يعتقد كثيرون أن السجن مجرد جدران عالية، وأبواب حديدية، وأقفال ضخمة، لكن الحقيقة أن السجن دولة كاملة السيادة، لها حكومتها وإدارتها واقتصادها ولغتها الخاصة، بل وأحيانًا عدالة أسرع من بعض الإدارات خارج الأسوار.
فما إن يعبر النزيل الباب الرئيسي حتى يفقد اسمه العائلي وصفته الاجتماعية، ويبدأ رحلة الحصول على الجنسية السجنية. هناك يكتشف أن عليه أولًا التعرف إلى مفردات الوطن الجديد: البلانتون،والسخار، وحاكم الكروى، والدكاكة، والحاكمين الذين لا يحتاجون إلى انتخابات ولا إلى حملات انتخابية، فشرعيتهم تُستمد من قوة العضلات، أو طول الإقامة، أو حجم النفوذ والمال والمعرفة.
في هذه الجمهورية العجيبة، لا تُقاس المكانة بالشواهد العليا ولا بعدد الكتب التي قرأتها، بل بعدد الأمتار التي تسيطر عليها من أرض الزنزانة. فالحصول على موضع محترم للنوم قد يحتاج إلى مفاوضات دولية معقدة، أو إلى ميزانية معتبرة، أو إلى موهبة فطرية في الدهاء السياسي.
أما الاقتصاد السجني، فهو أكثر حيوية من بعض الاقتصادات الوطنية. فهناك أسواق موازية، وعرض وطلب، وبيع للممنوعات، وتحويلات غير خاضعة للبنك المركزي، وأسعار ترتفع وتنخفض حسب المواسم والحملات التفتيشية. وكل شيء له ثمن، من فنجان قهوة إضافي أو ما استجد مع من القفة وهي التورتية ،إلى شبر من الراحة النفسية.
أما الدكاكة، فهي فرع متقدم من علوم اللوجستيك السجني، لا يُدرَّس في كليات التجارة ولا في معاهد النقل، ومع ذلك يحقق نتائج مبهرة في إيصال السلع إلى وجهتها النهائية. فالدكاكة هي تلك الممنوعات التي تشق طريقها إلى السجين بوسائل يعجز عن تفسيرها حتى أكثر الحراس خبرة. لا أحد يعرف كيف دخلت، ولا من أدخلها، ولا متى عبرت الحواجز ونقاط التفتيش. إنها تظهر فجأة كما تظهر المعجزات في كتب التراث.
وفي جمهورية الزنزانة، يتعامل البعض مع الدكاكة باعتبارها نظرية فيزيائية جديدة: فالأشياء لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، لكنها قادرة على الانتقال من خارج الأسوار إلى داخلها دون المرور بالطرق المعروفة. ولهذا نشأت حولها أساطير وحكايات، حتى صار بعض السجناء يعتقدون أن لها أولياء صالحين يحرسونها، بينما يراها آخرون دليلاً على أن الإبداع البشري يبلغ ذروته عندما يُمنع من استعمال الأبواب الرسمية.
والأغرب أن الجميع يتحدث عن الدكاكة، لكن لا أحد يعرف صاحبها الحقيقي. فهي تشبه الفساد في العالم الخارجي: الكل يعلم بوجوده، والكل يستفيد منه بدرجات متفاوتة، لكن ما إن يبدأ التحقيق حتى يتحول الجميع فجأة إلى شهود أبرياء لا يعرفون شيئًا.
والأطرف أن السجن يطبق مبدأ التمييز الطبقي بطريقة مبتكرة. فأباطرة المخدرات لهم هيبة خاصة، وأصحاب الشيكات بدون رصيد لهم مكانة مختلفة، وأبطال النصب والاحتيال يروون مغامراتهم كما يروي المحاربون القدامى بطولاتهم، بينما يجد بعض غير المؤهلين للسجن وهم البيبي أو البوجادة ،أنفسهم ينظرون حولهم باستغراب، وكأنهم دخلوا القاعة الخطأ في مسرح الحياة.
أما السجان، فهو الموظف الذي يحاول إقناع الجميع بأنه الحاكم الفعلي، بينما يعلم الجميع أن المدير له حساباته، ورئيس المعقل له حساباته، والحاكمون لهم حساباتهم، وأن توازن القوى داخل الأسوار أكثر تعقيدًا من بعض الحكومات الائتلافية.
غير أن أكثر مشاهد السجن إنسانية لا تحدث عند الأبواب الحديدية ولا أثناء العد الصباحي، بل في يوم الزيارة. هناك تظهر الأمهات، ذلك الجيش الوحيد الذي لا يتخلى عن جنوده مهما كانت الهزائم. تأتي الأم محملة بالأكياس والدعوات والدموع والأمل. قد يتخلى الأصدقاء، وقد ينسى الأقارب، وقد تختفي أرقام الهواتف، لكن الأم تظل تؤدي عقوبة موازية خارج السجن، دون أن يصدر في حقها أي حكم.
وفي المساء، حين تنطفئ الأضواء، يكتشف السجين أن السجن ليس دائمًا ذلك المبنى المحاط بالأسوار. فبعض الناس يحملون سجونهم معهم إلى الخارج: سجن الطمع، وسجن الانتقام، وسجن الحقد، وسجن الحاجة.
وهكذا تصبح الزنزانة مجرد نسخة مصغرة من العالم الكبير. فالفرق الوحيد أن من هم داخل الأسوار يعرفون أنهم سجناء، أما كثير ممن هم خارجها فما زالوا يعتقدون أنهم أحرار.
وإذا كانت الزنزانة تعرف الدكاكة ،التي تعبر الأسوار خلسة دون أن يراها الحارس، فإن عالم السياسة يعرف بدوره «الدكاكة السياسية». فهناك وعود انتخابية تدخل إلى عقول الناخبين دون أن تمر عبر بوابة المنطق، ومناصب تعبر إلى أصحابها دون أن تمر عبر بوابة الاستحقاق، وصفقات تظهر فجأة كما تظهر الممنوعات في المعاقل، لا أحد يعرف من أين جاءت ولا كيف وصلت.
الفرق الوحيد أن دكاكة السجن تنتهي غالبًا عند باب الزنزانة، أما الدكاكة السياسية فتنجح أحيانًا في عبور المؤسسات والجماعات والبرلمانات دون أن يراها أحد. ولذلك قد يغادر السجين أسواره يومًا ما، لكنه يكتشف أن الوطن الكبير هو الآخر مليء بدكاكة من نوع آخر: دكاكة الوعود، ودكاكة المصالح، ودكاكة الشعارات التي تدخل موسم الانتخابات وتختفي مباشرة بعد إعلان النتائج، وكأنها لم تكن موجودة أصلا
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
فما إن يعبر النزيل الباب الرئيسي حتى يفقد اسمه العائلي وصفته الاجتماعية، ويبدأ رحلة الحصول على الجنسية السجنية. هناك يكتشف أن عليه أولًا التعرف إلى مفردات الوطن الجديد: البلانتون،والسخار، وحاكم الكروى، والدكاكة، والحاكمين الذين لا يحتاجون إلى انتخابات ولا إلى حملات انتخابية، فشرعيتهم تُستمد من قوة العضلات، أو طول الإقامة، أو حجم النفوذ والمال والمعرفة.
في هذه الجمهورية العجيبة، لا تُقاس المكانة بالشواهد العليا ولا بعدد الكتب التي قرأتها، بل بعدد الأمتار التي تسيطر عليها من أرض الزنزانة. فالحصول على موضع محترم للنوم قد يحتاج إلى مفاوضات دولية معقدة، أو إلى ميزانية معتبرة، أو إلى موهبة فطرية في الدهاء السياسي.
أما الاقتصاد السجني، فهو أكثر حيوية من بعض الاقتصادات الوطنية. فهناك أسواق موازية، وعرض وطلب، وبيع للممنوعات، وتحويلات غير خاضعة للبنك المركزي، وأسعار ترتفع وتنخفض حسب المواسم والحملات التفتيشية. وكل شيء له ثمن، من فنجان قهوة إضافي أو ما استجد مع من القفة وهي التورتية ،إلى شبر من الراحة النفسية.
أما الدكاكة، فهي فرع متقدم من علوم اللوجستيك السجني، لا يُدرَّس في كليات التجارة ولا في معاهد النقل، ومع ذلك يحقق نتائج مبهرة في إيصال السلع إلى وجهتها النهائية. فالدكاكة هي تلك الممنوعات التي تشق طريقها إلى السجين بوسائل يعجز عن تفسيرها حتى أكثر الحراس خبرة. لا أحد يعرف كيف دخلت، ولا من أدخلها، ولا متى عبرت الحواجز ونقاط التفتيش. إنها تظهر فجأة كما تظهر المعجزات في كتب التراث.
وفي جمهورية الزنزانة، يتعامل البعض مع الدكاكة باعتبارها نظرية فيزيائية جديدة: فالأشياء لا تفنى ولا تُستحدث من عدم، لكنها قادرة على الانتقال من خارج الأسوار إلى داخلها دون المرور بالطرق المعروفة. ولهذا نشأت حولها أساطير وحكايات، حتى صار بعض السجناء يعتقدون أن لها أولياء صالحين يحرسونها، بينما يراها آخرون دليلاً على أن الإبداع البشري يبلغ ذروته عندما يُمنع من استعمال الأبواب الرسمية.
والأغرب أن الجميع يتحدث عن الدكاكة، لكن لا أحد يعرف صاحبها الحقيقي. فهي تشبه الفساد في العالم الخارجي: الكل يعلم بوجوده، والكل يستفيد منه بدرجات متفاوتة، لكن ما إن يبدأ التحقيق حتى يتحول الجميع فجأة إلى شهود أبرياء لا يعرفون شيئًا.
والأطرف أن السجن يطبق مبدأ التمييز الطبقي بطريقة مبتكرة. فأباطرة المخدرات لهم هيبة خاصة، وأصحاب الشيكات بدون رصيد لهم مكانة مختلفة، وأبطال النصب والاحتيال يروون مغامراتهم كما يروي المحاربون القدامى بطولاتهم، بينما يجد بعض غير المؤهلين للسجن وهم البيبي أو البوجادة ،أنفسهم ينظرون حولهم باستغراب، وكأنهم دخلوا القاعة الخطأ في مسرح الحياة.
أما السجان، فهو الموظف الذي يحاول إقناع الجميع بأنه الحاكم الفعلي، بينما يعلم الجميع أن المدير له حساباته، ورئيس المعقل له حساباته، والحاكمون لهم حساباتهم، وأن توازن القوى داخل الأسوار أكثر تعقيدًا من بعض الحكومات الائتلافية.
غير أن أكثر مشاهد السجن إنسانية لا تحدث عند الأبواب الحديدية ولا أثناء العد الصباحي، بل في يوم الزيارة. هناك تظهر الأمهات، ذلك الجيش الوحيد الذي لا يتخلى عن جنوده مهما كانت الهزائم. تأتي الأم محملة بالأكياس والدعوات والدموع والأمل. قد يتخلى الأصدقاء، وقد ينسى الأقارب، وقد تختفي أرقام الهواتف، لكن الأم تظل تؤدي عقوبة موازية خارج السجن، دون أن يصدر في حقها أي حكم.
وفي المساء، حين تنطفئ الأضواء، يكتشف السجين أن السجن ليس دائمًا ذلك المبنى المحاط بالأسوار. فبعض الناس يحملون سجونهم معهم إلى الخارج: سجن الطمع، وسجن الانتقام، وسجن الحقد، وسجن الحاجة.
وهكذا تصبح الزنزانة مجرد نسخة مصغرة من العالم الكبير. فالفرق الوحيد أن من هم داخل الأسوار يعرفون أنهم سجناء، أما كثير ممن هم خارجها فما زالوا يعتقدون أنهم أحرار.
وإذا كانت الزنزانة تعرف الدكاكة ،التي تعبر الأسوار خلسة دون أن يراها الحارس، فإن عالم السياسة يعرف بدوره «الدكاكة السياسية». فهناك وعود انتخابية تدخل إلى عقول الناخبين دون أن تمر عبر بوابة المنطق، ومناصب تعبر إلى أصحابها دون أن تمر عبر بوابة الاستحقاق، وصفقات تظهر فجأة كما تظهر الممنوعات في المعاقل، لا أحد يعرف من أين جاءت ولا كيف وصلت.
الفرق الوحيد أن دكاكة السجن تنتهي غالبًا عند باب الزنزانة، أما الدكاكة السياسية فتنجح أحيانًا في عبور المؤسسات والجماعات والبرلمانات دون أن يراها أحد. ولذلك قد يغادر السجين أسواره يومًا ما، لكنه يكتشف أن الوطن الكبير هو الآخر مليء بدكاكة من نوع آخر: دكاكة الوعود، ودكاكة المصالح، ودكاكة الشعارات التي تدخل موسم الانتخابات وتختفي مباشرة بعد إعلان النتائج، وكأنها لم تكن موجودة أصلا
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي