أدب السجون ابراهيم حالي - الزنزانةً الاخيرة...

لم تكن الزنزانة سوى نسخة باهتة من مدينته، تلك التي وُلد فيها . مدينة لا تشبه المدن إلا في تناقضها المربك؛ دافئة كقلب امرأة عاشقة، رغم قسوة الشتاء، وبهية، بين أشجار صحراوية تعانق الهضاب، تثمر حبًا وألفة بلا موعد. لكنها لم تحمِ نفسها، ولا حَمَته. ظلّت، رغم كل شيء، مدينةً تُغتصب ولا تموت، كعذراء يُنهكها الاعتداء ولا تفقد براءتها تمامًا.

لم يُعتقل في لحظة سُكر أو غفلة. كل شيء كان محسوبًا، حتى الهواجس. المدينة التي تسامحت مع الخمر قرب المساجد، ومع الكنائس إلى جوار الجوامع، لم تتسامح مع الهمس… ولا الحلم.
في منفى اللجوء، حيث كان يحتسي الذكريات مثل نبيذٍ معتق، كان يتذكر عمّه حمّاد، البحار المخمور، وهو يعود مترنحًا على دراجته دون أن يسأله أحد.
الآن يبتسم بسخرية، محاصرًا بجدران أربعة ورطوبة لا تعرف الرحمة.

قرقعة المفاتيح قاطعته.
الجندي الواقف كتمثال صدئ على باب الجحيم، يحمل بندقية كلاشنكوف أكبر من جسده. لكن الغريب أن الجندي بدا كأنه الأسير الحقيقي.
الصمت سأله:
لماذا كل الوجوه حزينة؟
لماذا هذا العبوس المزمن؟
هل كانت الحرية وهْمًا؟
هل الاستقلال كان خدعة دامية؟

صرخ الحارس بصوت أجش:
“عشر دقائق لقضاء الحاجة… ودون أحذية!”

تجمّد جسده. الذاكرة صرخت فيه، تذكّرت أسرى الحروب العالمية، كيف كانوا يُساقون حفاة حتى لا يهربوا.
هو الآن حافٍ، في وطنه.
في مدينته.
أسيرٌ على أرضٍ وعدت بالحرية، لكنها لم تفِ.

حين عاد مع الآخرين إلى الزنزانة، لاحظ أن وجوه رفاقه تشبه وجهه. لكنه، رغم هذا التماثل، شعر بغربة قاتلة.
ضحك بسخرية مكسورة:
كيف يُسجن ابن هذه المدينة؟
كيف يُطلب منه أن يمشي حافيًا، عاريًا من الكرامة، و من الحرية؟

أسدل الليل ستائره. صار الليل متآمرًا، شريكًا في الجريمة. وبينما هم يتبادلون الهمس بحذر، سمعوا وقع أقدام تقترب. انقطع الكلام. انقطع التنفس.

فُتح الباب. نُودي اسمه.
ردّ، بصوت مخنوق أو مبحوح.
يد غليظة أمسكته من ياقة قميصه، سحبته كجثة نحو العتمة.

سُلِّم إلى زنزانة أُخرى، أضيق. أعمق.
درَجٌ يؤدي إلى الأسفل.
صفعة لمعت في عينيه نجوم لا وجود لها.
ثم ظلام.

قهقهة اخترقت سكون الليل، ثم شيء حاد هبط على رأسه.
ألمٌ مفاجئ، حاد، ثم…
لا شيء.


ابراهيم حالي
صحفي وكاتب من ارتريا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى