شهيرة احمد - بلاغات النساء و... مبالغاتهنّ

وصفنَ ومدحنَ وافتخرنَ وهجَوْنَ.. ولهنَّ في الشعر مآرب أخرى

رافق الشعر المرأة في جميع حالاتها، في الزواج والطلاق، في الحب والبغض، في المديح والهجاء، في الوصف والرثاء، وفي الفخر والحرب وفي تعاملاتها الاجتماعية في الأسرة وخارجها. إنه دستور جامع مانع لكل ما تشعر به المرأة في كل أدوارها: أنثى وأم وابنه وزوجة وأخت وحبيبة. وهو الكتاب الكبير الذي يضم بين دفتيه ما انطوت عليه صدورهن، وما دار في عقولهن، وما علق في نفوسهن من آلام الهجر والغدر والخيانة. فيه أيامهنّ والوقائع التي شهدنها وربما كان لشعرهن دور في إشعالها، وفيه حبهنّ وحربهنّ ووصفهنّ وهجاءهنّ وأغراض شتى.

في بعض الأحيان كان الشعر سلاح الشاعرة، لسان حالها، والناطق الرسمي باسم قلبها المعذب، المكتوي بنيران الحب أو الفقد أو الثأر أو الهجر. كان الشاهد الصادق على ما يجري لها من تقلبات نفسية ووجدانية أو تغيرات في المكانة أو الموقع الاجتماعي. لهذا تعددت مسببات قوله، ومسوغات نظمه، فليس سوى الشعر يقول الروح عندما تسير على صفيح ساخن وتتقلب على جمر الذات في حضورها وغربتها، في رحيلها وثباتها، في ألقها وانطفائها.

وصّافات

تقدم تجربة الشاعرة الأندلسية حمدة بنت زياد بن بقيّ العوفي أو حمدة الوادياشية التي عرفت بـ “خنساء المغرب” شعراً وفصاحة، واحدة من التجارب الشعرية المهمة التي لم تجد حظها من الشهرة والذيوع كما حدث مع شاعرات أخريات. فهي كتبت في الغزل والحب والعتاب والوصف وتميزت في شعرها، واشتهرت لها قصائد في وصف وادي آش، حيث كانت تسكن ولعلها اشتقت اسمها منه، تقول:

وقانا لفحة الرمضاء وادٍ
سقاه مضاعف الغيث العميمِ
حللنا دوحه فحنا علينا
حنوّ المرضعات على الفطيمِ
وأرشفَنا على ظمأٍ زلالاً
ألذَ من المدامة للنديمِ
يصدّ الشمس أنّى واجهتنا
فيحجبها ويأذن للنسيمِ
تروع حصاه حاليةَ العذارى
فتلمس جانب العقد النّظيمِ

كما وصفت الشواعر العربيات مظاهر الجمال في الطبيعة، والأمكنة التي يقمن فيها سواء كانت بيوت الشعر في الصحراء أو القصور.. لكن وصفهنَّ لم يكن خارجياً فقط وإنما سكبن عليه من مشاعرهن الداخلية وأحوالهنّ النفسية ما أضفى على القصائد جمالاً وحقق لها سوية فنية.

تلخص عائشة الباعونية الدمشقية جمال مدينة دمشق ببلاغة، فهي تشبهها بالجنة وما دامت جنّة، فإن للقارئ أن يتخيل فيها كل جمال. وفي القصيدة يتضح تأثر الشاعرة بوصف الجنّة في المأثور الديني. فالجنة مكان لكل جميل ومفرح، وهكذا دمشق فيها كل ما تشتهي النفس، فلا داعي إذن لسرد تفاصيل الخضرة والحدائق الغناء والغروب والشروق وغير ذلك مما اعتاد الشعراء استحضاره لوصف الجمال:

نزّه الطرف في دمشق ففيها = كـــــل ما تشتهي وما تختــار
هي في الأرض جنة فتأمَّـل = كيف تجري من تحتها الأنهار

وربما سرح بالشاعرة غزال الخيال، وتجلّت، فرأت نفسها من حيث الجمال أهلاً للوصف، فوصفت نفسها وتغزلت بجمالها في شعر عذب. وهو أمر نادر الحدوث بالطبع، فالمرأة هي الموصوفة عادة من قبل الشعراء خاصة لجهة وصف الجمال.

تقول سلمى بنت القراطيسي، وهي شاعرة بغدادية عاشت في عصر المقتفي لأمر الله وكانت مشهورة بجمالها وعفتها:

عيونُ مها الصريم فداء عيني = وأجياد الظباء فداء جيدي
أزيّن بالعقود وإن نحري = لأزين للعقود من العقود
ولو جاورت في بلد ثموداً = لما نزل العذاب على ثمود

ويقال إن هذه الأبيات نقلت إلى المقتفي لأمر الله، فقال لمن نقلوها إليه: اسألوها هل تصدق صفتها قولها. فقالوا له: ما يكون أجمل منها!. فقال لهم: اسألوا عن عفافها. فقالوا: هي أعفّ الناس. فأرسل لها المقتفي لأمر الله مالاً وقال: إنها تستطيع به أن تصون جمالها ورونق بهجتها وعفتها.

وللهجاء عندهنّ نصيب

إلى الشعر لجأت المرأة في كل حالها وأحوالها، عليه اتكأت، وبه مدحت وهجت من أساء إليها. أما الأشخاص الذين كانوا موضوع هجائها فهم في الغالب من الأشخاص المحيطين بها مثل الزوج أو الأخ أو الابن أو الحبيب أو أعداء القبيلة أو شاعر هجاها فردت عليه كما فعلت ليلى الأخيلية مع النابغة الجعدي، والعوراء اليربوعية مع يزيد بن الصعق، وولادة مع ابن زيدون وغيرهن. لكن شعر الهجاء الذي اجترحته النساء يظل نوعاً من التفريغ الانفعالي أو الرد المفحم أو الذكي على الطرف الآخر، ولا يصل إلى مرتبة الشعر بمعناه الفني والجمالي، كما أنه في الغالب الأعم أقل بكثير على المستوى الفني من شعر الهجاء الذي قاله الشعراء الرجال.

تقول عصيمة بنت زيد النهدية، وهي شاعرة جاهلية تزوجت رجلاً من قومها يكنى أبا السميدع واسمه سعيد بن سالم، فأبغضته بغضاً شديداً:

يقولون لم تأخذ عصيمة مهرها
كأن الذي يحلّي عصيمة لاعب
ولو مارسوا ما كنت فيه لأحرجوا
ورائي ولم يطلب إلى المهر طالب
كأن رياحاً من سعيد بن سالم
رياح طبة بالت عليه الثعالب
فإن انفلتُّ منه فإني حبيسة
طوال الليالي ما دعا الله راغب

وإذا كان الشعر غاية المرأة وضالتها في التعبير عن حبها وشوقها، فإنه ضالتها أيضاً في التعبير عن مشاعرها السلبية تجاه من يخطئ بحقها. وهذه حميدة بنت النعمان التي تزوجت أربع مرات تهجو أزواجها الأربعة، وكأن الهجاء صنعتها. وحميدة هذه هي حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، وقيل اسمها حمدة وقيل حمدونة. كان والدها والياً على حمص. تزوجت المهاجر بن عبدالله بن خالد وطلقها فهجته قائلة:

وهل أنا إلاّ مهرة عربية = سليلة أفراس تجللها بغل
فإن أنتجت مهرا كريما فبالحرا = وإن يك إقراف فما أنجب الفحل

ثم تزوجت الحارث بن خالد المخزومي ثم كرهته لتقدمه في السن فقالت:

شنئتُ الشيوخ وأشياعهم = وذلك في بعض أقواليَهْ
ترى زوجة الشيخ مغمومة = وتمسي لصحبته قاليَهْ

فطلقها، ثم تزوجت رَوْح بن زنباع بن سلامة الجذامي فكرهته وهجته قائلة:

سُميتَ روحاً وأنت الغم قد علموا = لا روَّح الله عن روح بن زنباع

فطلقها وقال: “ساق الله إليها فتىً يسكر ويقيء في حجرها”، فتزوجت الفيض بن محمد بن الحكم فكان يسكر ويقيء في حجرها، وكانت تقول “أجيبت فيَّ دعوة روح”، ثم إنها هجت فيضاً أيضاً فقالت:

ألا يا فيض كنت أراك فيضاً = فلا فيضاً أصبت ولا فراتا

وقالت أيضاً:

سُمّيتَ فيضاً وما شيء تفيض به = إلا بسلحكَ بين الباب والدار

والسلح هو القيء. والبيت نفسه يروى بطريقة أخرى:

وليس فيض بفياض العطاء لنا = لكن فيضاً لنا بالقيء فياضُ

ويبدو أن هجاء الزوج كان شائعاً لدى الشاعرات، وفي بعض الحالات تعكس الأشعار جرأة كبيرة على الزوج وترسم صورة قبيحة له، بل وتتمنى الشاعرة لو أنه لم يكن موجوداً في حياتها، فهذه أم صريع الكندية غضبت من زوجها مرة فقالت:

كأنَّ الدار يوم تكون فيها = علينا حفرة ملئت دخانا
فليتك في سفين بني عباد = طريداً لا نراك ولا ترانا
وليتك غائب بالهند عنا = وليت لنا صديقاً فاقتنانا
ولو أنّ النذور تكف منه = لقد أهديتها مئة هجانا

ومثلها امرأة كان زوجها يحضر طعام الحجاج فكتب إليها بذلك، فأجابته معنفة:

أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي = وأنت على باب الأمير بطينُ
غذا غبت لم تذكر صديقاً ولم تقم = فأنت على ما في يديك ضنينُ
فأنت ككلب السوء ضيع أهله = فيهزل أهل البيت وهو سمينُ

والنماذج في هجاء الأزواج وذمهم كثيرة، وربما تبالغ الشاعرة في القول وتذهب بعيداً، فهذه شاعرة اسمها أميمة تتمنى أن لا تتقابل مع زوجها حتى في الآخرة وتفضل عليه النار:

إني ندمت على ما كان من عجبي
وأقصر الدهر عني أيّ إقصارِ
فليتني يوم قالوا أنت زوجته
أصابني ذو نيوب سمّه ضاري
يا رب إن كنت في الجنات مدخلُهُ
فاجعل أميمة رب الناس في النارِ

ومن طرائف الهجاء النسائي ما قالته سعدة بن مزيد لابنها الشاعر الكميت بن معروف بن الكميت حين تزوج امرأة تكرهها:

عليك بأنقاض العراق فقد علتْ
عليك بنَجدينِ النساءُ الكرائمْ
لعمري لقد راش ابن سعدة نفسه
بريش الذنابى لا بريش القوادمْ

وراش أي التصق، وفي البيت هجاء شديد لموقف الابن الذي فضل هذه المرأة على بنات الحسب والنسب حسب ما ترى الأم الشاعرة.

وحين ترغم المرأة الشاعرة على الزواج ممن لا يليق بها ولا يكافئ قبيلتها تلوم أخاها قائلة:

أطال الله شأوك من غلام
متى كانت مناكحنا جذام
أترضى بالأكارع والذنابي
وقد كنا يقرّ بنا السنام

وربما تهجو الشاعرة من كانت تحبه وتقول فيه أجمل الأشعار وأحلاها، كما فعلت الشاعرة الأندلسية ولادة بنت المستكفي التي هجت حبيبها ابن زيدون عندما مال إلى جاريتها، كما هجت آخرين لأسباب عديدة، لكن ما قالته في الهجاء بشكل عام رديء الفحوى، لا يخرج عن كونه نظماً يلتزم صحة الوزن والقافية وقواعد الشعر التقليدية، وهو في لغته وألفاظه وسمته العام لا يشبه شعرها في الحب ورقته وعذوبته، بل إنه يعكس شخصية أخرى أو الوجه الآخر لهذه الشاعرة التي أجادت في شعر الحب أيما إجادة.

ومن الهجاء ما فعل

وقد يكون الهجاء فاعلاً ويحقق غايات الشاعرة وليس مجرد تفريغ عن المشاعر السلبية كما حدث مع عُفَيْرة بنت عبّاد الجَدَسِيّة التي كانت تسمى الشموس، وهي شاعرة جاهلية من أهل اليمامة. حرضت قومها على قتل الملك عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح ملك طسم، بعد أن تمادى في الظلم وأمر أن لا تُزوَّج بكرٌ من قبيلة جديس وتهدى إلى زوجها إلا إذا تزوجها هو أولاً. فتحمل قوم جديس من أمر الملك عاراً وذلاً. ولم يزل يفعل عمليق بهم ذلك حتى زوجت عُفيرة، فأخذوها إلى الملك أولاً. فلما خرجت من عنده شقت ثيابها وصاحت استنكاراً لما فعله عمليق بها، وقالت: “لا أحد أذلّ من جديس أهكذا يفعل بالعروس؟!”، وهجت قومها هجاءً مراً وطلبت منهم أن يكونوا رجالاً بحق ويدافعوا عن أعراضهم:

أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم
وأنتم رجال فيكم عدد الرمل
وتصبح تمشي في الدماء غفيرة
عشية زفت في النساء إلى بعل
ولو أننا كنا رجالاً وكنتم
نساء لكنا لا نقر بذا الفعل
فموتوا كراماً أو أميتوا عدوكم
ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذا
فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
فبعدا وسحقاً للذي ليس دافعاً
ويختال يمشي بيننا مشية الفحل

فلما سمع أخوها واسمه الأسود ذلك وكان سيدا مطاعاً قال لقومه: “يا معشر جديس إن هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا، فأطيعوني فإن ما آمركم به عز الدهر وذهاب ذل العمر واقبلوا رأيي”، فأطاعوه. فأولم للملك ودعاه مع أهله وحاشيته، وقتلوهم.

لكل مقام شعر

كان الشعر بالنسبة للعرب وسيلة التعبير المثلى عما يطرأ في حياتهم أو يواجههم من الأحداث، والغريب أنه كان يأتي عفو الخاطر، صحيح أنه في أحيان كثيرة لم يكن ليرقى إلى سمات الشعر الفنية لكنه نوع من الانفعال الشعري مع الطارئ، يؤدي الغرض ويعبر عن مكنونات النفس. فها هي الشاعرة الأندلسية أم العلاء بنت يوسف الملقبة بالحجارية تهزأ برجل أشيب رغب في الزواج منها، تقول:

الشيب لا يخدع فيه الصبا
بحلية فاسمع إلى نصحي
فلا تكن أجهل من في الورى
يبيت في الجهل كما يُضحي

ومثلها تهزأ حبيبة بنت عبد العزى بالبخل وتذم البخيل حتى لو كان ابنها لأنها فطرت على الكرم وعرفت به بين العرب. وكان لها ابن قانص بخيل اسمه بزّ فأصاب صيداً فجعل لحمه مقدداً وشرائح. وقال لأمه: احفظيه علينا ولا تفرقيه فإن الحر قد اشتد، فأجابته: والله لا أخزن لحماً وما أساكنك أبداً، ورحلت حبيبة تاركة ابنها، فتلكأت ناقتها للإلف لوطنها، فقالت في ذلك:

أإلى الفتى بزٌّ تلكأ ناقتي
غشى مناسمها النجيع الأسودُ
إني ورب الكائنات إلى مِنىً
بجنوب مكة كلهنَّ مقلَّدُ
أوَلي على هُلكِ الطعام أليَّةً
أبداً ولكني أبينُ وأنشدُ
وصى بها جدّي وعلّمني أبي
نفض الوعاء وكل زاد ينفدُ
فاحفظ حَميتَكَ لا أبا لك واحترسْ
لا تخرقنه فأرة أو جدجدُ

والحميت هو الطعام، والجدجد حشرة تشبه الجراد، والمعنى واضح لا يحتاج لا شرح.

وعندما تلمّ بها ضائقة اجتماعية تهرول إلى شعرها، تتخذه سفيراً لها يمثلها عند الأهل أو الأخ ويدافع عنها، وينصرها في قضيتها:

تقول الشاعرة المغربية خديجة بنت أحمد بن كلثوم العامري المعروفة بخدوج (نبغت في الشعر والأدب في أواسط القرن الرابع للهجرة ووصفها ابن رشيق في “الأنموذج” بأنها شاعرة مشهورة) في قصيدة لها تعاتب إخوتها الذين فرقوا بينها وبين من تحب وقتلوا حبيبها:

أأخي الكبير وسيّدي ورئيسي
ما بالُ حظِّيَ منكَ حظُّ نحيسِ
أبغي رضاك بطاعة مقرونةٍ
عندي بطاعة ربِّيَ القُدّوسِ
يا سيدي ما هكذا حكم النَّهى
حَقُّ الرئيسِ الرّفقُ بالمَرؤوسِ
وإذا رضيتَ لي الهوان رضيتهُ
ورأيت ثوب الذُّلِّ خير لبُوس

وثمة متسع في الشعر للشكوى من عقوق الأبناء أو التعريض بزوجة الابن، تقول أم ثواب الهزانية:

ربّيتهُ وهو مثل الفرخ أطعمه
أم الطعام ترى في جلده زغبا
حتى إذا صار كالفحّال شدَّ به
أزاره ونفى عن متنه الكربا
أنشا يمزق أثوابي ويضربني
أبعد شيبي عدي يبتغي الأدبا
إني لأبصر في ترحيل لمّته
وخطّ لحيته في وجهه عجبا
قالت له عرسُهُ يوماً لتُسمِعني
رفقاً فإن لنا في أمنا أربا
ولو رأتني في نار مسعّرة
ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا

ويمكن للشعر أن يترجم غيرة المرأة ويعيد زوجها إليها بسرعة الريح، ففي أخبار الشاعرة هند، وهي زوجة رجل من همدان اسمه عثمان أنها كتب لزوجها قصيدة أطارت صوابه، بعد أن عرفت أنه اشترى فرساً وجارية وسمى الفرس ورداً والجارية حبابة، وألهاه الحب عن العودة كبقية الجند، فكتبت إليه:

لعمري لئن شطّت بعثمان دارُه
وأضحى غنياً بالحبابة والوردِ
ألا فاقره مني السلام وقل له
غنينا بفتيانٍ غطارفةٍ مردِ
بحمد أمير المؤمنين أقرهم
شباباً وأغزاكم خوالف في الجندِ
فما كنتم تقضون حاجة أهلكم
قريباً فيقضوها على النأي والبعدِ
فأرسل إلينا بالسراح فإنه
منانا ولا ندعو لك الله بالرشدِ
إذا رجع الجند الذي أنت منهم
فزادك رب الناس بعداً على بعدِ

فباع الجارية وعاد مسرعاً ليجدها معتكفة على السجود والصلاة، فقال: يا هند أفعلت ما قلتِ؟ قالت: الله أجلّ في عيني وأعظم من أن أرتكب مأثماً، ولكن كيف وجدت طعم الغيرة؟!. وقد تقول المرأة الشاعرة شعراً بالوكالة، فهذه بنت الشاعر لبيد بن ربيعة العامري ترد على هدية جاءت لوالدتها من الوليد بن عبد الملك ومعها بضعة أبيات من الشعر، وقد طلب منها والدها ذلك، فقالت:

إذا هبت رياح ابي عقيل
دعونا عند هبتها الوليدا
أشمَّ الأنف أصيَدَ عبْشمياً
أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركباً
عليها من بني حامٍ قعودا
ابا وهب جزاك الله خيراً
نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معاد
وظني يا ابن أروى أن تعودا
شؤونهنّ الصغيرة

كان الشعر ملازماً للنساء الشاعرات في كل شؤونهن الخاصة، واستوعب يومياتهنَّ وأشياءهنَّ الصغيرة التي تجري في البيوت وخلف الجدران. ومن القصص التي تظهر اتساع أثر الشعر عند العرب وامتداده إلى كل شؤون المرأة الخاصة، ما يروى عن امرأة يزيد بن سنان التي أرقها الشوق والحنين لفراق زوجها الذي طال غيابه في الحرب، وكانت شاعرة فقالت تبث لواعج قلبها:

تطاول هذا الليل فالعيــن تدمـع
وكــل حبيب ذاكـــر لحبيبـه
يرجى لقـاه كل يـوم ويطمع
فذا العرش فرّج ما ترى من صبابتي
فأنت الذي ترعى أموري وتسمع

ولم تذهب كلماتها سدى، فالرواية تذكر أن عبد الملك بن مروان حين سمع هذه الأبيات أمر بألا يبعد المقاتلون عن بيوتهم أكثر من ستة أشهر. وثمة رواية أخرى مشابهة حدثت في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” الذي سمع امرأة تشكو ما تعانيه من آلام الشوق والفراق لزوجها المحارب البعيد عنها، وتقول:

تطاول هذا الليل تسري كواكبه
وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره
لزحزح من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيباً موكلاً
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه

فجزع عمر وذهب إلى السيدة حفصه وسألها عن المدة التي تصبر بها المرأة على فراق زوجها، فقالت له: أربعة أشهر، فأمر الخليفة العادل أن لا يبقى جندي في الحرب أكثر من أربعة أشهر إلا إذا رضيت زوجته.

وهذه شاعرة مجهولة، لم تورد الكتب اسمها، لكنها احتفظت لها بأثرها الشعري هذا، تصف الأسى والعذاب الذي تلاقيه من زوجها، والصدود الذي يقابلها به رغم وفائها وحسن معاملتها له، ولا تجد السلوى إلا في الصبر وهذه الصورة الشعرية الجميلة التي جعلتها تصف محاولاتها في الوصال بمن ينتظر المطر من دون بشائره وهو السحاب:

يا من يلذِّذ نفسه بعذابي‏
ويرى مقاربتي أشدَّ عذابي‏
مهما يلاقي الصابرون فإنهم‏
يؤتون أجرهمُ بغير حساب‏
ما زلت في استعطاف قلبك بالهوى‏
كالمرتجي مطراً بغير سحاب‏

يقال إن المرأة إن كرهت فارقت، لكن في حكايات النساء الشعرية ما يقول غير ذلك، فهذه واحدة من الشاعرات هي أم الضحاك المحاربية، وهي شاعرة جزلة المعاني، صادقة المشاعر، اشتهرت بصراحتها، تصف حبها لطليقها الذي أحبته حبا صادقاً وحميماً فتزوجها ثم طلقها:

يا أيها الراكب الغادي لطيته
عرج أبثك عن بعض الذي أجدُ
ما عالج الناس من وجد تضمنهم
إلا ووجدي به فوق الذي وجدوا
حسبي رضاهُ وإني في مسرته
وودِّهِ آخر الأيام أجتهدُ

وقد حاولت هذه الشاعرة التعزي ونشدت السلوى والنسيان بعد طلاقها لكن بحثها ذهب عبثاً، ولما سئلت عن طليقها قالت:

تعزَّيتُ عن حب الضبابي حقبة
وكل عمايا جاهل ستثوبُ
يقول خليل النفس أنت مريبة
كلانا لعمري قد صدقت مريبُ
وأرْيَبُنا من لا يؤدي أمانة
ولا يحفظ الأسرار حين يغيبُ
ألهفاً بما ضيعت ودّي وما هفا
فؤادي بمن لم يدر كيف يثيبُ

لكن الأغرب من أم الضحاك ما قالته شقراء ابنة الحباب التي أحبت يحيى بن حمزة حباً شديداً، وذات يوم أقدم يحيى على ضرب شقراء فهجرته، ثم حنَّت إليه، وتمنت قربه حتى لو عاد وضربها فحضوره أهم من غيابه:

أأضرب من يحيى وبيني وبينه
تنائف لو تسري بها الريح كلتِ
ألا ليت يحيى يوم عبهل زارنا
وإن نهلت مني السياط وعلَّتِ

ويختلف موقف الشاعرة عمرة بنت الحباب التغلبية من الضرب، فقد لطمها زوجها لبيد بن عنبسة الغساني الوالي على ربيعة من قبل ملوك اليمن حين افتخرت بكليب سيد وائل، فما كان منها، إلا أن ذهبت غاضبة إلى كليب وقالت له:

ما كنت أحسب والحوادث جمة
أنا عبيد الحي من غسانِ
حتى علتني من لبيد لطمةٌ
سُجِرتْ لها من حرّها العينانِ
إن ترضَ تغلبُ وائلٍ بفعالهم
تكن الأذلّة عند كل رهانِ

فخرج كليب إلى لبيد ونازله حتى صدع هامته بالسيف.

ومما يدلل على تسرب الشعر إلى تفاصيل النساء ودوره في شؤونهن أن يكون الشعر وسيلة لاستعادة الغائب واسترجاع الاهتمام الذي أصابه الفتور. يروى أن أم جعفر زوجة هارون الرشيد ضاقت ذرعاً بجارية كان لها حظ وافر من الحسن والجمال، أحبها الرشيد واعتنى بها عناية زائدة. فكان يصطبح معها دائماً مما أزعج أم جعفر، فلجأت إلى الشاعرة علية بنت المهدي أخت الرشيد التي اشتهرت بعذوبة شعرها وغنائها كي تخلصها من هذه المشكلة التي أرقتها، فما كان من عليّة إلا أن قامت إلى شعرها فكتبت أبياتاً جميلة عن الهجر والوصال، وصاغتها في لحن جميل ثم حفظته للجواري اللواتي أتين إلى الرشيد وبدأن الغناء:

منفصلٌ عني وما
قلبي عنه منفصلْ
يا قاطعي اليوم لمنْ
نويتَ بعدي أن تصلْ

وأعجب الرشيد بالكلمات واللحن وطرب وتأثر تأثراً عميقاً وعلى الفور اعتذر لأم جعفر وأخته علية، وفي متون الكتب الكثير من مثل هذه القصص والمواقف التي كان الشعر فيها خلاصاً وعلاجاً شافياً لأوجاع النفوس والقلوب..

أخيراً.. يلاحظ المرء وهو يتنقل بين المعاجم والكتب التي جمعت أشعار الشعراء أنها جمعت كل أصناف الشعر وأنواعه وتنويعاته التي اختلفت باختلاف الغرض الشعري، كما يجد الرجز أو النظم الذي لا روح فيه جنباً إلى جنب مع المتألق والمبهر من الشعر النسائي، حيث يوضع الغث والثمين في سلة واحدة، وتوضع الشاعرات المجيدات المبدعات اللواتي عقدن حلفاً جمالياً مع الشعر مع الناظمات اللواتي نظمن بعض الأبيات في مناسبة أو موقف وكان نظمهن عادياً، مع استثناءات قليلة؟!!.

ويلاحظ قارئ الشعر أن الإجادة والتمكن الفني لم يكونا من نصيب بعضهن، بل إن الشاعرات المجيدات يتفاوتن في حسن الصياغة وجودة الشعر والحرص على التقانات الجمالية والفنية. ومن السهل الانتباه إلى أن بعض من ترجمت لهن المعاجم والكتب المتخصصة بالتراث الشعري العربي لم يقلن سوى نوع من الرجز الرديء أو النظم الذي لا روح فيه. أما الشواعر المكرسات نقدياً والمعروفات في المتون الشعرية العربية فيصنفن من الشاعرات المجيدات أو من الطبقة الأولى من طبقات الشعراء بحسب التصنيفات الشعرية التي دأب النقد العربي القديم على سلوكها في تقييم الشعر والشعراء، ومن هؤلاء الخنساء، ليلى الأخيلية، رابعة العدوية، ولادة بنت المستكفي وغيرهن... ولعل هذه القراءة تسهم في إلقاء الضوء على عوالم شاعرات لم يشتهرن بالقدر نفسه، وعلى اهتماماتهنَّ ومضامينهنّ الإبداعية.

لقد طرقت المرأة باب الشعر والأدب ولها في القول أغراض شتى، بعضها خفي وبعضها صريح، لكنها في كل ما قالت كانت تثبت ذاتها وتعبر عن نفسها وهمومها وتترجم حالها وأحوالها في كل ما يستجد لها وعليها.. ولعلها ألقت ما في جعبتها وتركت أثرها... ومضت.

وفاء حتى الموت

من أطرف ما وقعت عليه من نظم خلال بحثي عن ميراث النساء الشعري في الزمان القديم محاورة بين شاعرة تسمى أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر اليشكرية، وهي شاعرة من شواعر العرب، وزوجها الشاعر غسّان بن جهضم بن العذافر الذي كان مفتوناً بها، فلما حضره الموت قال لها:

أخبريني الذي تريدين بعْدي
والذي تصنعين يا أمَّ عقبه
تحفظيني من بعْد موتي لما قد
كان مني حسْن خُلق وصحبَه
أم تريدين ذا جمالٍ ومُلكٍ
وأنا في النيران في سُحق غربه

فأجابته:

قد سمعنا الذي تقول وما قد
خفته يا خليلُ من أم عقبة
أنا من أحفظ النساء وأرعاها
لما أوليت من حسْن صحبه
سوف أبكيك ما حييت بشجوٍ
ومراثٍ أقولها وبندبه
فلما مات خطبت من كثيرين فقالت:
سأحفظ غساناً على بعد دارهِ
وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشرُ
وإني لفي شغل عن الناس كلهم
فكفوا فما مثلي بمن مات يغدرُ
سأبكي عليه ما حييت بعَبرة
تجول على الخدين مني فتهمرُ

ولما طالت الأيام والليالي تناست عهده، وقالت: من مات مات، وقبلت الزواج من أحد خطابها. فلما كانت الليلة التي سبقت عرسها أتاها غسان في منامها، وقال:

غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة
ولم تعرفي حقاً ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولاً حفاظاً لصاحب
حلفت له بتاً ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه
كذلك يُنسى كل من سكن اللحدا

فهبت من نومها مرتاعة، وقالت: ما بقي لي في الحياة من أرب بعد غسان وأخذت مدية وذبحت نفسها.
فقال زوجها: والله ما كان فيها مستمتع بعد غسان.



هامش: الأشعار مستلّة من المعاجم والكتب التالية:

◆ معجم الشعراء العرب، تأليف: خازن عبود.
◆ شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، جمع: بشير يموت.
◆ ديوان الحماسة لأبي تمام.
◆ أعلام النساء للزركلي.
◆ فصيحات النساء، تأليف: عفّت حمزة.
 
أعلى