هشام أصلان - الإغراء العربي في صوره: أسمهان الحارقة مُرتاحة الضمير

بمرارة العشيق المكلوم، يختتم محمد التابعي كتاباً فاتناً عن حياة أسمهان: ".. وأحسست أن شيئا ما وقف في حلقي! ولكني استطعت أن أحبس الدمع وأقول من يدري!!
كنت أعرف وأنا في طريقي إلى السيارة التي ستقلني إلى محطة "اللدّ" ومنها إلى مصر، كنت أعرف أنني صافحت آمال الأطرش لآخر مرة، ووقفت أمامها وجها لوجه لآخر مرة، وأنني لن ألقاها بعد اليوم".


**
احتجت وقتا طويلا لأفهم، كيف لهذه المرأة أن تثير رجلاً أو تصير معشوقة، كيف لها صناعة هالة الجاذبية هذه حولها، وكهربة كل من يتجرأ ويقترب. وأنا الذي لم أكن أقتنع، أبدا، بكلام الرصناء عن أثر حلاوة الصوت والطرب بوصفهما سحرا بين رجل وامرأة، أو الارتكان إلى الحضور الشخصي بوصفه مكملا قويا للأنوثة. الحاسة الجنسية لا علاقة لها بكلام مثل هذا.

هكذا تساءلت، وأنا أتأمل صورة ملونة لأسمهان تحتل غلاف كتاب محمد التابعي، واحترت في تلك السيدة التي لا أراها جميلة، بعكس كل من تعامل معها.

بياض شاحب، وشفاه لا أتصورها بارعة في التقبيل، أو قابلة حتى، للاستسلام بين شفتي رجل، وفي الداخل بعض الصور لجسد محدود، ومتواضع.

استوقفني، بنفس المنطق، كلام الروائي حسن داوود في مقاله ضمن هذه السلسلة، حول تأخره في فهم هند رستم، التي هي وسيط مباشر، في تصوري، للإثارة، بإمكانات جسدية وصوتية، وتعبيرات مطلوقة على "الرايح والجاي".

**

"لا تخدع نفسك في أمرها. إنها لا تحبك، لأنها ما أحبت رجلا في عمرها، ولن تحب صدقني فأنا أعرف الناس بإيملي". تقولها أم أسمهان لمحمد التابعي، في محاولة لإنقاذه من ابنتها، حارقة الرجال.

**
في مراحل أخرى من العمر، يدرك الواحد، أن الفُجر والسفور الذي تفتقده ملامحها، يضفي جلالاً كبيرا على استسلامها لرجل. هو هذا الإغراء القاسي لسيدة يبدو عليها التحفظ، عندما تلمع عيناها لأحدهم، ولو ظن هذا الرجل أنه الفائز بها، تلسعه نارها، كم تلسع رجلاً تلو الآخر بضمير مرتاح.

توليفة نادرة التحقق. وهي من جانب آخر، تعكس المنطق الجدلي، حول قلب الرجل واتساعه أحيانا لأكثر من علاقة، تلك الصفة الذكورية، التي تستاء منها النساء، لكنها تجعلهن ضعيفات أمام هذا الـدونجوان. تتضاعف أثر هذه الصفة عندما تتسم بها امرأة، تلهو بالحياة والرجال دون انكسار، ربما لأنها انكسرت مبكرا ذات مرة. ولو حدث وحالفك الحظ، سوف تفوز، على الأكثر، بمعزّة خاصة، لكنك لن تستطيع امتلاكها. هذا النوع من النساء الذي تتحول لديه صفات السلب إلى أدوات للجاذبية، وتصير أمورا مثل الكذب واللوع وعدم الالتزام إلى طاقات شاحنة للمغناطيس الذي ترتديه. هي تلك السيدة التي تضع رأسها على كتفك، وتحك قدمها في قدم الجالس أمامك، ثم تختار بينكما غير ملتفتة لعتابك البارد، لأنها أدركت أنك تحت سيطرة كاملة.

هذا وهي مجرد سيدة، فما بالك بكونها النجمة الأكثر إثارة للجدل بين فنانات العرب، من ميلادها على السفينة التي هربت بوالدها من تركيا، مرورا بعلاقاتها المتعددة وزواجها من أشهر رجال الفن والصحافة والسياسة، إلى وفاتها المريبة، والكلام عن علاقتها بأعمال المخابرات، ومكانتها بين مطربات العرب، لدرجة مبالغة البعض بتصورهم أن وفاتها المبكرة جاءت إنقاذا لمطربات بحجم أم كلثوم وليلى مراد.


**
أنت كرجل، لن تستطيع مقاومة المحاولة مع فتاة، يقولون لك إنها لا تحب الغناء أمام السيدات، وكمتلقٍ تحب الحياة، يليق بك امرأة أحبها أحمد حسنين باشا.

يقول البعض، إن كتاب التابعي حمل سطورا ماكرة للانتقام من السيدة التي أتعبه حبها، فمرّر كلاما حول حياة لاهية وعشق للشراب، غير أنني أرى في سطور التابعي تخليدا لامرأة تستحق الأسطورة، حتى وإن كانت، بتعبيره، لا تستطيع رؤية الكأس فارغة، ولا تستطيع رؤيتها ممتلة. بل حتى ولو لم تمتلك وجه أو جسد سولاف فواخرجي.

فقط، لو كنت تستطيع، عليك الهروب من وجهها في وجه كل نساء فيينا، لو حالفك الحظ وقضيت هناك بعض الأيام.



(*) هنا الحلقة السابعة من ملف "الاغراء العربي في صوره المتعدّدة"...
 
أعلى