نصار الصادق الحاج - النيلُ يعشقُ القمر وأنا في الأدغالِ أُفتشُ عن مرفأ

يا قمر
النيلُ يفتحُ شُرْفَتَهُ لشعاعٍ يهطلُ منك
لضوءٍ رَبَّتْهُ يداك على جمرِ المسافاتِ
وعلى نارٍ مُقَدَّسةٍ ناوَشَتْهَا الرِّيحُ
طَارَتْ شرارتُ أحجارِهِ سعيراً أيقَظَتْهُ الخياناتُ العابرة.
أيها القمر
بعد قليل
عندما تخرجُ الشمسُ من دوْرَتِها الأخرى
وتطلُّ على شرفات النافذة
سيرحل الغريب
سيمضي إلى الصحراء
الصحراءُ نفسُها التي صنعَ النيلُ على رمالِها أسطورةَ الماء
هي القمر
وهي عاشقةُ النيل
حدَّثتني عن عشقِها الخالد منذ آلاف السنين
قالت بصوتٍ والغٍ في الأنوثةِ والدلال
أن بحرَ الحب داهمها منذ أن جرَفَ النهرُ أعشابها ومضتْ في الماءِ ترش زوابعها، تُمدِّدُ ساقيها مثل طوَّافةٍ تدفعها الريح نحو سدرة المنتهى
حيث تنزل من أدغالها قطراتُ النَّدى زاهيةً تنعشُ الوردة
وهي تواقعُ النهر في جريانه الخالد باللَّذةِ ذاتها لجنون الموج


منذ آلاف السنين
هي نفسُها البنت التي أيقَظَتِ الروحَ من خُذْلانِها
وعانقت الموج على ضفاف نهرِ النيل
فتمدّدَ داخلها شغفاً يمنحها اللذة حين تُنَاجِيهِ تحت صراخ الشهوة بين سكاكين الليل،
عاشَرَها مثل نداء أطلقهُ الطمي وضوء القمر الناهز في سطوته
فتداعي المارد من أقواس الجن وصافحها خلف ضفاف النيل.
ظلَّت أعواماً تتقاسمُ ليل الشهوات برفقة أحلامٍ صنَعَتْهَا من ورد غوايتها
هربت من رجل عادي يأتي للرغبة من دَرَكٍ نَبَذتهُ آلهة اللذة منذ قرونٍ نائيةٍ قبل الأديان وأوراق الحب المصنوع، ذهبت تفتح أكوان الريح وماء النيل وتصعد أعلى قاراتِ الضوء
لذاكَ القمر المتحرِّك مثل أصابعها حين تُشاغبُ وردَتَها ذات الألوان المائية والشرفات العُلويَّة، تخلع سروال الحشمة ترميهِ خلف ستار العتمة.
كانت تجلس في غُرفتها رفقة عشاق من صُنْعِ أُلُوهتِها
غانية تختار مكائدَها معهم
وتُناديهم
تقضِي وطَرَ الأنثى فوق تلال محبَّتهم
وتغادرُ حيث الكون يراقص موج الحريةِ ميداناً للحب ونيرانِ الروح

طرقتُ البابَ بنهرِ الصُّحبةِ مخفيَّاً بين تراب العشق وهمسِ القلب المسكونِ بسحرِ القمر الأزرق
جاءتني بجموحِ النيل وضوءِ القمر الفاسقِ في بهجتهِ
يتبعها صوت الجن المارد خلف موسيقى السَّحَرَة
فتحتْ بابَ الكونْ.
كان يغازلها العشاق كثيراً بحكاياتٍ معطوبة
لكنَّ كمائِنَهَا كانت تحرقهم مثل عناكب يابسةٍ.
جئتُ إليها مدفوعاً بمفاتيح الروح
وغرائبَ لا أعرفها
لكني أعرف قمراً أحببتُ رهانات الضوء تسيلُ كأمواج النيل على عتبات مدائنهِ

قالت حسناً سأضئ البابَ لمقدمِك الزَّاهي القسمات
وأرمي كل جماجم عشاقي المفتونين بأقماري
أرميهم لمياه النيلِ الأزرق قرباناً يمنحك الحظوة إنسياً يدخل محرابي
يعزف لذته في جسدي الغائب أعواماً لم يمْسَسْهُ بشرٌ تصفو الرعشة بين مكائده الزرقاء
ومثلكَ يا مجنوني قالت
أعرف أنك معشوقي الأحلى
نيلٌ بشريٌ
صَنَعَتْهُ دمائي من نهر النيل
وأعرف أنِّي مجنونتك الأحلى
لسنينٍ قادمةٍ ستردِّدُ وحدَكَ أني غانية الشبق الضوئي
لعوبٌ صنعتْ وردَتَها من نهر النيل وضوء القمر الأزرق
أنثى أحلى من كل نساء الكون
ومن آلهةٍ كنَّ يُقدِسنَ الحبَّ
ويرسمنَ جداريات العشق على أحجار التاريخ.

نصار الحاج
 
أعلى