محمد رابحي - توجد مشاهد إيروتيكية لا يوجد أدب إيروتيكي

لا نستطيع أن نتحدث عن أدب جزائري إيروتيكي. يمكننا الحديث فقط عن مشاهد إيروتيكية في الأدب الجزائري. علينا أن نعي الفرق بين أدب يقوم على الجنس في مرتكزاته ومقاصده وبين مشاهد إباحية تعبر نسيج الحكاية لكن دون أن تدخل في تحريك وإرساء الرواية ككل متكامل. وربما لذلك تعاني روايتنا من الخلل، فكثير من هذه اللوحات والمشاهد تخفي إلحاحا تختلط فيه الإباحة بالاستباحة، فتتمزق المؤلفات بين أن تقول قضية عامة وبين أن تغوص في لحم الشخصيات.

إن واقعنا مسطح تحت أثقال التخلف، والفرد في بلادنا تبنى الجهل كطريقة وقائية من تطور يخشى عواقبه أو يتوهم أن له عواقب وخيمة. لذلك هو واقع من المستحيل أن ينتج أدبا إباحيا. بحاجة إلى منظومة كاملة تترابط وتتالى. تبدأ بالمجتمع والسلطة وتمر بالقارئ والناشر والمكتبات،، وتنتهي بالكاتب،، حتى يمكنه أن يظهر ويأخذ مساره الطبيعي. على أنه يجدر بنا ألا ننسى أو ننكر بأن الحضارة الإسلامية استطاعت أن تنتج مثل هذا الأدب وفي أوضح صوره شعرا وسردا وفكرا أيضا.

يكتفي الأدب الجزائري والعربي الآن من الخطاب الإباحي بلوحات جنسية زخرفية الغرض الأساسي منها تزيين العمل الروائي، من أجل استدراج القارئ، وتعبيرا لا محالة عن “ثورية” ما بداخل الكاتب. تماما مثلما كانت بدايات هذا الأدب لما استقل بذاته وبمفهومه الحديث خلال القرن الــــ18. ولعل كتابات الماركيز دي ساد خير مثال على ذلك. الفرق بين التجربتين أن الثاني وجد في واقع ذلك الزمن الآليات الأولى التي دعمته ودفعت به إلى الأمام. أي أنه تطور ولم يأخذ غلاف »الموضة«. وإنما بعد أن كان وصفا إكلينيكيا وخطاب رغبة، صار كتابة تبحث في الوجود الحسي للإنسان وتخاطب “عقل” الرغبة. بل تحرر من احتكار الكاتب الرجل لتكتبه المرأة خاصة خلال الثورة الجنسية في سنوات الـ60. فارتبك بين أن يكون صوتا للحركة النسوية وأن يعيد تسليع المرأة في شكل جديد. غير أنه تجاوز المرحلة بتفوق بأن صار هناك نمط إيروتيكي ونمط بورنوغرافي، وفيه ما هو مخصص لقراء رجال وآخر لقارئات نساء، وأرسى له نظرية. بل إنه يعود في السنوات الأخيرة بقوة ولكنه يفقد تسمياته الكلاسيكية ليأخذ أبعادا أخرى تلتقي بالطب والمعارف والفلسفة.

إن كُتابنا مشغولون بكتابة تصاوير الجنس ليس إلا، فأن تكون الظاهرة موجودة على مستوى الواقع ليس كأن توجد ولأول مرة على مستوى الكتابة. فهذا ينقلها من كونها أحداثا خاصة وعابرة وطي الكتمان إلى مرحلة حساسة هي التوثيق. ما قد يجعل منها لدى هؤلاء الكُتاب غاية ينتهي إليها فلا يمكنه بذلك أن يتطور. إن هذا النمط الكتابي في اعتقادي لابد له من تمهيد طريق يبدأ بالتغيير على مستوى الفكر الاجتماعي. ومع أنني لا أدعو إلى أدب جنسي، إلا أنني أرى بأن واقعنا المنحرف الشاذ بحاجة إليه لتقويمه والإرتقاء به من حضيض الكبت.

لا أعتقد أن جرأة كُتابنا كافية لتحرير هذا النمط الحميم، فالقارئ في الغرب أسهم أكثر من الكاتب في تطور هذا الأدب الذي ظل لفترة طويلة يتراوح بين ما يرجوه القارئ من هكذا كتابة وبين نزعات الكاتب الإبداعية والفكرية. مما زاد هذا لاحقا في إثرائه وتعميقه. وهو الأمر الذي يصعب حدوثه في واقعنا حيث تنقطع العلاقة بين قارئ/ كاتب. ناهيك أن القارئ المحتمل يميل إلى المشاهدة أكثر من القراءة سيما إذا ما تعلقت المسألة بالحميم والحسي. بينما لا يمكن للكاتب أن يكون هو ذاته وفي حياته الخاصة موضوعا للجنس، غارقا به حد المرض أو محروما منه حد الانحراف وأن يكون في الوقت ذاته مستقلا عنه ومحيطا به ومحايدا فيه، ومبدعا له.





- عن موقع نفحة



صورة مفقودة
 
أعلى