربعاء كما كان، ولم تعد المدرسة ذلك المكان الذي أدخله كل صباح وأنا أحمل أوراقي وكتبي، وأفكر في الدرس الذي سأشرحه، والطلاب الذين سأعاتبهم، والأسئلة التي سأتركها معلقة حتى الحصة التالية. كنت أصل إلى المدرسة في موعدي، أفتح الفصل، أضع كتبي على المكتب، وأبدأ الشرح، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ما ينقص المكان، شيئًا لا تستطيع الجدران أن تعوضه، ولا أصوات الطلاب أن تملأ فراغه.
كان مقعدها يطل عليَّ بصمته، فأشيح بوجهي عنه، ثم أعود لأنظر إليه دون أن أشعر. كنت ألوم نفسي على ذلك، وأقول إنني أستاذ تاريخ، وإنني رجل اعتاد أن يرى أجيالًا تأتي وأجيالًا ترحل، وإن طالبة واحدة، مهما كانت مختلفة، لا ينبغي أن تترك في نفسي كل هذا الاضطراب. لكنني كنت أعرف أنني أكذب على نفسي، وأن هالة لم تكن مجرد طالبة تجلس في الصف الثاني، ترفع يدها قبل الجميع، وتجادلني في الإجابات، ثم تبتسم ابتسامتها التي تجعلني أنسى أحيانًا السؤال الذي كنت أطرحه.
كانت فتاة من نوع لا يمر بالحياة مرورًا عابرًا. تأتي محملة بضجيجها الجميل، بأسئلتها التي لا تنتهي، بأحلامها التي تتجاوز حدود المكان، وبذلك الإصرار الغريب على أن تكون شيئًا مختلفًا، حتى حين كانت الظروف تحاول أن تقنعها بأن تكتفي بما هو متاح. كانت تضحك من قلبها، وتغضب من قلبها، وتكتب كأنها تحاول أن تنقذ شيئًا بداخلها من الضياع. وحين تتحدث عن الكتابة، كنت أرى في عينيها إيمانًا لم أره في كثيرين ممن يكبرونها بعقود.
لم أكن أعرف أنني سأشتاق إلى كل ذلك.
اشتقت إلى صوتها حين كانت تعترض على إجابتي، وإلى طريقتها في إخفاء ضحكتها خلف كراستها، وإلى نظرتها حين أكتشف أنها لم تذاكر الدرس كاملًا، ثم تبدأ في اختراع الأعذار بوجه بريء لا يليق بكمية المشاغبة التي تحملها في رأسها. اشتقت حتى إلى تلك اللحظات التي كنت أضطر فيها إلى التظاهر بالجدية كي لا أضحك معها، وإلى مشاكساتها التي كانت تحول الحصة أحيانًا إلى معركة صغيرة بين أستاذ يحاول فرض النظام وفتاة تؤمن أن الحياة أكبر من أن تُحاصرها القواعد.
كان غيابها يكشف لي تفاصيل لم أكن ألتفت إليها في حضورها. أدركت أنني كنت أحفظ نبرة صوتها دون قصد، وأميز خطواتها حين تقترب من الفصل، وأعرف من طريقة طرقها الباب إن كانت جاءت تسأل عن شيء يخص الدرس أم تحمل فكرة جديدة تريد أن تضعها أمامي وتنتظر رأيي فيها. كنت أظن أنني أراقبها لأنني أستاذ مسؤول عن طالبة موهوبة، لكنني حين ابتعدت، لم أستطع أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يتجاوز حدود الاهتمام المعتاد.
كانت هالة قد تركت وراءها أكثر من مقعد فارغ. تركت أسئلة لم أجرؤ على طرحها، وكلمات لم أقلها، واعترافات خبأتها خلف سنوات من الصمت والخوف والحسابات التي تعلمناها حتى صارت جزءًا من طباعنا.
كنت أقول لنفسي إنني أحبها.
ثم أتراجع عن الكلمة كأنني ارتكبت خطأ لا يغتفر.
أحبها؟ وكيف أحبها وأنا أعرف أن حياتها لم تبدأ بي، وأن ماضيها مليء بتفاصيل لم أكن حاضرًا فيها، وأن مستقبلها ربما يحمل لها طرقًا لن يكون لي مكان بينها؟ كيف أسمح لهذا الشعور أن يكبر وأنا أعرف الفارق بين عالمي وعالمها، وبين ما اعتدت أن أعتبره استقرارًا وما كانت تحلم به من اتساع وحرية؟ كانت هالة في بداية الطريق، تحمل عمرًا كاملًا من الاحتمالات، بينما كنت أنا رجلًا أثقلته المسؤوليات، وأجل أحلامًا كثيرة حتى نسي أحيانًا شكلها الأول.
لم أكن أخاف الحب نفسه، بقدر ما كنت أخاف أن يتحول حبي لها إلى قيد آخر في حياتها. كانت تحارب كي تكمل تعليمها، وتريد أن تكتب، وأن تجد لنفسها مكانًا في عالم لا يمنح الفتيات مثله بسهولة. فكيف أكون أنا الرجل الذي يطلب منها أن تتخلى عن شيء من أحلامها كي تمنحه مكانًا في حياتها؟ كيف أقول لها إنني أحبها، ثم أضع أمامها شروطًا قد تجعلها تختار بيني وبين الطريق الذي تريد أن تسلكه؟
كنت أعرف أنني إن أحببتها حقًّا، فعليَّ أن أترك لها حق الاختيار، حتى لو كان اختيارها أن تبتعد عني.
لكن المعرفة شيء، والقدرة على احتمال نتائجها شيء آخر.
في إحدى الأمسيات، عدت إلى غرفتي بعد يوم طويل في المدرسة، ووضعت حقيبتي جانبًا، ثم جلست إلى المكتب الصغير الذي اعتدت أن أراجع فوقه أوراق الطلاب. كانت أمامي دفاتر كثيرة، وامتحانات تحتاج إلى تصحيح، وخطابات قديمة احتفظت بها دون سبب واضح. حاولت أن أبدأ العمل، لكنني وجدت نفسي أبحث بين الأوراق عن قصاصة كنت قد كتبت عليها ذات يوم ملاحظة تخص إحدى موضوعاتها.
لم أجدها.
ضحكت من نفسي، ثم شعرت بغصة لم أفهمها إلا بعد لحظات. لم أكن أبحث عن القصاصة، بل كنت أبحث عن أثر لها. عن شيء يثبت أن تلك الأيام لم تكن مجرد وقت مضى وانتهى، وأنني لم أتخيل وحدي ذلك الحضور الذي كان يملأ المكان حين تأتي.
أخرجت دفترًا قديمًا، وكتبت على صفحته الأولى: «هالة».
توقفت طويلًا أمام الاسم.
كان الاسم وحده كافيًا ليعيد إليَّ صورتها وهي تقف أمام السبورة، تناقشني في فكرة قرأتها، أو تجلس في المكتبة وقد انحنت على كراستها، غارقة في عالم لا أعرف منه إلا ما تسمح لي بالكشف عنه. كنت أراها أحيانًا صلبة إلى حد العناد، وأحيانًا أخرى أرى خلف ذلك العناد فتاة تخشى أن يُسلب منها حلمها قبل أن تلمسه بيديها.
كتبت: «أحبها».
ثم وضعت القلم.
بدت الكلمة صغيرة على الورق، لكنها كانت أكبر من قدرتي على الاحتمال. حاولت أن أضيف إليها شيئًا يفسرها، فلم أجد. كيف أشرح حبًا لا أستطيع أن أطالب به، ولا أملك أن أضمن له مستقبلًا، ولا أريد أن أجعله سببًا في إيلام صاحبه؟ كيف أكتب عن امرأة تسكن روحي، بينما عليَّ أن أتصرف أمام العالم كأنها مجرد ذكرى جميلة لطالبة كانت تجلس في فصل دراسي ثم رحلت؟
أغلقت الدفتر، وأطفأت المصباح، لكن النوم لم يأتِ.
ظل صوتها يمر في رأسي، ببحة خفيفة كانت تظهر حين تتعب من الكلام، أو حين تحاول أن تخفي تأثرها خلف نبرة ساخرة. كنت أذكر يدها وهي تمسك القلم، وكيف كانت تضغط عليه كلما انشغلت بفكرة، وأذكر أصابعها وهي تقلب صفحات كتابها بسرعة، كأنها تخشى أن يسبقها الوقت إلى نهاية لا تريدها.
لم أكن أعرف أنني سأشتاق إلى يد لم ألمسها إلا في حدود ما تقتضيه المصادفة، وأنني سأفتقد قربًا لم أسمح لنفسي يومًا بأن أطلبه.
وهنا كانت المشكلة كلها: أنني أحببتها في المسافة التي اخترتها بنفسي، ثم وجدتني أعاني من الغياب الذي لم أستطع منعه.
مرت الأيام، وبدأت المدرسة تستعيد إيقاعها المعتاد. عاد الطلاب إلى ضحكاتهم، وانشغل كل واحد منهم بحصصه وامتحاناته، وتبدلت الموضوعات على السبورة، لكنني كنت كلما رأيت فتاة تكتب في كراستها بالطريقة التي كانت تكتب بها هالة، التفتُّ إليها دون وعي، ثم أدرك أنني أبحث عن وجه لن أجده.
وفي يوم، دخلت الفصل قبل موعد الحصة بدقائق، فوجدت أحد الطلاب يقف قرب النافذة، يقرأ العبارة التي كانت هالة قد كتبتها على الجدار قبل رحيلها: «هنا كانت تجلس فتاة لا تعرف غدًا أين ستكون!»
قرأتها بصوت مسموع، ثم سألني: ـ يا أستاذ، مين اللي كتب الجملة دي؟
توقفت عند الباب، وشعرت أن السؤال جاء من مكان بعيد في داخلي.
قلت: ـ واحدة كانت بتدرس هنا.
ـ هي راحت فين؟
نظرت إلى العبارة طويلًا، ثم أجبت: ـ راحت تكمل طريقها.
لم أسأله لماذا أراد أن يعرف، ولم أشرح له أن صاحبة العبارة لم تكن تعرف حقًّا أين سيأخذها الغد، وأنني كنت واحدًا من أولئك الذين تمنوا لو يستطيعون أن يحموا أحلامها من العثرات، دون أن يحاصروها أو يقرروا عنها.
خرج الطالب، وبقيت وحدي أمام الجدار. مررت بعيني على الكلمات مرة أخرى، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
كانت هالة تعرف أنها لا تعرف أين ستكون غدًا، لكنها لم تكن تخشى الطريق بقدر ما كانت تخشى أن تُجبر على السير في طريق لم تختره. أما أنا، فقد كنت أعرف أين أقف، وأعرف حدود عالمي، لكنني لم أعد أعرف كيف أعود إلى الأيام التي سبقت رحيلها، حين كان صوتها يملأ الفصل، وحين كنت أستطيع أن أراها دون أن أضطر إلى الاعتراف لنفسي بأنني أبحث عنها.
في تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم أكن أريد أن أفهمه: أن الحب لا يمنحنا دائمًا حق البقاء في حياة من نحب، وأن بعض المشاعر تُختبر بقدرتنا على احترام المسافة، لا بمحاولة إلغائها.
أحببتها بكل ضوضائها، وبكل ماضيها الذي لم أكن فيه، وبكل مستقبلها الذي لم أكن أعرف إن كان سيجمعني بها. أحببتها ببحة صوتها التي كانت تهز شيئًا عميقًا في روحي، وبيدها التي كانت تنقبض على قلمها كلما خافت أن تفلت منها فكرة، وبذلك القلب الذي بدا لي دائمًا أكبر من المكان الذي تعيش فيه.
لكنني لم أكن أملك أن أطلب منها أن تحبني بالطريقة التي أحببتها بها، ولا أن أضع نفسي في نهاية الطريق الذي تسعى إليه.
كل ما كنت أملكه هو أن أتمنى لها أن تصل.
وأن أظل، رغم كل شيء، ذلك الرجل الذي آمن بموهبتها حين كانت تحتاج إلى من يصدقها، والذي لم يرد يومًا أن يكون سببًا في انطفاء الضوء الذي رآه في عينيها.
عدت إلى مكتبي في نهاية اليوم، وفتحت الدفتر من جديد. نظرت إلى اسمها، ثم كتبت تحته:
«إذا كان الحب أن أراها سعيدة، فسأتعلم كيف أحبها من بعيد. وإذا كان نصيبي منها أن تبقى ذكرى لا أستطيع محوها، فسأحمل الذكرى دون أن أحوّلها إلى مطالبة. فليس كل من يسكن الروح يصبح ملكًا لها، وليس كل من نحبه يُكتب لنا أن نكمل معه الطريق.»
ثم أغلقت الدفتر.
لم أكن أعرف إن كانت هالة ستعود يومًا إلى المدرسة، ولا إن كانت ستذكرني حين تنشغل بحياتها الجديدة، ولا إن كان ما أشعر به سيظل على حاله أم ستغيره السنوات. كنت أعرف فقط أن غيابها كشف لي حقيقة أخفيتها طويلًا: أنني لم أعد أفتقد طالبة كانت تجلس في الفصل فحسب، بل أفتقد إنسانة تركت في روحي أثرًا لا يشبه آثار الآخرين.
ومنذ رحيلها، صار يوم الأربعاء يحمل وجعًا لا يعرفه أحد.
أما هالة، فلم تكن تعلم أن رجلًا في مكان بعيد من يومها، يجلس أحيانًا أمام دفتر مغلق، ويكتب اسمها ثم يمحوه، ويعيد كتابته كأنه يخشى أن ينساه، أو يخشى أكثر أن يظل يتذكره إلى الأبد.
لم أطلب منها أن تعود، ولم أملك أن أمنعها من الرحيل؛ كل ما فعلته أنني أحببتها، ثم وقفت أمام الطريق الذي اختارته، أدعو لها أن تصل، حتى لو كان الوصول بعيدًا عني.
الفصل: أحببتها في الغياب الذي لا ينتهي
بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد – مصر
لم أكن أعرف أن الغياب يمكن أن يكون بهذه القسوة، وأن الإنسان قد يواصل حياته بصورة طبيعية أمام الآخرين، بينما يتوقف شيء في داخله عن الحركة منذ اللحظة التي يرحل فيها شخص بعينه. كنت أظن أن السفر مسافة تقطعها القطارات، وأن المدن، مهما ابتعدت، تظل قابلة للوصول، لكنني اكتشفت متأخرًا أن هناك مسافات لا تقاس بالكيلومترات، وأن بعض الرحيل لا يحتاج إلى طريق طويل؛ تكفي لحظة واحدة كي تجد نفسك واقفًا على الضفة الأخرى من حياة لم تعد تشبه حياتك.
منذ سافرت هالة، لم يعد يوم الأربعاء كما كان، ولم تعد المدرسة ذلك المكان الذي أدخله كل صباح وأنا أحمل أوراقي وكتبي، وأفكر في الدرس الذي سأشرحه، والطلاب الذين سأعاتبهم، والأسئلة التي سأتركها معلقة حتى الحصة التالية. كنت أصل إلى المدرسة في موعدي، أفتح الفصل، أضع كتبي على المكتب، وأبدأ الشرح، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ما ينقص المكان، شيئًا لا تستطيع الجدران أن تعوضه، ولا أصوات الطلاب أن تملأ فراغه.
كان مقعدها يطل عليَّ بصمته، فأشيح بوجهي عنه، ثم أعود لأنظر إليه دون أن أشعر. كنت ألوم نفسي على ذلك، وأقول إنني أستاذ تاريخ، وإنني رجل اعتاد أن يرى أجيالًا تأتي وأجيالًا ترحل، وإن طالبة واحدة، مهما كانت مختلفة، لا ينبغي أن تترك في نفسي كل هذا الاضطراب. لكنني كنت أعرف أنني أكذب على نفسي، وأن هالة لم تكن مجرد طالبة تجلس في الصف الثاني، ترفع يدها قبل الجميع، وتجادلني في الإجابات، ثم تبتسم ابتسامتها التي تجعلني أنسى أحيانًا السؤال الذي كنت أطرحه.
كانت فتاة من نوع لا يمر بالحياة مرورًا عابرًا. تأتي محملة بضجيجها الجميل، بأسئلتها التي لا تنتهي، بأحلامها التي تتجاوز حدود المكان، وبذلك الإصرار الغريب على أن تكون شيئًا مختلفًا، حتى حين كانت الظروف تحاول أن تقنعها بأن تكتفي بما هو متاح. كانت تضحك من قلبها، وتغضب من قلبها، وتكتب كأنها تحاول أن تنقذ شيئًا بداخلها من الضياع. وحين تتحدث عن الكتابة، كنت أرى في عينيها إيمانًا لم أره في كثيرين ممن يكبرونها بعقود.
لم أكن أعرف أنني سأشتاق إلى كل ذلك.
اشتقت إلى صوتها حين كانت تعترض على إجابتي، وإلى طريقتها في إخفاء ضحكتها خلف كراستها، وإلى نظرتها حين أكتشف أنها لم تذاكر الدرس كاملًا، ثم تبدأ في اختراع الأعذار بوجه بريء لا يليق بكمية المشاغبة التي تحملها في رأسها. اشتقت حتى إلى تلك اللحظات التي كنت أضطر فيها إلى التظاهر بالجدية كي لا أضحك معها، وإلى مشاكساتها التي كانت تحول الحصة أحيانًا إلى معركة صغيرة بين أستاذ يحاول فرض النظام وفتاة تؤمن أن الحياة أكبر من أن تُحاصرها القواعد.
كان غيابها يكشف لي تفاصيل لم أكن ألتفت إليها في حضورها. أدركت أنني كنت أحفظ نبرة صوتها دون قصد، وأميز خطواتها حين تقترب من الفصل، وأعرف من طريقة طرقها الباب إن كانت جاءت تسأل عن شيء يخص الدرس أم تحمل فكرة جديدة تريد أن تضعها أمامي وتنتظر رأيي فيها. كنت أظن أنني أراقبها لأنني أستاذ مسؤول عن طالبة موهوبة، لكنني حين ابتعدت، لم أستطع أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يتجاوز حدود الاهتمام المعتاد.
كانت هالة قد تركت وراءها أكثر من مقعد فارغ. تركت أسئلة لم أجرؤ على طرحها، وكلمات لم أقلها، واعترافات خبأتها خلف سنوات من الصمت والخوف والحسابات التي تعلمناها حتى صارت جزءًا من طباعنا.
كنت أقول لنفسي إنني أحبها.
ثم أتراجع عن الكلمة كأنني ارتكبت خطأ لا يغتفر.
أحبها؟ وكيف أحبها وأنا أعرف أن حياتها لم تبدأ بي، وأن ماضيها مليء بتفاصيل لم أكن حاضرًا فيها، وأن مستقبلها ربما يحمل لها طرقًا لن يكون لي مكان بينها؟ كيف أسمح لهذا الشعور أن يكبر وأنا أعرف الفارق بين عالمي وعالمها، وبين ما اعتدت أن أعتبره استقرارًا وما كانت تحلم به من اتساع وحرية؟ كانت هالة في بداية الطريق، تحمل عمرًا كاملًا من الاحتمالات، بينما كنت أنا رجلًا أثقلته المسؤوليات، وأجل أحلامًا كثيرة حتى نسي أحيانًا شكلها الأول.
لم أكن أخاف الحب نفسه، بقدر ما كنت أخاف أن يتحول حبي لها إلى قيد آخر في حياتها. كانت تحارب كي تكمل تعليمها، وتريد أن تكتب، وأن تجد لنفسها مكانًا في عالم لا يمنح الفتيات مثله بسهولة. فكيف أكون أنا الرجل الذي يطلب منها أن تتخلى عن شيء من أحلامها كي تمنحه مكانًا في حياتها؟ كيف أقول لها إنني أحبها، ثم أضع أمامها شروطًا قد تجعلها تختار بيني وبين الطريق الذي تريد أن تسلكه؟
كنت أعرف أنني إن أحببتها حقًّا، فعليَّ أن أترك لها حق الاختيار، حتى لو كان اختيارها أن تبتعد عني.
لكن المعرفة شيء، والقدرة على احتمال نتائجها شيء آخر.
في إحدى الأمسيات، عدت إلى غرفتي بعد يوم طويل في المدرسة، ووضعت حقيبتي جانبًا، ثم جلست إلى المكتب الصغير الذي اعتدت أن أراجع فوقه أوراق الطلاب. كانت أمامي دفاتر كثيرة، وامتحانات تحتاج إلى تصحيح، وخطابات قديمة احتفظت بها دون سبب واضح. حاولت أن أبدأ العمل، لكنني وجدت نفسي أبحث بين الأوراق عن قصاصة كنت قد كتبت عليها ذات يوم ملاحظة تخص إحدى موضوعاتها.
لم أجدها.
ضحكت من نفسي، ثم شعرت بغصة لم أفهمها إلا بعد لحظات. لم أكن أبحث عن القصاصة، بل كنت أبحث عن أثر لها. عن شيء يثبت أن تلك الأيام لم تكن مجرد وقت مضى وانتهى، وأنني لم أتخيل وحدي ذلك الحضور الذي كان يملأ المكان حين تأتي.
أخرجت دفترًا قديمًا، وكتبت على صفحته الأولى: «هالة».
توقفت طويلًا أمام الاسم.
كان الاسم وحده كافيًا ليعيد إليَّ صورتها وهي تقف أمام السبورة، تناقشني في فكرة قرأتها، أو تجلس في المكتبة وقد انحنت على كراستها، غارقة في عالم لا أعرف منه إلا ما تسمح لي بالكشف عنه. كنت أراها أحيانًا صلبة إلى حد العناد، وأحيانًا أخرى أرى خلف ذلك العناد فتاة تخشى أن يُسلب منها حلمها قبل أن تلمسه بيديها.
كتبت: «أحبها».
ثم وضعت القلم.
بدت الكلمة صغيرة على الورق، لكنها كانت أكبر من قدرتي على الاحتمال. حاولت أن أضيف إليها شيئًا يفسرها، فلم أجد. كيف أشرح حبًا لا أستطيع أن أطالب به، ولا أملك أن أضمن له مستقبلًا، ولا أريد أن أجعله سببًا في إيلام صاحبه؟ كيف أكتب عن امرأة تسكن روحي، بينما عليَّ أن أتصرف أمام العالم كأنها مجرد ذكرى جميلة لطالبة كانت تجلس في فصل دراسي ثم رحلت؟
أغلقت الدفتر، وأطفأت المصباح، لكن النوم لم يأتِ.
ظل صوتها يمر في رأسي، ببحة خفيفة كانت تظهر حين تتعب من الكلام، أو حين تحاول أن تخفي تأثرها خلف نبرة ساخرة. كنت أذكر يدها وهي تمسك القلم، وكيف كانت تضغط عليه كلما انشغلت بفكرة، وأذكر أصابعها وهي تقلب صفحات كتابها بسرعة، كأنها تخشى أن يسبقها الوقت إلى نهاية لا تريدها.
لم أكن أعرف أنني سأشتاق إلى يد لم ألمسها إلا في حدود ما تقتضيه المصادفة، وأنني سأفتقد قربًا لم أسمح لنفسي يومًا بأن أطلبه.
وهنا كانت المشكلة كلها: أنني أحببتها في المسافة التي اخترتها بنفسي، ثم وجدتني أعاني من الغياب الذي لم أستطع منعه.
مرت الأيام، وبدأت المدرسة تستعيد إيقاعها المعتاد. عاد الطلاب إلى ضحكاتهم، وانشغل كل واحد منهم بحصصه وامتحاناته، وتبدلت الموضوعات على السبورة، لكنني كنت كلما رأيت فتاة تكتب في كراستها بالطريقة التي كانت تكتب بها هالة، التفتُّ إليها دون وعي، ثم أدرك أنني أبحث عن وجه لن أجده.
وفي يوم، دخلت الفصل قبل موعد الحصة بدقائق، فوجدت أحد الطلاب يقف قرب النافذة، يقرأ العبارة التي كانت هالة قد كتبتها على الجدار قبل رحيلها: «هنا كانت تجلس فتاة لا تعرف غدًا أين ستكون!»
قرأتها بصوت مسموع، ثم سألني: ـ يا أستاذ، مين اللي كتب الجملة دي؟
توقفت عند الباب، وشعرت أن السؤال جاء من مكان بعيد في داخلي.
قلت: ـ واحدة كانت بتدرس هنا.
ـ هي راحت فين؟
نظرت إلى العبارة طويلًا، ثم أجبت: ـ راحت تكمل طريقها.
لم أسأله لماذا أراد أن يعرف، ولم أشرح له أن صاحبة العبارة لم تكن تعرف حقًّا أين سيأخذها الغد، وأنني كنت واحدًا من أولئك الذين تمنوا لو يستطيعون أن يحموا أحلامها من العثرات، دون أن يحاصروها أو يقرروا عنها.
خرج الطالب، وبقيت وحدي أمام الجدار. مررت بعيني على الكلمات مرة أخرى، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
كانت هالة تعرف أنها لا تعرف أين ستكون غدًا، لكنها لم تكن تخشى الطريق بقدر ما كانت تخشى أن تُجبر على السير في طريق لم تختره. أما أنا، فقد كنت أعرف أين أقف، وأعرف حدود عالمي، لكنني لم أعد أعرف كيف أعود إلى الأيام التي سبقت رحيلها، حين كان صوتها يملأ الفصل، وحين كنت أستطيع أن أراها دون أن أضطر إلى الاعتراف لنفسي بأنني أبحث عنها.
في تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم أكن أريد أن أفهمه: أن الحب لا يمنحنا دائمًا حق البقاء في حياة من نحب، وأن بعض المشاعر تُختبر بقدرتنا على احترام المسافة، لا بمحاولة إلغائها.
أحببتها بكل ضوضائها، وبكل ماضيها الذي لم أكن فيه، وبكل مستقبلها الذي لم أكن أعرف إن كان سيجمعني بها. أحببتها ببحة صوتها التي كانت تهز شيئًا عميقًا في روحي، وبيدها التي كانت تنقبض على قلمها كلما خافت أن تفلت منها فكرة، وبذلك القلب الذي بدا لي دائمًا أكبر من المكان الذي تعيش فيه.
لكنني لم أكن أملك أن أطلب منها أن تحبني بالطريقة التي أحببتها بها، ولا أن أضع نفسي في نهاية الطريق الذي تسعى إليه.
كل ما كنت أملكه هو أن أتمنى لها أن تصل.
وأن أظل، رغم كل شيء، ذلك الرجل الذي آمن بموهبتها حين كانت تحتاج إلى من يصدقها، والذي لم يرد يومًا أن يكون سببًا في انطفاء الضوء الذي رآه في عينيها.
عدت إلى مكتبي في نهاية اليوم، وفتحت الدفتر من جديد. نظرت إلى اسمها، ثم كتبت تحته:
«إذا كان الحب أن أراها سعيدة، فسأتعلم كيف أحبها من بعيد. وإذا كان نصيبي منها أن تبقى ذكرى لا أستطيع محوها، فسأحمل الذكرى دون أن أحوّلها إلى مطالبة. فليس كل من يسكن الروح يصبح ملكًا لها، وليس كل من نحبه يُكتب لنا أن نكمل معه الطريق.»
ثم أغلقت الدفتر.
لم أكن أعرف إن كانت هالة ستعود يومًا إلى المدرسة، ولا إن كانت ستذكرني حين تنشغل بحياتها الجديدة، ولا إن كان ما أشعر به سيظل على حاله أم ستغيره السنوات. كنت أعرف فقط أن غيابها كشف لي حقيقة أخفيتها طويلًا: أنني لم أعد أفتقد طالبة كانت تجلس في الفصل فحسب، بل أفتقد إنسانة تركت في روحي أثرًا لا يشبه آثار الآخرين.
ومنذ رحيلها، صار يوم الأربعاء يحمل وجعًا لا يعرفه أحد.
أما هالة، فلم تكن تعلم أن رجلًا في مكان بعيد من يومها، يجلس أحيانًا أمام دفتر مغلق، ويكتب اسمها ثم يمحوه، ويعيد كتابته كأنه يخشى أن ينساه، أو يخشى أكثر أن يظل يتذكره إلى الأبد.
لم أطلب منها أن تعود، ولم أملك أن أمنعها من الرحيل؛ كل ما فعلته أنني أحببتها، ثم وقفت أمام الطريق الذي اختارته، أدعو لها أن تصل، حتى لو كان الوصول بعيدًا عني.