أدب السيرة الذاتية حسن الرحبي - يوميّات طفل يتيم مُغترب بثلاَث سيدي بنّور أوَاسط الستّينات...

التحقتُ بسيدي بنور يوم الإثنين 2 أكتوبر مسَاءً من سنة 1967 . بعد أن ودّعت أبي المريض وهو مسجّى على فراش الموت . ألقيت عليه النظرة الأخيرة وقد جمعت أشيائي التّافهة في حقيبة خشبية متينة جلبها معه بابا احمد من ألمانيا بعد فراره من معسكر الاعتقال بمدينة بادن بادن . عندما قررت أمي إرسالي لمتابعة دروسي الإعدادية صُحبة أخي الأكبر الذي كان متمتعاً بمنحة في داخليتها المشهورة آنذاك . في عهد المدير المرحوم عيادة الوجدي الذي كان يتحدث فرنسية راقية .
انحنيتُ أودّع أبي الوداع الأخير . تأكدت من ذلك بعدما نخر جسده النحيل روماتيزم القلب اللّعين . لم يعد يقوى على الحركة . لكنه فكر بكل حصَافة في استلال 30 درهماً من بين أوراق أخرى دسها تحت رأسه تبقت له من مصَاريف العلاج المكلف بمدينة آسفي . وتعدد زياراته للطبيب الفرنسي رول rault . ومكوثه في مستشفى محمد الخامس لأسابيع بدون جدوى . ثم مبيته في عدة أضرحة اعتقد الجميع بقدراتهم على إحياء الموتى أو على الأقل إشفائهم : بنيفو وحناوة وأخيراً سيدي عبد الله بنيسّف باولاد بوعزيز . حين اتفقنا مع بوشعيب الحرّيشة لنقله والعودة في اليوم الموالي لإعادته لخيمته أشد ألماً مما كان ! وحين انتقل لبيت أمه امّي حليمة منذ عدة شهور لا يطيق انطفاء الشموع خوفاً من حلكة الظلام التي تذكره بظلمة القبر الذي لم يفكر فيه أبداً . بسبب حبه للحياة وصغر سنه نسبياً إذ لم يبلغ الستين بعد ! لذلك كان يبيت طول الليالي متضرعاً مستذكراً كل أذكار المتعبدين الصوفية . من أمثال آلحمامات آلطوْبيات! آلطالعات فوݣ النخلات ويگولوا آلمولى الروح فنات والهادي بنعيسى ݣالوا مات ! أذكار أخرى تمزق أحشاء القلب . وتعتصر مكنوناته تركتني في حزن وأسى أبديين إلى اليوم ..
كان مجموع ما يمتلكه في النهاية : 300 درهماً لبيعه بعيراً بجمعة سحيم . و 300 درهماً أخرى بعد بيعه نصيبه في جنان ضَاية الرّحبي لسي بوشعيب بن الطاهر كشريك له فيه بعرف المغارسة : أي الثلث للغارس والثلثان لصاحب الأرض .
بدا الجو حزيناً بسبب الخريف واصفرار شمس أكتوبر الكئيبة . بعد صيف قائظ قضيناه في المراعي والحقول نرعى المواشي ونصطاد الطيور . لا نفكر في مصير أبينا ومستقبلنا إلا عندما نجتمع مساءً بالقرب من الكانون . فتحاول أمي المسكينة جس نبضنا بتذكيرنا بغموض المستقبل . وطريقة مواجهة ظروف كانت صعبة لما كان الوالد على قيد الحياة . فما بالك وقد توارى خلف كدى بورجيلات وثرى سيد الضراوي ؟ بدأت أوراق الكروم تتساقط . وثمار الصبار الشوكي تتهاوى . وطيور البساتين والحقول تستعد للرحيل نحو الشمال .. خلت الطريق إلا من ذباب أزرق متثاقل ومتمايل سكراناً لفرط ارتشافه من رحيق ثمار أصابها العفن ونخرتها الدبابير . حين يتجمع فوق قشور الكرموس المنتشرة بجانب سدود ضرݣ خالي عباس وعزوز ولد الصّويري . فلول من المتسوقين على ظهور دوابهم بشواريات شبه فارغة بسبب فقر البوادي وقلة مواردها . تذكرت أيام الطفولة البعيدة حين كنا نجلس بقارعة الطريق لاستدرار عطف هؤلاء الفلاحين البسطاء وهم عائدون من السوق نحو دواويرهم البعيدة : حقّنا من حق وليداتكم ! فيجودون علينا ببعض حبات الفول أو الشريحة أو جزء من رمانة فجرها برَد جبال الأطلس . أو سهول ووديان مرامر بشيشاوة . لتفصح عما بداخلها كي لا تبقى مجرد رمانة مغمّضة !
وصلنا الفيلاج فانحشرنا داخل سيارة الجيلالي المهترئة متراكمين "كعرام تشيش التحتاني ما يعيش" . مقابل درهم واحد حتى خميس الزمامرة . ثم سيارة البيضاوي بثلاثين ريالاً حتى سيدي بنور لطول المسافة . تراءى لي الجّبل لخضر شامخاً شرق سيدي بنور في بلاد العونات . تذكرت حكايات مامّا عن ذلك الجبل الغامض الذي سكنه هدّاوة والمجذّمى . وأيضاً وحوش الطرائد من غزلان وضربان وطيور الحيݣون(ذكر الحجل) حين كان علي البغلي ممثل السلطان يكوّن محلته من الرعاة والخماسين والسلاگ الضارية . وينادي على جدي العسري الشاوي : وا العسيري ! لخوض تجربة القنص الدورية والمكوث هناك لأسابيع . قبل حلول الحصاد والتوجه بالقمح الفائض على مطامير السلطان نحو باب دكالة بمراكش !
التحقنا بعبد الله ولد حميدة بعدما لفظتنا سيارة البيضاوي الشيڤرولي بالقرب من المارشي الحالي . وكان قد اكترى دكاناً على الشارع بعد اتفاق أمي مع خديجة بنت عبد الله على العشرة لكبر سنه ومعرفته بفنون العجن والطبخ . رغم أن ما توفر لنا رخيصاّ آنذاك هو البصَل : البصل في الصّباح والغذاء والمساء.. فتذكرت أغنية جميلة وكئيبة كان يرددها كبور وفاتح وبنخالي ونحن نتسامر ليلا تحت ضوء القمر الوديع . وضباب الليل يبلل ثيابنا المتسخة : غذانا بصلة وعشانا بصلة واش هذ الحصلة . غذانا مطيشة وعشانا مطيشة واش هذ العيشة.. في ذلك الوقت كانت مجرد أغنية نظرية أما الآن فقد أصبحت واقعاً نعيشه بكل جوارحنا ونراه "ري العين " كما يقول الحكواتيون ورواة الألغاز والحجيات ! قليل من الزيت مع القرفة وهالغذا طالع ! يدق علينا عباس خو السي الخلفي صباح مساء لمشاركتنا التغماس رغم ضعف الطالب والمطلوب . وعجزنا عن الاحتجاج لكبر سنه وكونه أخاً لمعلمنا المحترم والقدير باثنين الغربية : سي الخلفي !
ذهبت عند المصور منحني سترة سوداء (فيستا ) لستر قميصي الممزق ولتبدو الصورة جميلة . لا زلت أحتفظ بنسخة منها كشاهدة على عصر من البؤس وظلمات القرون الوسطى . ضيعتُ وصل الأداء . شبعت بكاء وندماً وحنيناً للدوار وأطفاله وعصَافيره الجميلة وروابيه وبساتينه الغناء . دموع حارقة لم تكفكفها سوى قفشات احمد ولد الشايظمي المرحة . خاصةً لما تكسرت ݣنبورة الماء بفعل أقدام عبد الله ولد مهيضرة المتينة لضيق المكان ! هزّنا الما بما للكلمة من معنى قبل استعمالها في السياق القدحي المجازي péjoratif من طرف المغاربة الحاليين . باعنا صاحب الدكان المجاور دفاتر تشبه أوراقها الصفراء الهشة منشفات خو بلهلالي . لا تصلح لشيء ولم نستطع إرجاعها له خوفاً وسذاجة . جاءني خبر نعي أبي بعد أسبوع . بكيت ثم صبرت . سُرقت أمتعتنا . صمدنا إلى آخر رمق . تعلمت العجن والخبز وطبخ الݣاميلة أو الخردولة بدون لحم (الدواز ). تعلمنا الرياضة البدنية : صعود الحبل والقفز العلوي والطولي.. بينما الركض كنا نتقنه في أرجاء الدوار والقاق وسهول مّودنان الفسيحة ونحن نركض خلف أسراب حصيوة والزريع التي لا أول لها ولا آخر . لم تعد اليوم موجودة .
جاء رمضان سريعاً لم نجد بما نسد به الرمق . سجلوا الأطفال اليتامى والفقراء الغرباء . أخذنا نصطف مساءً بجانب الداخلية لاستلام خبزة صاينة مليئة بالزبدة والكوفيتير . لم أتذوق مثل لذتها وحلاوتها لحد اليوم رغم انقطاع تلك العادة اللذيذة مباشرةً بعد انقضاء شهر رمضان الكريم . جاءت عطلة عيد الاستقلال . رجعت للدوار في سعادة غامرة رغم غياب أبي الأبدي . زرت القبر . عرفته بسهولة لحداثة وجدة ترابه . وعدم معرفة نباتات الݣرنينة والكركازة والبسباس طريقاً بعد لاعتلاء ظهره ! وقفت أتأمله قليلاً دون تقديم شكوى ولا اعتذار . وعدته بالمثابرة والصّمود وعدم الاستسلام أمام أي حاجز أو عائق مهما كان . أخذت أستغل العطل للعمل باستماتة في الحقول . وجمع ثمن الركوب والألبسة والكراء . أصبحت مواجهتي لظروف الحياة والدراسة القاسية شيءً بديهياً واعتيادياً لا تتطلب مني أي تفكير إضافي . أدرس وأعمل وأجتهد وأنجح كل سنة . لا يعرف الخوف أو الملل أو الكسل طريقاً إلى نفسي الأمّارة بالسوء ولا المطمئنة ولا اللوّامة حتى اليوم . عندما تنضُج حقول الفول والجلبان وزريعة الكتان بنواحي ثلاث سيدي بنور نرعى فيها كالأنعام أو أضل سبيلا ! يتسلى حاكمونا بقدوم كوكب الشرق أم كلثوم . والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ . وبلبل الشّرق الحزين فريد الأطرش .. بينما لا نجد نحن من يساعدنا أو يواسينا سوى رحمة ربك . فقط احتفالات الدورات الموسيقية والمسرحية الجميلة التي كان يقوم بها التلاميذ والأساتذة تشكل عزاءً لنا . تعلمنا خلالها الكثير وعرفنا قدرة البسطاء والفقراء على تغيير ما بأنفسهم . بل تحقيقهم للإبداع . لن أنسى أبداً التلميذ الأسمر الأنيق النّݣّاد عبد الخالق ولد القزدار . وحيد أبويه حين أدى بكفاءة كبيرة أغنية حكاية غرامي حكاية طويلة لفريد الأطرش . سمعتها لأول مرة وأحببتها بل عشقتها إلى اليوم . كان النݣّاد عاشقا لابنة عمه القزدار أيضا ووحيدة أبويها . تواعدا على الزواج لكن للأسف مات بعد أدائه للأغنية الرّائعة بشهور قليلة أي في ربيع سنة 1968 . ترك أسفا في نفسي إلى اليوم . لم أدر ما حصل بعد ذلك لعائلة النݣّاد . انتقلت إلى أسفي دون نسيان الموضوع . ولا ذكرياتي الجميلة بعاصمة دكالة واولاد بورݣيعة وسيدي امحمد العوني واولاد سي بوحيى والعونات وجمعة مطل وجمعة بني هلال وبني يخلف واولاد رحال..
تحية للجميع
لن أنسىٰ أبداً صَوت ولد امّي عايشة احمد الجّيار وهو يصدح بالغناء على أنغام الكمنجة الحزينة ووقع ضَرب زوجته حليمة على الدّف كل ليلة ثلاثاء لما يكون العشاء فاخرا بلحم الإبل مع زجَاجة من المَارتيني Martini المعتّق :
وا مولاي شݣاݣان
وا جيتي في الذّرعان !
سمّيناه الشّيخ الضّو لشبهه به قلباً وقالباً!

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى