الهادي نصيرة

قدموا، من أماكن بعيدة مختلفة، إلى تلك القرية الجميلة، الهادئة.. جمعتهم الأقدار للعمل هناك، تقاربت طباعهم وأثمرت صداقة متينة .. يتواعدون، مساء كل يوم، على اللقاء، في المقهى المحاذي لتلك الطريق المزدحمة بالسيارات.. هكذا كان دأبهم هم الأربعة ؛ نعيم أستاذ التعليم ، ورؤوف بائع قطع غيار السيارات،...
خيم الصمت على وجوه الحاضرين في صباح ذلك اليوم الخريفي الذي اصطبغت فيه السماء بلون رمادي حزين، وتناثرت أوراق الشجر مصفرة باهتة، وساد المكان جو ثقيل مشوب بالقلق وملتبس بالتوتر. وفجأة، علا صوت الضابط الفرنسي معلنا أسماء الشبان المجندين. وقف الأب ممتقع الوجه، مقطب الجبين، تائه النظرات، لايدري أين...
إلتقت نظراتهما فجأة أمام مدخل الجامعة. لم يكن بٱستطاعة "بسمة"،يومئذ، مقاومة ٱبتسامة "ماهر" الجميلة، ووسامته الفائقة، وتعامله الراقي.. نظرة، فٱبتسامة، فٱنبهار، فعلاقة حب توطدت، وتعمقت، ثم مالبثت أن ٱنتهت بهما إلى تحقيق حلمهما السعيد.. _ " سعيدة جدا بزواجنا يا "ماهر" ، وسعادتي، في هذا اليوم،...
كنت أنتظر نتائج امتحانات اختتام الدراسة بمدرسة تأهيل المعلمين، التي لم تعد تفصلنا عن موعدها غير أيام قلائل، حين اختطف الموت، أخي "مهذب"، في حادث شغل قاتل، أليم، وهو لايزال في سن الثامنة عشر من عمره.. بعد أسبوع من حصول تلك الفاجعة، تلقيت خبر نجاحي، في ذلك الجو الذي خيمت عليه مشاعر الحزن، والشجن،...
رجال ونساء، توغلوا، في حقل يمتد على مساحة زراعية شاسعة، وانهمكوا يحصدون، سنابل الشعير، بهمة ونشاط كبيرين.. حرارة ذلك الصباح الصيفي، تزداد ارتفاعا، والعرق يتصبب من جباههم السمر، لتتسلل قطراته المتلألئة، تحت أشعة الشمس الحارقة، منسابة بين تجاعيد الوجوه التي أضنتها المتاعب، وأرهقتها سنين الفقر...
يعيش العم سعيد وحيدا في منزله الجاثم هناك عند أطراف القرية، حيث يلوح ،في الأفق، ببنايته السامقة وسط فضاء واسع، بمنأى عن كثافة العمران... عند ٱشتداد الحر، يخرج العم سعيد من غرفته،في كل صباح، ليستريح امام المنزل، تحت شجرة توت كبيرة، وارفة الظل . يجلس فوق كرسيه الخشبي العتيق محتسيا قهوته في هدوء...
كنت أسير وحيدا، في صباح ذلك اليوم الربيعي، متجها إلى المدرسة، لألتحق بأقراني، تلاميذ السنة الرابعة بالمرحلة الابتدائية.. كنت أسلك طريقي، مطمئن البال، لا شيء يشغلني غير آلة الحلاقة التي كنت أحملها في محفظتي بغية تسليمها إلى المعلم الذي أوصاني بجلبها.. " اِسمعوني جيدا ، يا أطفال ! غدا، في حصة...
يمتطي وحيد ورفاقه ظهر سفينة صغيرة، تواجه أمواجا كالجبال، في رحلة إلى (لامبادوزا)، ولا أحد منهم يعلم المصير الذي ستؤول إليه تلك المغامرة.. اِستدان وحيد مبلغا كي يدفع أجر تلك الرحلة، وأصر على تنفيذ مخططه، وكان في اعتقاده أن هجرته تلك ستنقله من بؤرة البؤس، إلى ضفاف السعادة والنعيم.. يلاحقه صوت أمه...
وقفت على استعداد لمغادرة منزلنا الفقير، الرابض في سكون تلك الفيافي الريفية الهادئة ، قاصدا مدينة القيروان، لمواصلة الدراسة بمدرسة ترشيح المعلمين. مازلت أذكر ذلك الجو المثقل بالصمت، والجمود اللذين خيما على ملامح الحاضرين، في ذلك الصباح الخريفي الباهت، وصرنا واجمين، نحملق في فراغ كئيب مظلم، أحدثه...

هذا الملف

نصوص
9
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى