مع اقتراب كل موسم انتخابي، يحدث في المجتمع أمرٌ يشبه الهجرة الجماعية للطيور، لكن الفرق أن الطيور تبحث عن الدفء، بينما يبحث بعض المرشحين عن الأصوات. فجأةً يظهر أشخاص لم يُشاهدهم أحد منذ الانتخابات الماضية، فيخرجون من سباتهم السياسي الطويل كما تخرج بعض الكائنات من جحورها بعد أول مطرة.
يتحول المرشح في تلك الفترة إلى كائنٍ متعدد المواهب؛ فهو خبير في الاقتصاد رغم أنه لم ينجح في تدبير دكانه، ومتخصص في التشغيل رغم أن أبناءه أنفسهم ما زالوا يبحثون عن عمل، ومدافع شرس عن البيئة رغم أن أول شجرة زرعها كانت في برنامجه الانتخابي السابق ولم تنبت إلى اليوم إذا لم يقتلع غيرها.
ويبدو أن الوعود الانتخابية تنتمي إلى عالم الفيزياء الخيالية أكثر مما تنتمي إلى عالم السياسة. فهناك من يعد ببناء جسور في أحياء لا أنهار فيها، ومن يعد بموانئ في قرى لا بحر لها، ومن يعد بملاعب ومسابح وحدائق ومناطق صناعية وجامعات ومستشفيات، حتى يخيل للمواطن أنه يعيش في مدينة خيالية.
وقديماً قال خروتشوف إن المرشح يعد بجسور حيث لا أنهار، ولو عاش بيننا اليوم لاكتشف أن بعض المرشحين يعدون حتى بالأنهار نفسها.
أما المواطن، فيعيش خلال هذه الفترة حالةً فريدة من الترفيه المجاني. فكل يوم يسمع خطاباً جديداً، وكل خطاب أكثر طموحاً من سابقه. أحدهم يعد بالقضاء على البطالة، وآخر بالقضاء على الفقر، وثالث بالقضاء على الفساد، حتى يخيل للمرء أن كل مشاكل البلاد ستختفي صباح اليوم التالي للانتخابات كما تختفي ألعاب السيرك بعد انتهاء العرض.
والمثير للسخرية أن بعض المرشحين يتحدثون عن المستقبل بحماسٍ كبير، بينما يعجزون عن تفسير ما فعلوه في الماضي. فإذا سألت أحدهم عن حصيلته خلال السنوات السابقة، انتقل فوراً للحديث عن مشروع عملاق سيُنجز سنة 2050، وكأن المستقبل أصبح الملجأ الرسمي للهاربين من المحاسبة.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المرشح أكثر نشاطاً من المؤثرين. صور مع الأطفال، وصور مع الشيوخ، وصور مع الباعة، وصور مع القطط والكلاب أحياناً. يبتسم للجميع حتى تظن أن البشرية كلها أصدقاء طفولته.
لكن أجمل ما في الانتخابات ليس المرشح، بل ذاكرة المواطن. فقبل الاقتراع يتذكر الجميع الوعود، وبعد الاقتراع يتذكر الجميع الأعذار، وقبل الانتخابات التالية يتذكر الجميع أنهم نسوا كل شيء.
ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي: من سيفوز بالانتخابات؟ بل من سيفوز بجائزة أفضل سيناريو انتخابي؟ ومن سيحصل على جائزة أفضل مؤثر سياسي؟ ومن سيقنع الناس هذه المرة بأن المستقبل المشرق مؤجل فقط إلى ولاية أخرى؟
فالانتخابات في بعض الأحيان تشبه المسرح أكثر مما تشبه التدبير العمومي؛ الستار يُرفع، والخطب تُلقى، والتصفيق يُسمع، ثم ينتهي العرض ويعود الجمهور إلى بيته، بينما تبقى الحفر في الطرقات، والأزبال في الشوارع، والمشاكل في أماكنها تنتظر الموسم الانتخابي المقبل لتسمع وعداً جديداً.
وكما يقول المثل الساخر: لا تقِس المرشح بما يعدك به قبل الانتخابات، بل بما يتذكره بعد الانتخابات
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
يتحول المرشح في تلك الفترة إلى كائنٍ متعدد المواهب؛ فهو خبير في الاقتصاد رغم أنه لم ينجح في تدبير دكانه، ومتخصص في التشغيل رغم أن أبناءه أنفسهم ما زالوا يبحثون عن عمل، ومدافع شرس عن البيئة رغم أن أول شجرة زرعها كانت في برنامجه الانتخابي السابق ولم تنبت إلى اليوم إذا لم يقتلع غيرها.
ويبدو أن الوعود الانتخابية تنتمي إلى عالم الفيزياء الخيالية أكثر مما تنتمي إلى عالم السياسة. فهناك من يعد ببناء جسور في أحياء لا أنهار فيها، ومن يعد بموانئ في قرى لا بحر لها، ومن يعد بملاعب ومسابح وحدائق ومناطق صناعية وجامعات ومستشفيات، حتى يخيل للمواطن أنه يعيش في مدينة خيالية.
وقديماً قال خروتشوف إن المرشح يعد بجسور حيث لا أنهار، ولو عاش بيننا اليوم لاكتشف أن بعض المرشحين يعدون حتى بالأنهار نفسها.
أما المواطن، فيعيش خلال هذه الفترة حالةً فريدة من الترفيه المجاني. فكل يوم يسمع خطاباً جديداً، وكل خطاب أكثر طموحاً من سابقه. أحدهم يعد بالقضاء على البطالة، وآخر بالقضاء على الفقر، وثالث بالقضاء على الفساد، حتى يخيل للمرء أن كل مشاكل البلاد ستختفي صباح اليوم التالي للانتخابات كما تختفي ألعاب السيرك بعد انتهاء العرض.
والمثير للسخرية أن بعض المرشحين يتحدثون عن المستقبل بحماسٍ كبير، بينما يعجزون عن تفسير ما فعلوه في الماضي. فإذا سألت أحدهم عن حصيلته خلال السنوات السابقة، انتقل فوراً للحديث عن مشروع عملاق سيُنجز سنة 2050، وكأن المستقبل أصبح الملجأ الرسمي للهاربين من المحاسبة.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح المرشح أكثر نشاطاً من المؤثرين. صور مع الأطفال، وصور مع الشيوخ، وصور مع الباعة، وصور مع القطط والكلاب أحياناً. يبتسم للجميع حتى تظن أن البشرية كلها أصدقاء طفولته.
لكن أجمل ما في الانتخابات ليس المرشح، بل ذاكرة المواطن. فقبل الاقتراع يتذكر الجميع الوعود، وبعد الاقتراع يتذكر الجميع الأعذار، وقبل الانتخابات التالية يتذكر الجميع أنهم نسوا كل شيء.
ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي: من سيفوز بالانتخابات؟ بل من سيفوز بجائزة أفضل سيناريو انتخابي؟ ومن سيحصل على جائزة أفضل مؤثر سياسي؟ ومن سيقنع الناس هذه المرة بأن المستقبل المشرق مؤجل فقط إلى ولاية أخرى؟
فالانتخابات في بعض الأحيان تشبه المسرح أكثر مما تشبه التدبير العمومي؛ الستار يُرفع، والخطب تُلقى، والتصفيق يُسمع، ثم ينتهي العرض ويعود الجمهور إلى بيته، بينما تبقى الحفر في الطرقات، والأزبال في الشوارع، والمشاكل في أماكنها تنتظر الموسم الانتخابي المقبل لتسمع وعداً جديداً.
وكما يقول المثل الساخر: لا تقِس المرشح بما يعدك به قبل الانتخابات، بل بما يتذكره بعد الانتخابات
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي