عبد علي حسن - قصيدة النثر العربية مابعد الشرعية

بعد أن نجحت في الدفاع عن شرعية وجودها لم تعد تعيش قصيدة النثر العربية لحظة البرهنة على حقها في الدخول إلى حقل الشعر، بل انتقلت—بحدةٍ ووضوح—إلى مرحلة أكثر صعوبة وهي مرحلة تثبيت الفارق الجمالي بين كونها كتابةً نثرية مكثفة وكونها فعلًا شعريًا يمتلك قوانينه الداخلية وآلياته القابلة للقراءة، فقد كان الجدل المبكر حول الشعرية يدور في الغالب حول الوزن والنسق والقافية، وحين اكتسب الشكل اعترافه النسبي تبدّل مركز الثقل ، فأصبح السؤال ما الذي يجعل قصيدة النثر شعراً لا مجرد نص نثر جميل؟ ومن أين تأتي الموسيقى في غياب العروض؟ وكيف تنتج القصيدة كثافتها دون الوقوع في الوعظ أو التقرير أو التزويق؟ إن أبرز التحديات التي تواجه قصيدة النثر راهنًا ليست تحديات وجودية فحسب، بل تحديات معيارية ومعرفية وذائقة عامة .
ولعل أول هذه التحديات يتمثل في إعادة اختراع الإيقاع بعد فقدان الوزن بوصفه ضمانًا جاهزًا ، فعندما كان المدافعون عن قصيدة النثر يجادلون في شرعيتها، اكتفوا أحيانًا بالإشارة إلى أن الإيقاع ليس وزنًا بالضرورة، بل يمكن أن يتحقق عبر التكرار، أو التوازي، أو الانكسار التركيبي، أو التقطيع الداخلي للجملة، أو عبر نظام الصور الذي يفرض نوعًا من التواتر الدلالي ، غير أن المشكلة اليوم تكمن في أن الكثير من نصوص قصيدة النثر ما زالت تستعير من النثر مساحة الحركة بدون أن تعيد تنظيمها شعريًا ، أي أن النثر يملك بطبيعته انسيابًا وحرية، بينما يحتاج الشعر إلى إلزامٍ داخلي جديد، حتى وإن لم يكن وزنًا تقليديًا ، لذلك يصبح التحدي الأساسي هو كيف تتعلم قصيدة النثر أن تمتلك موسيقاها الخاصة، لا أن تكتفي بكونها نثرًا مكثفًا؟ وهذا يتطلب اشتغالًا تقنيًا دقيقًا على مستويات متعددة: البنية التركيبية، توزيع الجمل، الوقف والعقد، كثافة الروابط، هندسة الفراغ داخل الصفحة، وإيقاع الزمن السردي/الاسترجاعي ، فليس المطلوب أن توجد قصيدة نثر بحركات وزنٍ غير مرئي، بل أن تنتج مسارًا إيقاعيًا يُحسّ حتى في غياب القياس الخليلي .
يتصل بذلك تحدٍ ثانٍ شديد الحساسية هوخطر الاتساع المفرط الذي يهدد النوع نفسه ، فحينما تترسخ مشروعية الشكل، يزداد عدد النصوص التي تطلق على نفسها تسمية “قصيدة نثر” دون أن تستوفي شروط الشعرية ، قد يكون النص جيدًا أدبيًا، لكنه لا يحقق شرط التجربة الشعرية بوصفها بنية دلالية متماسكة ، وهنا يبرز سؤال نقدي جوهري وهو ما الفرق بين قصيدة نثر وقطعة نثرية مكثفة؟ وما هو الحد الفاصل بين نص يلمع ونص يعمل؟ الاتساع يولّد ضبابية في أحكام التلقي، ويُفقد النقد قدرته على التمييز ، لهذا يحتاج الحقل إلى معايير دقيقة لا تُحارب التنوع، لكنها تمنح القارئ والناقد معيارًا عمليًا للفصل، هل اكتسبت اللغة فرادتها عبر الاقتصاد والصورة والالتفاف؟ هل تحوّل الحدث أو الرؤية إلى بنية شعرية لا إلى مادة سردية؟ هل تتوالد الصور وفق منطق داخلي، أم أنها تتكدس تكديسًا زينةً لا أثرًا؟ إن التحدي اليوم ليس رفض الاتساع، بل ضبطه اي تحويل التسمية من مظلة عامة إلى تعيينٍ دقيق لما يحدث داخل النص.
ومن التحديات المركزية أيضًا الانزلاق إلى خطابٍ وعظي أو تقريرّي، حين تصبح قصيدة النثر نوعًا مقبولًا، تميل بعض الكتابات إلى استعماله كمنصة لإصدار المواقف الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية دون هندسة شعرية حقيقية، قد تجد فيها جملًا قوية، وصورًا مطابقة للذائقة، لكنك تشعر—في العمق—أن وظيفة النص الأساسية إبلاغية/ تشرح، تحاكم، تندد، تحرض، أو تطلب ، فالشعرية لا تعادي الفكر ولا تصادم الرؤية، لكنها لا تتحقق عبر استبدال عمل التجربة اللغوية ببيان مباشر ، فالتحدي هنا هو حماية قصيدة النثر من أن تصبح خطابًا في ثوب مكثف ، ان تحويل الرسالة إلى قصيدة يعني أن تُدار الأفكار داخل لعبة التوتر بين الصورة والمعنى، بين الذات والعالم، بين ما يُقال وما يُترك مُعلّقًا ، أما حين تتحول القصيدة إلى وعظٍ مباشر، فإنها تفقد أهم ما يميزها وهو قدرتها على خلق تجربة إدراكية لا مجرد نقل مضمون.
وبالتوازي مع ذلك، يظهر تحدٍ جديد مرتبط بعلاقة قصيدة النثر بالسرد ، إذ أن بعض قصائد النثر تقترب من الحكاية، ومن اللقطة اليومية، ومن السرد الومضي الذي يقوم على مشهد أو حدث صغير ، هذا الاقتراب ليس خطرًا بذاته ، بل قد يكون مكسبًا إذا وُظّف لتكثيف الرؤية ولإنتاج مفارقة زمنية، لكن الخطر يبدأ عندما يختزل النص إلى قصة قصيرة بلا عقدة أو ذكريات مكتوبة بأسلوب شعري أو سردٍ يستهلك إمكاناته في ترتيب الوقائع ، القصيدة لا تستعير السرد كي تنقل أحداثًا وانما تستعير أدواته كي تبني منظورًا وتحوّل الحدث إلى طاقة استعارية، التحدي إذًا هو متى يخدم السرد اشتغال الصورة والفراغ والقطع؟ ومتى يتحول إلى عبء يبدد الغموض الضروري؟ إن قصيدة النثر تحتاج سرديتها لأنها تخدم التوتر بين لحظة الإدراك وزمن اللغة، لا لأنها تملك حبكة.
كما يبرز تحدٍ آخر له علاقة بتحديد حدود النوع ذاته عبر ظاهرة الالتباس مع القصيدة السردية أو القصة القصيرة جدا المنشور سريعًا ، ومع انتشار النشر الرقمي، ظهرت ميول نحو قصائد قصيرة جدًا او نصوص تبدو كأنها تدوينات شعرية كجملة صادمة، أو صورة واحدة، أو تعليق سريع لا يعني ذلك أن القصر عيب، ولا أن الإيجاز مرفوض، لكن المشكلة عندما يُختزل العمل الشعري إلى وميض منفصل عن بنية داخلية، القصيدة—حتى القصيرة—يجب أن تملك ما يشبه هندسة الاستضاءة ، أن تمنح القارئ فعل القراءة بوصفه اكتشافًا، أما إذا بقيت التسمية وحدها هي التي تربط النص بالقصيدة، فإن ذلك يحوّل النوع إلى علامة تسويقية لا إلى تجربة لغوية، هذا التحدي يقتضي إعادة تعريف ما يعنيه التكثيف ، فالتكثيف ليس صِغر الحجم، بل كثافة الوظائف اللغوية: وظيفة الصورة، وظيفة الإيقاع الداخلي، وظيفة المفارقة، وظيفة الكسر والتركيب.
ثم يأتي تحدٍ تقني وثقافي لا يمكن تجاهله وهو التحديثات البصرية والطباعية، وكيفية إدماجها دون فقدان الروح، ففي عصر تتغير فيه ذائقة القراءة بسرعة، قد تصبح التجارب الشكلية (التقطيع الحاد، المسافة البيضاء، ترتيب الأسطر، الكتابة العمودية أو المتداخلة) حيلة أكثر منها بنية دلالية ، ومع ذلك فإن هذه التقنيات يمكن أن تكون شعرية إذا خضعت لمبدأ: أن الفراغ ليس مجرد زينة، بل جزء من الإيقاع والمعنى ، فالتحدي هنا مزدوج وهو كيف يحافظ الشاعر على حضور اللغة داخل الصفحة أو داخل الشاشة دون أن يسقط في لعبة شكلية تسبق المعنى؟ وكيف يتجنب أن يصبح “المرئي” بديلاً عن “المسموع” أو عن “المعنى المركب”؟ إن قصيدة النثر تُعرّف أيضًا بقدرتها على صنع مساحة قراءة، حيث يصبح البياض وقفةً أو انقطاعًا أو امتدادًا زمنياً في ذهن القارئ.
ومن التحديات، كذلك، خطر مأسسة النوع وتحويله إلى قالب جاهز في التعليم والقراءة العامة ، فحين تترسخ قصيدة النثر، تميل المؤسسات النقدية والتعليمية إلى اختزالها في قواعد سريعة: كثافة الصور، غياب الوزن، جمل قصيرة، لغة مجازية، ثم يُصبح هذا الوصف تعريفًا جامدًا لا إطارًا مرنًا ، والتحدي في هذه المرحلة هو حماية الشعرية من التجميد. فقصيدة النثر ينبغي أن تظل قابلة للتغير ، اذ هناك قصيدة نثر تعتمد التكثيف الاستعاري، وأخرى تعتمد السرد الومضي، وثالثة تميل إلى التأمل الحاد، ورابعة تخوض في معجم اليومي. القالب قد ينجز وظيفة تعليمية، لكن إن استُخدم كمعيار وحيد صارم فإنه يقيد التجربة ويقتل التنوع.
أما التحدي الأكثر عمقًا فيكمن في تحول وظيفة النقد نفسه ، في مرحلة الدفاع، كان النقد مطالبًا بإثبات الشرعية عبر الرد على الاعتراضات،و بيان أن الشعر لا يختزل في الوزن ، أما الآن فالمطلوب هو التفسير والتمحيص، أي أن النقد مطالب بأن يجيب على سؤال “كيف تعمل القصيدة؟” بدل الاكتفاء بـ“هل هي شعر أم لا؟”. وهذا يتطلب أدوات قراءة أدق كوصف آليات القصيدة من الداخل، كيف تُبنى الصورة؟ ما وظيفة الاستعارة في إنتاج التوتر لا في مجرد تزيين المعنى؟ كيف يتوزع الزمن في النص؟ ما طبيعة الانزياح النحوي؟ كيف تتشكل وحدة القصيدة ، عبر المشهد /عبر فكرة تتنامى / عبر ظلٍ لغوي يربط المقاطع/ عبر إيقاع داخلي ينتقل من سطر إلى سطر؟ فعندما يفشل النقد في تقديم أدوات، يصبح الكلام عامًا، وتضيع قدرة القارئ على تمييز درجات الشعرية داخل قصيدة النثر.
ولا بد أيضًا من الإشارة إلى تحدٍ ثقافي متعلق بالذائقة العامة نفسها ، حيث نشهد الانتقال من التلقي الإيقاعي التقليدي إلى التلقي الدلالي/الإدراكي، فالمتلقي الذي اعتاد على وزنٍ واضح ربما يواجه صعوبة في تلقي قصيدة النثر بوصفها إيقاعًا غير مرئي، لذلك يحتاج القارئ إلى تدريب ذوقه و تعلم كيف يسمع ما يشبه الموسيقى عبر التوازي والتركيب والتكرار الدلالي ، لكن في المقابل، يحتاج الشاعر إلى ألا يراهن على الغموض بوصفه وحده شرطًا للشعر ، الغموض قد يكون طاقة، لكنه قد يكون أيضًا هروبًا، إذ ان قصيدة النثر عالية القيمة لا تعطي الغموض عوضًا عن البنية، بل تملك غموضًا منتجًا يفتح الطريق أمام التأويل دون أن يهدم إمكانية الفهم ، وهذا تحدٍ مستمر بين طرفين /طرف يطالب بالوضوح السطحي، وطرف يتخذ التعقيد ستارًا .
إذا جُمعت هذه التحديات في محور واحد، فهي تصب في فكرة ان قصيدة النثر بعد الشرعية تحتاج إلى انضباط شعري ، لا يعني الانضباط قمع الاختلاف، بل يعني تأسيس أدوات تضمن أن النص لا يكتفي بتمثيل الشكل، بل يبني شعرية فعلية /الإيقاع الداخلي، معيار الجودة، منع الاتساع العشوائي، إدارة علاقة السرد، كبح الوعظية، توجيه التقنيات البصرية نحو المعنى، مقاومة القالب المدرسي، تطوير النقد من الدفاع إلى التفسير—كلها محاور تصف المعركة الجديدة بعد انتهاء معركة هل يحق لها أن تكون شعرًا؟
و يمكن القول إن قصيدة النثر العربية تملك الآن ما لم تملكه في مراحل سابقة، مساحة قبول اجتماعي ونقدي أوسع، وحضورًا في القراءة والكتابة ، لكن هذا النجاح يحمل معه مسؤوليته وهو أن يظل الشاعر قادرًا على إنتاج فرادة داخل اللغة، وأن يظل الناقد قادرًا على وصف الآليات لا الاكتفاء بالحكم المبدئي، وأن يظل القارئ قادرًا على تمييز النبض الشعري من مجرد التسمية ، حين يحدث ذلك، تتحول قصيدة النثر من خيار شكلي إلى ضرورة جمالية داخل المشهد العربي ، ليس لأنها تنفي الوزن فقط، بل لأنها تقدّم أدوات جديدة لخلق الإيقاع والمعنى معًا، وتمنح اللغة العربية طرقًا أكثر تعقيدًا للتنفس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى