د. محجوب عمر (رؤوف نظمي ميخائيل عبدالملك صليب) - قصة مستشفى الأشرفية

مقدّمة

ليس في هذا الكتيب كلمة واحدة من الخيال. ولا هو تسجيل لما حدث في مستشفى الأشرفية في الأيام العشرة الأسطورية التعسة التي مرت بها عمان خلال المذبحة، إنما هو محاولة سريعة لإعطاء القارئ العربي لمحة عن ما كان يجري… مجرد لمحة… إذ لا يستطيع أحد أن يصف كيف يمكن أن تهبط البلدان بلحظة واحدة تحت القصف المركز ومستشفى الأطفال يحترق أمام العيون مثلا.
الإنسان نفسه تغير في تلك الأيام… سقطت الأقنعة الاجتماعية… وبرزت بطولات بسيطة ومجهولة. وتجسدت الكلمات التي تحدثت عن طاقات الجماهير الخلاقة التي لا تفنى وقدرة الإنسان على التحمل التي لا حدود لها.
في الأشرفية كان الإنسان بكل ما فيه وما في تاريخه الطويل. كانت الحياة والموت. الحب والكراهية. الأنانية والتفاني… الإخلاص والانتهازية… البساطة والتعقيد… كل شيء، كل متناقضات الإنسان ونزواته ومخططاته.
لا شيء يمكن أن يحيط بما حدث إلا ابتسامات الأطفال وبكاء الأمهات.
والكتاب لا يحوي أسماء إلا من استشهدوا. والقليل ممن اقتضت الضرورة ذكر أسمائهم. ذلك أن الأسماء تحدد الأفراد. ولم يكن هناك أفراد. جماعة ومأساة جماعية…
الكثيرون برزوا بتضحياتهم وجدهم وجهدهم… بعثة الأطباء العربية التي أوفدها منذ سنتين اتحاد الأطباء العرب.. مجموعة الأخوات المتطوعات اللاتي شاهدن لأول مرة جموحا ثائرا وحملن بعد ساعات جثثا عفنة… وتحملن في صبر الصغائر والكبائر… مجموعة من الأخوات الممرضات ساهمن في جلد مخففات الآلام عن الجميع… حتى المصابين الذين لمعت عيونهم بالمرارة والعزم لحظة احتلال المستشفى ولم يشِ واحد منهم بآخر أو بالمتطوعين العاملين… وصمتوا على آلامهم حتى لا يشمت فيهم الشامتون…
ولكن الجميع كانوا معا أسرة… تآلفت في ساعات وعاشت أياما كالدهور… كانت فيها وجها مضيئا للأمة العربية كلها… وفي وقت واحد… كنت ترى الطبيب المصري… والممرضة الأردنية والمتطوعة الفلسطينية يتعاونون جميعا على تخفيف آلام مصاب سوري…
لقد سقط مستشفى الأشرفية في اليوم التاسع ولكن منطقة الأشرفية لم تسقط أبدا… ومنذ الأيام الأولى كان موقف الثوار هو أن المستشفى لن يكون ميدان قتال… وحتى اليوم الأخير ظل هذا هو موقفهم وحدهم…
وبرغم أن الذين كانوا داخل مستشفى الأشرفية كانوا يواجهون خسائر المعركة إلا أنهم عاشوا الأيام كلها بقلوبهم وأرواحهم مع المقاتلين البواسل الذين صمدوا اثني عشر يوما في حاووز الأشرفية وما يحيط به من شوارع وأزقة… كانوا معهم برغم أنهم حرموا شرف المشاركة في نضالهم.
مرة أخرى… هذه مجرد لمحة… كلها صادقة وبالشهود الأحياء والأدلة… وعذرا لكل الذين لم تشِر إليهم هذه الكلمات والذين قصرت في وصف بطولاتهم أحرف باردة… لا يمكنها تجسيد التضحيات…

* * *

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى