غسان كنفاني

مع أشعة الشمس التي كانت تأكل رأسه وهو وحيدا في صحراء النقب، كان يسمع صخب أفكاره في رأسه كأنها مجموعة مسامير تدق.. ولا تنغرس. ان انفه يعمل الآن تماما كما تعمل البوصلة، وهو يشعر أنه يقترب من هدفه، أنه يعجب لنفسه كيف لم ينقطع عن التفكير العنيف طوال هذه الساعات الممضة، لقد فكر في هذه الساعات كما لم...
كان ذلك زمن الحرب. الحرب؟ كلا، الإشتباك ذاته.. الإلتحام المتواصل بالعدو لأنه أثناء الحرب قد تهب نسمة سلام يلتقط فيها المقاتل أنفاسه. راحة. هدنة.إجازة تقهقر. أما في الإشتباك فإنه دائماً على بعد طلقة. أنت دائماً تمرّ بأعجوبة بين طلقتين، وهذا ما كان، كما قلت لك، زمن الاشتباك المستمر. كنت أسكن مع...
كان من هواة الفلسفة ..و الحياة بالنسبة له هي مجرد نظرية .. لقد بدأ يتفلسف منذ كان طفلا، و يذكر تماما كيف اوجد لنفسه سؤالا شغله طيلة اسبوع كامل، واعتبره مشكلة جديرة بالتفكير العميق : لماذا يلبس الانسان القبعة في رأسه و الحذاء في قدمه ؟ لماذا لا يضع على رأسه حذاء و يلبس قبعة في قدمه؟ .لماذا؟ . و...
عزيزي رياض، لا شك أنك تقول الآن إنني قد جننت، فهذه ثاني رسالة أكتبها لك في يوم واحد، ولكنني في الواقع أكتب لك هذه الرسالة الآن كي أوضح لك أمراً، لقد اكتشفت أنه محض جنون أن أكتب وأقول لك: ابحث معي حيث أنت، عن رجل طويل جداً، صلب جداً، لا أعرف اسمه، ولكنه يلبس بدلة خاكية عتيقة، ويلوح لأول وهلة...
ملحمة المعزاية والذئب .. آخر كتابات غسان كنفاني (فارس فارس) الساخرة النبع الحالم.. وحزن الهزيمة! الخيل والمقبرة والتلال دم الضحية أو «لو كنت حصاناً» قال الطبيب لجدّي: تحتاج إلى رياضة كي تعيش، قال جدي: عجوز ورياضة؟ هذه هي الطريقة الوحيدة لتعيش، أركب الخيل مثلاً. لقد ركبت الخيل كل عمري، وكففت...
رفع رأسه إلى السماء المظلمة وهو يقاوم شتيمة كفر صغيرة أوشكت أن تنزلق عن لسانه، واستطاع أن يحس الغيوم السوداء تتزاحم كقطع البازلت، وتندمج ثم تتمزق. إن هذا المطر لن ينتهي الليلة، هذا يعني انه لن ينام، بل سيظل منكبا على رفشه، يحفر طريقا تجر المياه الموحلة بعيدا عن أوتاد الخيمة، لقد أوشك ظهره أن...
عزيزي مصطفى تسلَّمتُ رسالتَكَ الآن، وفيها تُخبرُني أنَّكَ أتْمَمْتَ لي كُلَّ ما أحتاجُ إليهِ لِيدعمَ إقامتي معك في جامعةِ "كاليفورنيا". لا بُدَّ لي يا صديقي من شكرِكَ. لكن، سيبدو لكَ غريباً بعضَ الشيءِ أنْ أحْمِلَ إليكَ هذا النبأ. وثقْ يا مصطفى أنني لا أشعرُ بالتردُّدِ أبداً، بل أكادُ أجزِمُ...
لقد عرفه الجميع.. وكادوا يعهدوا وجهه كجزء لا ينفصل عن القرية كلها.. وجهه المربع يعترضه حاجبان يتصلان ببعضهما بالخدود يعين طرف أنفه العلوي، وأنفه المفلطح تدور بأسفله دائرتان واسعتان فوق شارب رمادي كثيف، يتدلى، فيخفي شفته العليا.. أما ذقنه فلقد كانت عريضة حادة، كأنها قطعت لتوها من صدره، ومن ثم،...
عندما خرجنا من يافا إلى عكا لم يكن في ذلك أية مأساة.. كنا كمن يخرج كل عام ليمضي أيام العيد في مدينة غير مدينته. ومرت أيامنا في عكا مروراً عادياً لا غرابة فيه، بل ربما كنت لصغري وقتذاك أستمتع بتلك الأيام لأنها حالت دوني ودون الذهاب للمدرسة.. مهما يكن، ففي ليلة الهجوم الكبير على عكا بدأت تتوضح...
أتكون محض مصادفة غربية إنني التقيت به, الآن, في نفس المكان الذي شاهدته فيه أول مرة؟ لقد كان مقرفصاً هناك؟ كأنه لم يزل كذلك حتى اليوم: بشعره الأسود الخشن, وعينيه اللامعتين ببريق رغبة يائسة, منكباً على صندوقه الخشبي يحدق إلى لمعان حذاء باذخ..لقد استطاعت صورته أن تحفر في عظم رأسي قبل عام واحد...

هذا الملف

نصوص
27
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى