آمال بن الطاهر - الترجمة: خيانةٌ جميلة، أم إنقاذُ ما يوشك أن يضيع؟

مدخل:
فن يعيش على حافة المستحيل: ذهب أهل الصناعة قديماً إلى أن المترجم خائن، وذهبوا حديثاً إلى أنه ضيفٌ يطرق باب لغة لا تملك مفاتيحها كاملة. بين هذين الحكمين - حكم الخيانة وحكم الضيافة - تتأرجح الترجمة منذ أن جرؤ الإنسان على نقل معنىً وُلد في لسانٍ إلى لسانٍ آخر لم يُخلق له. وهي، في جوهرها، ليست حرفة تقنية تُقاس بالمعاجم والقواميس، بل مغامرة وجودية تضع المترجم في موقع الوسيط الحائر بين إخلاصين متنازعين: إخلاص للأصل الذي يوشك أن يفلت من بين يديه، وإخلاص للغة المضيفة التي ترفض أحياناً أن تتسع لغريبٍ عنها. هذا المقال محاولة لإعادة النظر في هذا الفن الملتبس، عبر مساءلة أبرز من فكّروا فيه، من الجاحظ في بغداد العباسية إلى فالتر بنيامين وجاك دريدا وبول ريكور وأمبرتو إيكو في القرن العشرين، وصولاً إلى المنهجيات التطبيقية التي تحاول ترويض هذا الفن المستحيل.
1. الجاحظ، أو حين وضع العرب أول ميثاق أخلاقي للترجمة
لم تكن الحضارة العربية غريبة عن هذا القلق. فحين ازدهرت حركة الترجمة في العصر العباسي، على يد حنين بن إسحاق ومدرسته، لم يفت الجاحظ أن يضع شروطاً صارمة لمن يتصدى لهذه المهمة الخطيرة. اشترط الجاحظ أن تكون معرفة المترجم اللغوية موازية تماماً لمعرفته العلمية بالموضوع الذي ينقله، أي إن الترجمة عنده ليست نقلاً حرفياً للألفاظ بل تحويلاً لمعرفة كاملة من وعاء لغوي إلى آخر. وأبعد من ذلك، رأى الجاحظ أن صعوبة الترجمة تتصاعد كلما ضاق باب العلم المنقول وقلّ العارفون به، وهو ما يجعله يتوجس بشكل خاص من ترجمة النصوص الدينية والفكرية العميقة، حيث يصبح الخطأ أشد وطأة منه في نقل كتب الهندسة والحساب. هذا الوعي المبكر بأن الترجمة معرفةٌ مزدوجة - باللغتين وبالموضوع معاً - يجعل من الجاحظ، على بُعد اثني عشر قرناً، أول من صاغ ميثاقاً أخلاقياً للمترجم لا يزال صالحاً حتى اليوم.
2. بنيامين، أو الترجمة كحياة ثانية للنص:
حين كتب فالتر بنيامين مقالته الشهيرة "مهمة المترجم" عام 1923 مقدمةً لترجمته الألمانية لبودلير، لم يكن يكتب دليلاً عملياً، بل تأملاً فلسفياً كثيفاً غيّر مجرى التفكير في الترجمة برمته. يرى بنيامين أن الترجمة تأتي دوماً بعد الأصل، وأن الأعمال الأدبية الكبرى نادراً ما تجد مترجمها الأمثل في زمن صدورها، بل إن كل ترجمة جديدة إنما تعكس مرحلة من "حياة النص المستمرة" بعد موت لحظته الأولى. بهذا المعنى، الترجمة عند بنيامين ليست نسخة باهتة من الأصل، بل امتداداً حيوياً له، أفقاً جديداً يُفتح للنص كي يستمر في الوجود عبر لغة أخرى. وهذا التصور - الترجمة كحياة لاحقة لا كظل تابع - هو ما جعل نص بنيامين، الذي ظل طويلاً شبه مجهول قبل أن يتحول تدريجياً إلى مرجع أساس في نظرية الترجمة المعاصرة، حجر الزاوية الذي بنى عليه كل من جاء بعده، من دريدا إلى ريكور.
3. دريدا وأبراج بابل، أو حين تتحول الاستحالة إلى شرط للترجمة:
في كتابه "أبراج بابل"، لم يكتفِ جاك دريدا بتحليل أسطورة بابل التوراتية، بل جعل منها مجازاً فلسفياً كاملاً لمأزق الترجمة الجوهري. يقارب دريدا الأسطورة من زاوية ازدواج اسم "بابل"، الذي يحيل في آن واحد إلى اسم علم لمدينة وبرج، وإلى دلالة "البلبلة" التي تفرقت بها الألسنة. وهذا الازدواج بالذات - بين الاسم الخاص الذي يُفترض ألا يُترجم، والمعنى العام الذي يستدعي الترجمة بالضرورة - هو ما يجعل من بابل، عند دريدا، رمزاً لاستحالة الترجمة الكاملة واستحالة الاستغناء عنها في آنٍ معاً. فنحن، كما تقول الأسطورة، وُلدنا بعد بابل، أي وُلدنا داخل شرط التعدد اللغوي الذي يمنع أي لغة من احتكار الحقيقة، ويفرض علينا في الوقت نفسه ضرورة العبور الدائم بين الألسنة. ولم يكن غريباً أن يستعير جورج شتاينر، قبل دريدا، الرمز ذاته حين أسمى كتابه المرجعي عن الترجمة "في إثر بابل" - إذ يبدو أن كل من يفكر بعمق في هذا الفن يجد نفسه، عاجلاً أو آجلاً، أمام ذلك البرج المتصدع.
4. ريكور، أو الترجمة كضيافة لغوية ومحنة للغريب:
أما بول ريكور، فقد نقل السؤال من حقل الأسطورة إلى حقل الأخلاق. في تصوره لما يسميه "الضيافة اللغوية"، يرى ريكور أن المترجم يعيش نوعاً من الانشطار، إذ ينتمي في آن واحد إلى ثقافتين متباعدتين، وعليه أن يبقى وفياً للنص الأصلي مع احترام قواعد التعبير في اللغة المستقبِلة. هذه الازدواجية القاسية هي ما يسميها "محنة الغريب"، ولتوضيحها يقترح ريكور مقارنة مهمة المترجم، كما صاغها بنيامين، بالمعنى المزدوج الذي منحه فرويد لكلمة "عمل" حين تحدث عن عمل الذاكرة وعمل الحداد - فالترجمة، مثل الحِداد، عملية إنقاذٍ جزئي وتعويضٍ عن خسارة لا يمكن إلغاؤها كلياً. ولعل أبلغ ما في تصور ريكور هو رفضه القاطع لفكرة وجود معيار مطلق للترجمة المثالية؛ فالمترجم الذي يطمح إلى إذابة الفرق بين اللغتين كلياً - كما فعل الشاعر الألماني هولدرلين في ترجماته لسوفوكليس - إنما يقترب من الكارثة لا من الكمال، لأن جوهر الترجمة الناجحة ليس محو الاختلاف، بل السكن الكريم داخله.
5. أنطوان برمان وإشكالية "المحك الأجنبي":
في السياق الفرنسي نفسه، قدّم أنطوان برمان مفهوماً محورياً آخر يكمل رؤية ريكور: فكرة "ترجمة الحرف" في مقابل الترجمة التذويبية. يدعو برمان إلى ترجمة تحافظ على غرابة النص الأصلي وأسلوبه، بدل صهره في قوالب اللغة المستقبِلة إلى درجة تمحو كل أثر لكونه ترجمة أصلاً. بهذا المعنى، يقف برمان في مواجهة نزعة "التدجين" التي تسعى إلى جعل النص المترجَم يبدو كأنه كُتب أصلاً بلغته الجديدة، ويدافع بدل ذلك عن حق النص الأجنبي في أن يظل، ولو جزئياً، أجنبياً؛ أن تحتفظ الترجمة بشيء من مقاومتها وخشونتها الأصلية، بدل أن تذوب في سلاسة مصطنعة تخون روح النص الأول باسم تيسير قراءته.
6. إيكو، أو الترجمة كتفاوض لا كتأويل مطلق:
في المقابل، يقدم أمبرتو إيكو - المنظّر والمترجم العملي الذي عايش الترجمة من موقع الروائي الذي تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات - تصوراً أكثر واقعية وأقل مثالية. في كتابه "أن نقول الشيء نفسه تقريباً"، يصف إيكو الترجمة بأنها عملية تفاوض تشبه أي مفاوضة تجارية: يخسر فيها المترجم شيئاً ليربح آخر، ويجد حلولاً مناسبة لنص بعينه قد لا تصلح لنص مختلف. وهذا التصور التفاوضي يميز الترجمة، عند إيكو، عن التأويل بمعناه الواسع: فكل ترجمة هي بالضرورة عملية تأويلية، لكن ليس كل تأويل يرقى إلى مرتبة الترجمة. بمعنى أن المترجم لا يملك رفاهية "الرهان" على معنى واحد نهائي للنص كما يفعل المؤول الحر، بل عليه أن يفاوض، جملة جملة، بين ما يريد أن يقوله الأصل وما تسمح له اللغة الجديدة بقوله - وهي مساومة لا تنتهي أبداً بانتصار كامل لأي طرف.
7. من النظرية إلى الورشة: منهجيات الترجمة وإشكالاتها التطبيقية
إذا انتقلنا من هذا الأفق الفلسفي الرفيع إلى أرضية الممارسة اليومية، نجد أن جميع هذه التصورات النظرية تتكثف عملياً في ثلاث استراتيجيات كبرى يتنازعها كل مترجم في كل جملة يكتبها:
• الترجمة الحرفية، التي تسعى إلى أقصى درجات الدقة في نقل التفاصيل اللغوية والتركيبية، وهي أقرب إلى ما يدافع عنه برمان بمفهوم "المحك الأجنبي"، لكنها معرضة لخطر إنتاج نص متكلف يفتقر إلى الانسيابية، وقد يُخضع اللغة الهدف لبنية اللغة المصدر إخضاعاً قسرياً.
• الترجمة الحرة أو التكييفية، التي تعطي الأولوية للأثر العام والانسجام الثقافي مع القارئ الجديد، فتُقرّب النص من أفق توقعه، لكنها تخاطر - كما يحذر برمان - بمحو الغرابة المُنتِجة للمعنى، وإذابة النص الأصلي في قالب مألوف يفقده خصوصيته.
• الترجمة السياقية أو التأويلية، وهي الأقرب إلى تصور ريكور عن الضيافة اللغوية وتصور إيكو عن التفاوض: لا تنحاز مسبقاً لا للحرف ولا للمعنى العام، بل تزن في كل موضع من النص أي الخسارتين أقل ضرراً - خسارة الشكل أم خسارة الروح - وتقرر بناءً على السياق الثقافي والأدبي والتداولي للنص بأكمله، لا بناءً على قاعدة صارمة مسبقة.
والحقيقة أن أياً من هذه الاستراتيجيات لا يعمل بمعزل عن الأخريات في الممارسة الفعلية؛ فالمترجم الكفء - كما يوحي مثال إيكو المستمد من تجربته الشخصية في ترجمة رواياته إلى لغات متعددة - ينتقل بين هذه المقاربات جملةً بجملة، بل كلمةً بكلمة أحياناً، وفق ما يمليه كل موقف تعبيري على حدة.
خاتمة: في مديح الخسارة الجميلة
يبقى السؤال الذي يفتحه كل هؤلاء المفكرين مفتوحاً على الدوام: هل الترجمة خيانة كما يوحي المثل الإيطالي الشهير "traduttore, traditore"، أم هي - كما تقترح رحلتنا هذه من الجاحظ إلى إيكو - إنقاذٌ جزئي، عملُ حِداد نبيل على معنى يوشك أن يضيع بين لغتين؟ الأرجح أن الجواب يكمن في رفض الثنائية نفسها. فالمترجم ليس خائناً محضاً ولا منقذاً مطلقاً، بل هو ذلك الضيف الذي يطرق باب لغة غريبة عنه حاملاً هدية من لغة أخرى، عارفاً سلفاً أن جزءاً من هديته سيضيع في الطريق، لكنه يمضي بالرغم من ذلك، لأن الخسارة الجزئية أهون كثيراً من الصمت الكامل. وهذه، في نهاية المطاف، هي المفارقة الجميلة التي تجعل الترجمة – على الرغم من كل استحالاتها النظرية التي كشفت عنها بابل ومحنة الغريب وعمل الحداد - فعلاً إنسانياً لا غنى عنه: فعل عبورٍ دائم بين العزلات اللغوية، وجسراً هشاً لكنه لا ينقطع، يصل بين ما لا يلتقي إلا به.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى