لم تسعفه ذاكرته المهترئة لمعرفة كم مضى من الزمن. أعوامٌ؟ عقود؟
لكنه لم يعد يهتم، ولم يَعُد يُفرق معه شيء.
كل ما يعرفه أنه ما زال هنا، في هذا القبر الإسمنتي، كهف لا يعلم إن كان تحت الأرض أم فوقها.
المكان ساكن كالمقابر، هامد كجثة منسية في قعر بئرٍ مهجور.
لا ضوء، لا صوت، إلا صرير الصراصير وخطى...
حين استُدعيت إلى مقر إدارة الأمن، شعرت أمه أن شيئًا ما انكسر في الهواء، حتى قبل أن تُفتح النافذة المعدنية التي تفصلها عن الضابط. لم تكن نظراته تخفي شيئًا، رغم جفاف نبرته وهو يقول:
اجلسي، يا أمّ…
جلست كما يُجلس الخوف أقداماً على جمرٍ صامت.
تابع حديثه دون أن يترك لها فرصةً لتستفيق من الذهول...
لم تكن الزنزانة سوى نسخة باهتة من مدينته، تلك التي وُلد فيها . مدينة لا تشبه المدن إلا في تناقضها المربك؛ دافئة كقلب امرأة عاشقة، رغم قسوة الشتاء، وبهية، بين أشجار صحراوية تعانق الهضاب، تثمر حبًا وألفة بلا موعد. لكنها لم تحمِ نفسها، ولا حَمَته. ظلّت، رغم كل شيء، مدينةً تُغتصب ولا تموت، كعذراء...
صحفي عملت في وكالة الانباء الارترية
وانشط في الكتابة لبعض المواقع الارترية
كما اعمل في الترجمة بين لغات ارترية واللغة العربية
اعيش واعمل حاليًا في المانيا