محمد بن عبد الرحمن بن عبد المجيد العبيدي - التذكرة السعدية

الباب الثالث
النسيب
قال ابن الدمينة:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجدِ ... لقد زادني مسراكِ وجداً على وجدِ
أأنْ هتفت ورقاءُ في رونق الضحى ... على فننٍ غض النبات من الرندِ
بكيتُ كما يبكي الوليدُ ولم يزلْ ... جليداً وأبديتُ الذي لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجدِ
بكلٍ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاكَ قربُ الدار خيرٌ من البعدِ
على أن قربَ الدار ليس بنافع ... إذا كانَ من تهواهُ ليس بذي ود
للصمة بن عبد الله القشيري:
حننتَ إلى ريا ونفسكَ باعدتْ ... مزاركَ من ريا وشعباً كما معا
فما حسنٌ أن تأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
وأذكرُ أيامَ الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشيةٍ أن تصدعا
وليستْ عشياتُ الحمى برواجعٍ ... عليكَ ولكنْ خل عينيك تدمعا
قال ابن الدمينة:
أما يستفيقُ القلبُ إلا انبرى له ... توهمُ صيفٍ من سعادَ ومربعِ
أخادعُ عن أطلالها العينَ إنه ... متى تعرف الأطلال عينك تدمعِ
عهدتُ بها وحشاً عليها براقعٌ ... وهذي وحوشٌ أصبحتْ لم تبرقعِ
لآخر:
فيا ربَّ إنْ أهلك ولم ترو هامتي ... بليلى أمتْ لا قبرَ أعطشٌ من قبري
وإنْ أَك عن ليلى سلوتُ فإنما ... تسليتُ عن يأسٍ ولم أسلُ عن صبر
وإنْ يكُ عن ليلى غنىً وتجلدٌ ... فربَّ غنى نفسٍ قريبٍ من الفقرِ
لأبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمرُ
لقد تركتني أحسدُ الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعرُ
فيا حبها زدني جوىً كل ليلةٍ ... ويا سلوةَ العشاقِ موعدكِ الحشرُ
عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وله أيضاً:
قد كان صرمٌ في المماتِ لنا ... فعجلتِ قبل الموتِ بالصرمِ
ولما بقيتِ ليبقينَّ جوىً ... بين الجوانحِ مضرع جسمي
ما في الحياة إذا نأيتِ لنا ... خيرٌ ولا للعيشِ من طعمِ
فتعلمي أن قد كلفتُ بكم ... ثم افعلي ما شئتِ عن علمِ
لآخر:
وكنتَ إذا أرسلتَ طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيتَ الذي لا كله أنت قادرٌ ... عليه، ولا عن بعضه أنت صابرُ
قال آخر:
أقولُ لصاحبي والعيسُ تهوي ... بنا بين المنيفةِ فالضمارِ
تمتعْ من شميمِ عرار نجدٍ ... فما بعدَ العشية من عرارِ
ألا يا حبذا نفحاتُ نجدٍ ... وريا روضه بعد القطارِ
وأهلكَ إذْ يحلُّ الحيُّ نجداً ... وأنتَ على زمانك غيرُ زارِ
شهورٌ ينقضينَ وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرارِ
لآخر:
ولما رأيتُ الكاشحين تتبعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظراً شزرا
جعلت وما بي من صدودٍ ولا قلىً ... أزوركم يوماً وأهجركم شهرا
قال ابن هرمة:
استبق دمعك لا يودي البكاءُ به ... وأكففْ مدامع من عينك تستبقُ
ليس الشؤون وإنْ جادت بباقية ... ولا الجفونُ على هذا ولا الحدق
لآخر:
قد كنت أعلو الحبَّ حيناً فلم يزل ... بي النقض والإبرامُ حتى علانيا
لوم أر مثلينا خليلي جنابةٍ ... أشد على رغم العدو تصافيا
خليلين لا نرجو اللقاء ولا ترى ... خليلين إلا يرجوان التلاقيا
للحسين بن مطير:
فيا عجباً للناسِ يستشرفونني ... كأن لم يروا بعدي محباً ولا قبلي
يقولون لي أصرمْ يرجع العقل كله ... وصرمُ حبيبِ النفس أذهب للعقل
ويا عجباً من حب من هو قاتلي ... كأني أجزيه المودة من قتلي
قال ابن الدمينة:
فلما رأت أنْ لا وصالَ وأنه ... مدى الصرم مضروبٌ علينا سرادقهْ
رمتني بطرفٍ لو كمياً رمتْ به ... لبل نجيعاً نحره وبنائقه
ولمحٍ بعينيها كأن وميضه ... وميضُ الحيا تهدي إلى نجد شقائقهْ
قال أبو الطمحان القيني:
ألا عللاني قبل نوح النوائح ... وقبل ارتقاء النفس فوق الجوانح
وقبل غدٍ يا لهف نفسي على غدٍ ... إذا راحَ أصحابي ولستُ برائح
قال آخر:
هل الوجدُ إلاَّ أنَّ قلبي لو دنا ... من الجمرِ قيدَ الرمح لاحترق الجمر
أفي الحق أني مغرم بك هائمٌ ... وأنكِ لا خلَ هواكِ ولا خمرُ
فإنْ كنت مطبوباً فلا زلتُ هكذا ... وإنْ كنتُ مسحوراً فلا برأ السحرُ
قال آخر:
تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملتُ ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لنفسي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قلبي محبٌّ ولا بعدي
لجابر بن الثعلب الجرمي:
ومستخبر عن سر ريا رددته ... بعمياءَ من ريا بغير يقينِ
فقال انتصحني إنني لك ناصحٌ ... وما أنا إنْ خبرته بأمينِ
لآخر:
وكلُّ مصيباتِ الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحبابَ هينة الخطب
لآخر:
فبتنا بين ذاك وبين مسك ... فيا عجباً لعيش لو يدوم
قال:
إذا ما تراختْ ساعة فاجعلنها ... لخيرٍ فإنَّ الدهر أعصلُ ذو شغبِ
فإنْ يك خيرٌ أو يكنْ بعض راحة ... فإنك لاق من هموم ومن كربِ
قال آخر:
أحب الأرض تسكنها سليمى ... وإنْ كانت توارثها الجدوبُ
وما دهري بحب تراب أرض ... ولكن من يحلُّ بها حبيبُ
أعاذلَ لو شربت الخمر حتى ... يكون لكل أنملة دبيبُ
إذنْ لعذرتني وعلمتِ أني ... لما أتلفتُ من مالي مصيبُ
لآخر:
ونبئتُ ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إليّ فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أمْ كنتُ امرءاً لا أطيعها
لآخر:
أبتِ الروادف والثدي لقمصها ... مسَّ البطونِ وأن تمس ظهورا
وإذا الرياحُ مع العشي تناوحتْ ... نبهنَ حاسدة وهجن غيورا
لبكر بن النطاح:
بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ فرعها ... وتغيبُ فيه وهو وحفٌ أسحمُ
فكأنما فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ
قال آخر:
تأملتها مغترةً فكأنما ... رأيتُ بها من سنة البدر مطلعا
إذا ما ملاءت العين منها ملأتها ... من الدمعِ حتى أنزفَ الدمع أجمعا
لكثير:
وددتُ وما تغني الودادةُ أنني ... بما في ضمير الحاجببة عالم
فإنْ كان خيراً سرني وعلمته ... وإن كان شراً لم تلمني اللوائم
وما ذكرتكِ النفس إلا تفرقتْ ... فريقين منها عاذرٌ لي ولائم
وله أيضاً:
وأنتِ التي حببتِ شغباً إلى بدا ... إليَّ وأوطاني بلادٌ سواهما
إذا ذرفتْ عيناي أعتل بالقذى ... وعزةُ لو يدري الطبيبُ قذاهما
وحلت بهذا حلةً ثم أصبحتْ ... بأخرى فطابَ الواديان كلاهما
قال النميري:
تضوعِ مسكاً بطنُ نعمانَ إنْ مشتْ ... به زينبٌ في نسوةٍ عطراتِ
لكثير:
عجبتُ لبرئي منكئاً عز بعدما ... عمرتُ زماناً منكِ غير صحيحِ
فإنْ كان برءُ النفس لي منك راحةً ... فقد برئت إن كان ذاك مريحي
تجلى غطاءُ الرأس عني ولم يكدْ ... غطاءُ فؤادي ينجلي لسريحِ
لنصيب:
لقد هتفت في جنح ليلِ حمامةٌ ... على فننٍ وهناً وإني لنائمُ
كذبتُ وبيت اللهِ لو كنتُ عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاءِ الحمائمُ
لدعبل الخزاعي:
ولما أبى إلا جماحاً فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمالٍ ولا أهلِ
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
قال آخر:
ولما بدا لي منك ميلٌ مع العدى ... سواي ولم يحدثْ سواك بديلُ
صددتُ كما صد الرمي تطاولتْ ... به مدةُ الأيام وهو قتيلُ
لآخر:
أحباً على حبٍ وأنتِ بخيلةٌ ... وقد زعموا أنْ لا يحبَّ بخيل
وإن بنا لو تعلمينَ لغلةً ... إليك كما بالحائماتِ غليل
قال آخر:
إذا كان لا يسليك عمن تودهُ ... تناءٍ ولا يشفيك طولُ تلاقِ
فهل أنتَ إلا مستعيرٌ حشاشةً ... لمهجة نفسٍ آذنتْ بفراقِ
لإبراهيم بن جناب الكلبي:
إذا ما شئتَ أنْ تسلى حبيباً ... فأكثرْ دونه عدد الليالي
فما سلى خليلك مثلُ نأيٍ ... ولا بلى جديدك كابتذالِ
لكثير:
وأدنيتني حتى إذا ما ملكتني ... بقولٍ يحلُّ العصم سهل الأباطحِ
تناهيتِ عني حين لا لي حيلةٌ ... وغادرتِ ما غادرتِ بين الجوانحِ
لعمارة بن عقيل:
تعرضنَ مرمى الصيد ثم رميننا ... من النبل لا بالطائشاتِ الخواطفِ
ضعائف يقتلنَ الرجالَ بلا دمٍ ... فيا عجباً للقاتلاتِ الضعائفِ
وللعين ملهىً في التلادِ ولم يقدْ ... هوى النفسِ شيءٌ كاقتيادِ الطرائفِ
قال آخر:
لئن كان يهدي بردُ أنيابها العلى ... لأفقر مني إنني لفقيرُ
فما أكثر الأخبارَ أن قد تزوجتْ ... فهل يأتيني بالطلاقِ بشيرُ
قال آخر:
يقر بعيني أن أرى رملة الغضا ... إذا ما بدتْ يوماً لعيني تلالها
ولستُ وإنْ أحببتُ من يسكن الغضا ... بأول راج حاجةً لا ينالها
قال ابن الدمينة:
سلي البانة الغناءَ بالأجرعِ الذي ... به البانُ هل حييتُ أطلالَ داركِ
وهل قمتُ في أظلالهنَّ عشيةً ... مقامَ أخي البأساء واخترتُ ذلك
وهل هملت عيناي في الدار غدوةً ... بدمعٍ كنظم اللؤلؤ المتهالكِ
أرى الناسَ يرجونَ الربيعَ وإنما ... ربيعي الذي أرجو نوالِ وصالك
أرى الناس يخشونَ السنين وإنما ... سنيَّ التي أخشى صروفَ احتمالك
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ... ورقراقُ عيني رهبةً من زيالك
فلو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضىً لك أو مدنٍ لنا من وصالك
لتوبة بن الحمير:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمتْ ... عليَّ ودوني تربةٌ وصفائح
لسلمتُ تسليمَ البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائحُ
وأغبطُ من ليلى بما لا أناله ... ألا كل ما قرت به العين صالحُ
ولو أن ليلى في السماء لصعدتْ ... بطرفي إلى ليلى العيونُ الكواشحُ
قال نصيب:
كأن القلب ليلةَ قيلَ يغدى ... بليلى العامرية أو يراحُ
قطاةٌ غرها شركٌ فباتتْ ... تجاذبه وقد علق الجناحُ
قال أبو حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... ونحن بأكناف الحجاز رميمُ
فلو أنها لما رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضالِ قديمُ
قال آخر:
أسجناً وقيداً واشتياقاً وعبرةً ... ونأي حبيب إنَّ ذا العظيمُ
وإنَّ امرءاً دامت مواثيقُ عهده ... على مثلِ ما لاقيته لكريم
لآخر:
فواللهِ ما هذا أزيدت ملاحةً ... وحسناً على النسوان أم ليس لي عقل
قال أبو دهبل الجمحي:
أأتركُ ليلى ليس بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذاً لصبورُ
عفا الله عن ليلى الغداةَ فإنها ... إذا وليتْ حكماً علي تجورُ
قال أبو بكر بن عبد الرحمن الزهري:
ولما نزلنا منزلاً طلهُ الندى ... أنيقاً وبستاناً من النور حاليا
أجد لنا طيبُ المكان وحسنه ... منىً فتمنينا فكنتِ الأمانيا
لمعدان بن المضرب العبدي:
صفا ود ليلى ما صفا ثم لم تطعْ ... عدواً ولم تسمع به قيل صاحبِ
فلما تولى ود ليلى لجانب ... وقوم تولينا لقوم وجانب
قال ابن الدمينة:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدرِ كيف يجيب
ولم يعتذر عذرَ البريء ولم يزل ... به سكتةٌ حتى يقال: مريبُ
قال آخر:
لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا ... بداراءَ إلا أنْ تهب جنوب
أعاشرُ في داراء من لا أحبه ... وبالرمل مهجورٌ إليَّ حبيب
إذا هب علويُّ الرياح وجدتني ... كأني لعلويِّ الرياح نسيب
قال آخر:
هل الحب إلا زفرةٌ بعد زفرة ... وحرٌّ على الأحشاء ليس له بردُ
وفيضُ دموع العين يا مي كلما ... بدا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو
لآخر:
يقول العدى لا باركَ الله في العِدى ... قد أقصر عن ليلى ورثت وسائله
ولو أصبحت ليلى تدبُّ على العصا ... لكانَ هوى ليلى جديداً أوائله
لآخر:
وما في الدهر أشقى من محب ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكياً في كل وقت ... مخافة فرقة أو لاشتياق
ليزيد بن الطثرية:
أيا خلة النفس التي ليس دونها ... بها من أخلاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبه لم يطع به ... عدوٌ ولم يؤمنْ عليه دخيل
أما من مقام أشتكي غربةَ النوى ... وخوفَ العدى فيه إليك سبيلُ
أليس قليلاً نظرة إنْ نظرتها ... إليك وكلاً ليس منك قليل
فديتك أعدائي كثيرٌ وشقتي ... بعيدٌ، وأشياعي لديك قليلُ
وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فيكف أقولُ
فما كل يوم لي بأرضك حاجةٌ ... ولا كل يوم لي إليك رسولُ
صحائفُ عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوماً والعتابُ طويلُ
فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفةٌ ... فحمل دمي يوم الحسابِ ثقيلُ
قال آخر:
ما أحدثَ النأيُ المفرقُ بيننا ... سلواً ولا طولُ اجتماع تقاليا
خليلي إلا تبكيا لي أستعنْ ... خليلاً إذا أفنيتُ دمعاً بكى ليا
كأنْ لم يكن بينٌ إذا كانَ بعده ... تلاقٍ ولكن لا إخالُ تلاقيا
لعبيد الله بن عبد الله الهذلي:
شققتِ القلبَ ثم ذررتِ فيه ... هواكِ فليمَ فالتأم الفطورُ
تغلغل حبُّ عثمة في فؤادي ... فباديه، مع الخافي يسيرُ
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرورُ
لابن ميادة:
وما أنسَ ملْ أشياء لا أنسى قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحلِ
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهينٌ بأيام الشهور الأطاولِ
لآخر:
بيضاء آنسةُ الحديث كأنها ... قمرٌ توسط تحت جنحٍ مبرد
موسومةٌ بالحسن ذاتُ حواسد ... إنَّ الحسانَ مظنة للحسد
وترى مدامعها ترقرقُ مقلة ... سوداءَ ترغبُ عن سواد الأثمد
لحسين بن مطير:
وكنتُ أذودُ العين أنْ تردَ البكا ... فقد وردتْ ما كنتُ عنه أذودها
خليليَّ ما بالعيش عتبٌ لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها
ولي نظرةٌ بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيبَ وليدها
هل الله عافٍ عن ذنوبٍ تسلفت ... أم اللهِ إنْ لم يعفُ عنها يعيدُها
قال آخر:
أهابكِ إجلالاً وما بك قدرةٌ ... عليَّ ولكن ملءُ عين حبيبها
وما هجرتكِ النفسُ أنك عندها ... قليلٌ ولكن قلَّ عندي نصيبها
قال لآخر:
لكِ الله، إني واصلٌ ما وصلتني ... ومثنٍ بما أوليتني ومثيبُ
وآخذُ ما أعطيتِ عفواً وإنني ... لأزورُ عما تكرهين هيوبُ
فلا تتركي نفسي شعاعاً فإنها ... من الوجد قد كادت عليك تذوبُ
وإني لأستحيكِ حتى كأنما ... عليَّ بظهر الغيب منكِ رقيبُ
لآخر:
وما شنتا خرقاءَ واهية الكلى ... سقى بهما ساقٍ فلم يتبللا
بأضيعَ من عينكِ للدمع كلما ... توهمتَ ربعاً أو تذكرت منزلا
لأبي الشيص الخزاعي:
وقفَ الهوى بي حيث أنتِ فليس لي ... متأخرٌ عنه ولا متقدمُ
أجدُ الملامة في هواكِ لذيذةً ... حباً لذكركِ فليلمني اللومُ
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبهم ... إذْ صارَ حظي منك حظي منهمُ
وأهنتني فأهنتُ نفسي صاغراً ... ما منْ يهون عليك ممن أكرمُ
لآخر:
أما والراقصاتِ بذاتِ عرقٍ ... ومنْ صلى بنعمانِ الأراك
لقد أضمرتُ حبكِ في فؤادي ... وما أضمرتُ حباً من سواكِ
أطعتِ الآمريكِ بصرم حبلي ... مريهم في أحبتهم بذاكِ
فإنْ هم طاوعوكِ فطاوعيهم ... وإنْ عاصوكِ فاعصي من عصاكِ
أبو القمقام الأسدي:
اقرأ على الوشلِ السلامَ وقل له ... كلُّ المشارب مذ هجرتَ ذميمُ
سقياً لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائكَ والمياهُ حميمُ
لو كنتُ أملك منعَ مائك لم ينلْ ... ما في قلاتك ما حييتُ لئيمُ
قال ابن الدمينة:
وأنتِ التي كلفتني دلج السرى ... وجونُ القطا بالجلهتين جثومُ
وأنتِ التي قطعتِ قلبي حزازة ... وقرفتِ قرحَ القلب فهو كليمُ
وأنتِ التي أحفظتِ قومي كلهم ... بعيدُ الرضا داني الصدود كظيمُ
فأجابته أمامة:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمتَّ بي من كان فيك يلومُ
وأبرزتني للناس حتى تركتني ... لهم غرضاً أرقى وأنت سليمُ
فلو أنَّ قولاً يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلومُ
لابن الدمينة:
وإذا عتبتِ عليَّ بتُّ كأنني ... بالليل مختلس الرقاد سليمُ
ولقد أردتُ الصبرَ عنك فعاقني ... علقٌ بقلبي من هواكِ قديمُ
يبقى على حدثِ الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريمُ
قال جميل:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشقُ
نعم صدقَ الواشون أنت كريمةٌ ... علينا وإنْ لم تصفُ منك الخلائقُ
يضمُّ علي الليلُ أطباقَ حبها ... كما ضم أزرارَ القميص البنائقُ
قال آخر:
وما برحَ الواشون حتى ارتموا بنا ... وحتى قلوبٌ عن قلوب صوادفُ
وحتى رأينا أحسرَ الوصل بيننا ... مساكتةٌ لا يقرفُ الشر قارفُ
لآخر:
فإنْ ترجعِ الأيامُ بيني وبينها ... بذي الأثل صيفاً مثل صيفي ومربعي
أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إنْ جاذبتها لم تقطعِ
قال زياد بن جميل:
رويقَ إني وما حجَّ الحجيجُ له ... وما أهلَّ بجنبي نخلة الحرمُ
لم ينسيني ذكركم مذ لم ألاقكم ... عيشٌ سلوتُ به عنكم ولا قدمُ
ولم يشارككِ عندي بعدُ غانيةٌ ... لا والذي أصبحتْ عندي له نعمُ
قال عمرو بن ضبيعة الرقاشي:
تضيقُ جفونَ الصبر عن عبراتها ... فتسفحها بعد التجلد والصبرِ
وغصةِ صدر أظهرتها فرفهتْ ... حزازة حرٍ في الجوانح والصدرِ
ألا ليقلُ من شاءَ ما شاء إنما ... يلامُ الفتى فيما استطاع من الأمر
قضى الله حبَّ المالكية فاصطبر ... عليه فقد تجري الأمورُ على قدرِ
لمرداس بن همام الطائي:
هويتكِ حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لامني كلُّ صاحبِ
وحتى رأى مني أدانيكِ رقةً ... عليهم ولولا أنتِ ما لانَ جانبي
ألا حبذا لوماً الحياءُ وربما ... منحتُ الهوى من ليس بالمتقاربِ
بنفسي ظباءٌ من ربيعة عامر ... عذابُ الثنايا مشرفاتُ الحقائبِ
لبعض بني أسد:
تبعتُ الهوى يا طيبُ حتى كأنني ... من أجلك مضروس الجرير قؤودُ
تعجرفَ دهراً ثم طاوع أهله ... فصرفه الرواضُ حيث تريدُ
وإنَّ ذيادَ الحبّ عنك وقد بدتْ ... لعيني آياتُ الهوى لشديدُ
وما كلُّ ما في النفس للناس مظهر ... ولا كل ما لا تستطيع نذودُ
وإني لأرجو الوصلَ منكِ كما رجا ... صدِي الجوفِ مرتاداً كداهُ صلودُ
وكيف طلابي وصلَ من لو سألته ... قذى العين لم يطلبْ وذاك زهيدُ
ومن لو رأى نفسي تسيلُ لقالَ لي ... أراكَ صحيحاً والفؤادُ جليدُ
قال آخر:
إني وإياكِ كالصادي رأى نهلاً ... ودونهُ هوة يخشى بها التلفا
رأى بعينيه ماءً عزَّ موردهُ ... وليس يملكُ دونَ الماء منصرفا
قال آخر:
وإني على هجران بيتكِ كالذي ... رأى نهلاً رياً وليس بناهلِ
يرى بدر ماءٍ زيدَ عنه وروضةً ... برودَ الضحى فينانةً بالأصائلِ
لآخر:
منىً إنْ تكنْ حقاً تكنْ أحسن المنى ... وإلاَّ فقد عشنا بها زمناً رغدا
قال آخر:
خليليَّ أمسى حبَّ خرقاءَ عامدي ... ففي القلب منه وقرةٌ وصدوعُ
ولو جاورتنا العام خرقاءُ لم نبلْ ... على جدبنا إلاَّ يصوبَ ربيعُ
قال آخر:
ألمّا على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشاً مقيلها
وإنْ لم يكنْ إلا معرجَ ساعة ... قليلاً فإني نافعٌ لي قليلها
قال آخر:
ماذا عليك إذا خبرتني دنفاً ... رهنَ المنية يوماً أنْ تعودينا
أو تجعلي نطفةً في القعبِ باردةً ... وتغمسي فاكِ فيها ثم تسقينا
قال جميل بثينة:
بثينةُ ما فيها إذا ما تبصرتْ ... معابٌ ولا فيها إذا نسبتْ أشبُ
لها النظرةُ الأولى عليهم وبسطةٌ ... فإنْ كرتِ الأبصارُ كان لها العقبُ
إذا ابتذلتْ لم يزرها تركُ زينة ... وفيها إذا ازدانت لذي نيقة حسبُ
قال آخر:
تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناسِ أشجانٌ ولي شجنٌ وحدي
أحبهمُ ما دمتُ حياً فإنْ أمتْ ... فوا كبداً ممن يحبكمُ بعدي
قال الحارثي:
سلبتِ عظامي لحمها فتركتها ... مجردةً تضحى إليكِ وتخصرُ
وأخليتها من مخها فتركتها ... أنابيبَ في أجوافها الريحُ تصفرُ
إذا سمعتْ باسم الفراقِ تقعقعتْ ... مفاصلها من هولِ ما تتنظرُ
خذي بيدي ثم أنهضي بي تبيني ... بي الضرَّ إلاَّ أنني أتسترُ
فما حيلتي إنْ لم تكن لكِ رحمةٌ ... عليَّ ولا لي عنك صبرٌ فأصبرُ
وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها نفسٌ تذوبُ فتقطرُ
فوالله ما قصرتُ فيما أظنه ... رضاك ولكني محبٌّ مكفرُ
لعارق الطائي:
ألا حيِّ قبل البين من أنتَ عاشقهُ ... ومن أنتَ مشتاقٌ إليه وشائقهْ
ومن لا تواتي داره غير فينة ... ومن أنتَ بكي كلَّ يوم تفارقهْ
قال آخر:
أحبك حباً لا أعنفُ بعده ... محباً ولكني إذا ليمَ عاذرهُ
وكفكفتُ دمعي إنْ يكون طليعة ... على سرِّ نفسي حين ينهلُّ قاطرهُ
لآخر:
أفي كل عامٍ منجدون ومتهمُ ... وفي كلّ عام رحلةٌ ومسيرُ
وكنتُ أرى ألاَّ تفرقَ بيننا ... ولكنما الدنيا الغرور غرورُ
دخولك من باب الهوى إن دخلته ... يسيرٌ ولكنَّ الخروجَ عسيرُ
لآخر:
لقد آذنتْ بالبين هيفاءُ ليتها ... به آذنتنا والفؤادُ جميعُ
وإني وإنْ واجهن.... ... لكالسيف يبلى الجفن وهو صنيعُ
أرجي شباباً بعد خمسين حجة ... لهني في لا مطمعٍ لطموعُ
لآخر:
لقد كانت الأيامُ إذْ نحنُ باللوى ... تحسنُ بي لو دامَ ذاك التحسنُ
ولكنّ دهراً بعد ذاك تقلبتْ ... لنا من نواحيه ظهورٌ وأبطنُ
وإني على أن قد تعزيتُ بعدكم ... وأعرضتُ حتى كاد ذو الضغن مبطنُ
لكالدنفِ المنبي العوائدَ إنه ... إلى صحة مما به وهو مثخنُ
لمهدي بن الملوح:
سقى بلداً أمستْ سليمى تحله ... من المزنِ ما تروي و ... وتسيمُ
وإنْ لم أكنْ من قاطنيه فإنه ... يحل به شخصٌ عليَّ كريمُ
ألا حبذا من ليس يعدلُ قرنه ... لديَّ وإنْ شطَّ المزارُ نعيمُ
ومن لامني فيه حبيبٌ وصاحبٌ ... فردَّ بغيظٍ صاحبٌ وحميمُ
قال آخر:
تبدتْ فقلتُ الشمس عند طلوعها ... بجلد غني اللون عن أثر الورسِ
فلما كررتُ الطرفَ قلتُ للصاحبي ... على مرية: هاهنا مطلع الشمس
قال آخر:
ألا إنّ..... دونه قلل الحمى ... مني النفس لو كانت تنال شرائعهْ
أريتكَ أن شطتْ بك العام نيةٌ ... وغالك مصطافُ الحمى ومرابعهْ
لبيهس الأعيري:
ألم تر ظمياء الشباك تبدلتْ ... بديلاً وحلتْ حبلها من حباليا
بنفسي وأهلي من لو أني وجدته ... على البحر فاستسقيته ما سقانيا
ومنْ لو رأى الأعداء ينتضلونني ... لهم غرضاً يرمونني لرمانيا
ومن لو عصيتُ الناسَ فيه جماعةً ... وصرمتُ خلاني له لجفانيا
أعد الليالي ليلةً بعد ليلة ... للقيان لاه لا يعدُّ اللياليا
لمرداس بن أبي عامر:
وخلتْ سليمى في هضابٍ وأيكةٍ ... فليس عليها يوم ذلك قادرُ
وألقتْ عصاها واستقرتْ بها النوى ... كما قر عيناً بالإيابِ المسافرُ
لسوار بن مضرب:
تغنى الطائرانِ ببين سلمى ... على غصنين من غربٍ وبانِ
فكانَ البانُ أنْ بانتْ سليمى ... وفي الغرب اغترابٌ غيرُ دانِ
لخليفة بن روح الأسدي:
فسلْ أمَّ سهل هل كاعهدها الغنى ... ومالٌ حوته بعدنا وخليل
وباللهِ سلها هل تطاول ليلها ... كما الليلُ مذ غابتْ عليَّ يطولُ
لسماعة الأسدي:
أيا عاذلي لولا نفاسةُ حبها ... عليك لما باليتُ أنك خابرهُ
وكنتُ إذا استودعتُ سراً طويتهُ ... بحفظٍ إذا ما ضيعَ السرَّ ناشرهُ
وإني لأعرى بالمغيبة صاحبي ... حياء كما أرعاهُ حين أحاضرهُ
وقد كانَ قلبي في حجاب يكنه ... فحبك من دون الحجاب نباشرهُ
لمهاجر بن عبيد الأسدي:
أجنُّ إلى ليلى وأحسبُ أنني ... كريمٌ على ليلى وغيري كريمها
أإنْ آثرتْ بالودَ أهلَ بلادها ... على نازح من أرضها لا ألومها
فلا يستوي منْ لا يرى غير لمة ... ومن هو ثاو عندها لا يريمها
لجميل:
أظنُّ هواها تاركي بمضيعة ... من الأرض لا مالٌ لديَّ ولا أهْلُ
ولا أحدٌ أوصي إليه وصيتي ... ولا وارثٌ إلا المطيةُ والرحلُ
قال آخر:
يحدث أسراري عدوي وإنني ... على سرها من أن يباح شحيحُ
وإني لأطوي السرَّ في مضمر الحشا ... لألقاكِ يوماً والأديمُ صحيحُ
قال آخر:
إذا شئتِ تخفي الذي بي فقيدي ... دموعي وخلي عن رقادي لأرقدا
فأنتِ التي أحللتني ساحة الهوى ... وعودت دمعي عادةً فتعودا
قال آخر:
أقول لماء العين امعن لعلها ... بما لا يرى من غائب الوجه تشهدُ
ولم أرَ مثل العين ضنتْ بمائها ... علي ولا مثلي على الدمعِ يحسدُ
قال آخر:
كأن فؤادي صدعْ ساقٍ مهيضةٍ ... عنيفٌ مداويها بطيء حبورها
فإنْ عصبوها بالجبائر أوجعتْ ... وإنْ تركوها أنبت صدعاً وقورها
قال آخر:
وعلقتُ ليلى وهي ذاتُ ذوائبٍ ... تردّ علينا بالعشيّ المراميا
فشب بنو ليلى وشبّ بنو ... ... وأعلاقُ ليلى في الفؤاد كما هيا
قال الطهمان:
خليليَّ إني اليومَ شاكٍ إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها
فشب بنو ليلى وشبَ بنو.... ... أظلَّ بأطرافِ البنان أذودها
خليلي شدا بالعصائبِ وانظرا ... إلى كبدي هل بتّ صدعاً عمودها
ولن يلبث الواشونَ أن يكسروا العصا ... إذا لم يكن صلباً على البري عودها
قال عمر بن أبي ربيعة:
قالت سكينةُ والدموعُ ذوارفٌ ... منها على الخدين والجلباب
ليتَ المغيريَّ الذي لم أجزهِ ... فيما أطالَ تصيدي وطلابي
كانت ترد لنا المنى أيامنا ... إذا لا نلامُ على هوىً وتصابي
خبرتُ ما قالت فبتُ كأنما ... يرمى الحشا بنوافذِ النشابِ
أسكينَ ما ماءُ الفراتِ وطيبه ... منا على ظمأٍ وحبِّ شرابِ
بألذَّ منكِ وإنْ نأيتِ وقلما ... ترعى النساءُ أمانة الغيابِ
لبكر بن النطاح:
وكذبتُ طرفي عنكَ والطرفُ صادقٌ ... وأسمعتُ أذني فيك ما ليس يسمعُ
ولم أسكنِ الأرضَ التي تسكنينها ... لكيما يقولوا صابرٌ ليس يجزعُ
لقيتُ أموراً فيكِ لم ألقَ مثلها ... وأعظم منها منك ما أتوقعُ
فلا كمدي يبلى ولا لك رحمةٌ ... ولا عنك إقصارُ ولا فيك مطمعُ
قال نصيب:
ألا إن ليلى العامرية أصبحتْ ... على النأي مني ذنبَ غيري تنقمُ
وما ذاك من جرم أكونُ اجترمتهُ ... إليها فتجزيني به حيث أعلمُ
ولكنَّ إنساناً إذا مل صاحباً ... وحول صرماً لم يزلْ يتجرمُ
وإن الألى كانوا صديقاً بطانةً ... لنا أصبحوا أحفاهم المتجهمُ
قالت امرأة من كلاب:
فأنتَ الذي أخلفتني ما وعدتني ... وباعدتَ لي ما ليس بالمتباعدِ
وأشمت بي الأعداءَ حين هجرتني ... وخليتني أرمى بنبل قواصدي
قال آخر:
بثينة من آلِ النساء وإنما ... يكنّ لأدنى لا وصالَ لغائبِ
يخنَّ البريءَ المطمئن فؤاده ... ويحلفنَ أيماناً وهنَّ كواذبُ
قال آخر:
إذا متُّ فادفني إلى أصلِ كرمةٍ ... تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاةِ فإنني ... أخافُ إذا ما مت أنْ لا أذوقها
لآخر:
ذريني أشبْ همي براحٍ فإنني ... أرى الدهر فيه كربةٌ ومضيق
وما أنا إلا كالزمانِ إذا صحا ... صحوتُ وإن ماقَ الزمان أموق
لآخر:
والروحُ مستلبٌ إذا لم ألقكم ... فإذا التقينا عاد في الروحُ
قال آخر:
فلو أنَّ ما أشكو إليكم شكوته ... إلى حجرٍ لا رفضَّ أو لتصدعا
تصدون عمن لو تيقن أنه ... صدود انقطاعٍ عنكم لتقطعا
قال آخر:
أما في صروف الدهر أنْ يرجعَ الهوى ... ومذ مل العرب يوماً من البعد
بلى في صروف الدهر كل الذي أرى ... ولكنما أغفلنَ حظي على عمدِ
قال العباس بن الأحنف:
لو كنتِ عاتبةً لسكنَ لوعتي ... أملي رضاكِ وزرتُ غير مراقبِ
لكنْ مللتِ فلم تكن لي حيلةٌ ... صدُّ الملولِ خلافُ صد العاتبِ
قال آخر:
ألا إنَّ قولُ القائلين بأنه ... تجازى قلوبُ العاشقين لباطلُ
فما بالُ قلبي كالجناحِ خفوقه ... وقلبكَ عما فيه قلبي غافلُ
قال آخر:
تعللني بالوعد حتى كأنني ... مزارعُ كمون تعلل بالوعدِ
وبي منك ما لو كان بالصخرة هده ... وبالوجد ذابَ الوجدُ من شدة الوجدِ
قال آخر:
سأكتمُ حبها بالغيبِ ما لم ... ينمَّ به التنفس والدموعُ
وما من ساعةٍ إلا لسلمى ... وإنْ بخلتْ إلى نفسي شفيعُ
قال آخر:
يا من تشاغلتِ العيونُ بوجنتيهِ عن الرياضِ
فتنزهتْ فيما رأيهُ عن التوردِ والبياضِ
إنْ كنت ترضى بالصدودِ فإنني بالصدِّ راض
إلى هنا أنشده ابن فارس في حماسته قال جميل بن عبد الله بن معمر:
علقت الهوى منها وليداً فلم يزلْ ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيدُ
وأفنيتُ عمري في انتظار نوالها ... وأبلى هواها الدهر وهو جديدُ
فما أنا مردودٌ بما جئت طالباً ... ولا حبها فيما يبيدُ يبيدُ
ويحسبُ نسوانٌ من الحيِّ أنني ... إذا جئتُ إياهنَّ كنتُ أريدُ
فأقسم طرفي بينهنَّ فيستوي ... وفي الصدر بونٌ بينهنَّ بعيدُ
يموت الهوى مني إذا ما أتيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعودُ
قال أيضاً:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلاً بكى من حب قاتلهِ قلبي
وإنْ قربتْ لم ينفع القربُ عندها ... وإنْ بعدتْ زادتك خبلاً على خبلِ
قال غلام بن فزارة:
وأعرضُ حتى يحسب الناس إنما ... بي الهجرُ لا واللهِ ما بي لك الهجرُ
ولكن أروضُ النفس أنظر هلْ لها ... إذا فارقتْ يوماً أحبتها صبرُ
لغيره:
وإني لأستحيي كثيراً وأتقي ... عيوناً وأستبقي المودة بالهجرِ
وأنذرُ بالهجران نفسي أروضها ... لأعلم عند الهجر هل لي من صبرِ
قال التوزي:
تقاضتك عيناك الدموع لنأيها ... كما يتقاضاك الديونَ غريمُ
فلو كنتُ أدري إن ما كانَ كائناً ... هجرتك أيام الفؤاد سليمُ
ولكن حسبتُ الهجر شيئاً أطيقه ... وما كانَ لي فيما حسبتُ عزيمُ

* الكتاب: التذكرة السعدية
المؤلف: محمد بن عبد الرحمن بن عبد المجيد العبيدي (المتوفى: بعد 702هـ)
 
قال الزبير بن بكار:
خشيتُ عليها من طولِ وصالها ... فهاجرتها يومين خوفاً من الهجرِ
وما كانَ هجراني لها من ملالة ... ولكنني جربتُ نفسي على الصبرِ
لغيره:
ولي نظرةٌ بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
ولو أنَّ ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمامٍ ما تأودَ عودها
لبعض الأعراب:
إذا جئتُ أشكو الحبَّ قالت أما ترى ... مكان الثريا وهي منك بعيدُ
فقلتُ لها إنَّ الثريا وإن نأتْ ... على الناسِ قدماً بالغمام تجودُ
الأعرابي:
يقولون لا تنزفْ دموعك بالبكا ... فقلتُ وهل للعاشقين دموعُ
تساقطُ نفسي أنفاساً كلفاً بها ... وإنَّ سوى إن متُ وهي جميعُ
لآخر:
لعمركَ إني يومَ بانوا فلم أمتْ ... خفاتاً على آثارهم لصبورُ
غداةَ المنقى إذْ رميتُ بنظرة ... ونحن على متنِ الطريق نسيرُ
ففاضتْ دموعُ العين حتى كأنها ... بناظرها غصنٌ يراح مطيرُ
أهذا ولما بمضِ للبين ليلةٌ ... فكيف إذا مرتْ عليك شهورُ
وأصبح أعلامُ الأحبة دونها ... من الأرض غولٌ نازحٌ ومسيرُ
قال آخر:
لعمري لئن كنتم على النأي والغنى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديقُ
فما ذقتُ طعم النوم منذ عرفتكم ... ولا ساغَ لي بين الجوانحِ ريقُ
إذا زفراتُ الحبَّ صعدنَ في الحشا ... كررنَ فلم تعرفْ لهنَّ طريقُ
لبعض الأعراب:
ألا قاتلَ اللهُ الهوى ما أشدهُ ... وأصرعه للمرء وهو جليدُ
دعاني الهوى من نحوها فأجبتهُ ... فأصبح بي يستنُّ حيث يريدُ
قال آخر:
ولما أبى إلاَّ أطرافاً بودها ... وتكديرها الشربَ الذي كان صافيا
شربنا بريقٍ من هواها مكدرٍ ... وليس يعاف الريقَ من كان صاديا
قال نويفع بن لقيط الفقعسي:
كأنْ لمْ تكنِ النوارُ مني قريبةً ... ولم يمسِ يوماً ملكها بميني
ولم أتبطنها حلالاً ولم تبتْ ... معاصمها دون الفراش تسليني
ولم أثنِ بالكفين أطراف طفلةٍ ... كهداب ريط في العتاب مصونِ
ولم أخدرِ اليوم المطير بنعمةٍ ... بها وبكأسٍ للعظامِ طحونِ
بلى ثم لم تملكْ مقاديرَ فرقتْ ... ولا حسداً من أنفسٍ وعيونِ
وما زادني الواشونَ يا ميَّ شافع ... بكم وتراخي الدار غير جنونِ
لجرير بن عبد الله:
ويسأل أهلي الناسُ هل وقع الحيا ... وأسأل عن طيٍّ ألا أين حلتِ
كأني إذا ما قيل أسعفت النوى ... بطائية ملفي حياةٍ أضلتِ
قال يحيى بن طالب:
إذا ارتحلتْ نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاني الهوى وارتاح قلبي إلى الذكرِ
كأنَّ فؤادي كلما مر راكبٌ ... جناحُ غرابٍ رامَ نهضاً إلى وكرِ
يقولون أنَّ الهجرَ يشفي من الجوى ... وما ازددتُ إلا ضعف قلب على الهجرِ
أحقاً عبادَ الله أنْ لستُ ناظراً ... إلى قرقرى يوماً وأعلامها الغبرِ
تنحيتُ عنها كارهاً وتركتها ... وهجرانها عندي أمر من الصبرِ
فيا حزناً مما لقيتُ من الهوى ... ومن مضمر الشوقِ الدخيل إلى حجرِ
قال غيره:
سقى الله أيامَ الصبا بمتالعٍ ... ووادي السيال ذي الأراك وذي الأثلِ
وسقياً ورعياً للشباب وعهده ... مع المرشقات البيض بالأعينِ النجل
ومن حاجتي لولا الحياءُ وإنني ... أرى الناسَ قد أغروا بعيب صبا الكهل
مسيري مع الفتيان في عرصة الهوى ... أباري مطاياهم على سلسٍ رسل
ووردي مياهاً كان لي عند أهلها ... مع الود تضعيف الصبابة والبذلِ
فلم يبق من تلك اللذاذة عندهم ... وعندي إلا الذكر للعهد والأهلِ
لعمرو بن شاس:
إذا نحنُ أدلجنا وأنتَ أمامنا ... كفى للمطايا ضوءُ وجهك هاديا
أليس يزيدُ العيسَ خفةَ أذرع ... وإن كنَّ حسرى أن تكون أماميا
قال النظار الفقعسي:
يقولون هذي أم عمرو قريبةٌ ... دنتْ بك أرضٌ عندها وسماءُ
ألا إنما بعد الحبيبِ وقربه ... إذا هو لم يوصلْ إليه سواءُ
لذي الرمة:
وقد كنتُ أبكي والنوى مطمئنةٌ ... بنا وبكم من علمِ ما البينُ صانعُ
وأهجركم هجرَ البغيض وحبكم ... على كبدي منه شؤونٌ صوادع
وقال آخر:
وقد كنتُ أبكي والنوى مطمئنةٌ ... حذاراً لما قد كان أو هو كائنُ
وما كنتُ أخشى أن تكون منيتي ... بكفي إلا إنَّ من حانَ حائنُ
عمر بن أبي ربيعة:
زعموها سألتْ جاراتها ... وتعرتْ يوم حرٍّ تبتردْ
أكما ينعتني تبصرنني ... عمر كن الله أم لا يقتصدْ
فتضاحكنَ وقد قلن لها ... حسنٌ من كل عين من تودْ
حسدٌ حملنهُ من حسنها ... وقديماً كانَ من الناسِ الحسدْ
قال أيضاً:
خرجتُ غداةَ النحر أعترضُ الدمى ... فلم أرَ أحلى منكِ في العينِ والقلبِ
فواللهِ ما أدري أحسناً رزقته ... أم الحبُّ أعمى مثل ما قيلَ في الحبِّ
لبشر بن عقبة العدوي:
رأيتك فوق الناس يا أمَّ مالكٍ ... محملة حسن أخرِستْ من يعيبها
ووالله ما أدري أأنت كما أرى ... أم العينُ مزهو إليها حبيبها
لرجل من قيس:
حلفتُ بصحراءِ الهجون وناقتي ... لها بين قاع الأخشبين حنين
غموساً لقد فضلتِ في الحسنِ بسطةً ... على الناس أو بي من هواكِ جنونُ
قال آخر:
فما نطفةٌ كانت سلافةُ بارق ... نمتْ عن طريقِ الناسِ ثم استطلتِ
بأطيبَ من أنياب.... ... حدا الليلُ أعقابَ النجوم فولتِ
وقد بخلت حتى لو أني سألتها ... قذى العين من ضامي الترابِ لضنتِ
قال الحكم بن قنبر:
وعدت ضحاء ثم أخلفتِ مسية ... أيا قربَ بذلٍ يا علية من ردِّ
فهلا تركتِ الوعد حتى تسرني ... وأرجو الجدى منه وإن كان لا يجدي
لأبي محلم الأعرابي:
أبيتُ أرعى النجم حتى كأنما ... بناصيتي حبلٌ إلى النجم موثقُ
وما طالَ ليلي غيرَ أني لحبها ... أعلل نفسي بالأماني فتقلقُ
لغيره:
ذكرتكم ليلاً فنور ذكركم ... دجى الليل حتى انجابَ عنه دياجره
وبتُّ أسقي الشوق حتى كأنني ... صريع مدامٍ لم ينهنه زاجره
وظلتْ أكف الشوق لما ذكرتكم ... تمثلُ لي منكم مثالاً أسايره
فلو كنتم أقصى البلاد لزرتكم ... إلى حيث يعيي ورده ومصادره
أرى قصراً بالليل حتى كأنما ... أوائلهُ حتى يداني أواخره
قال المبرد:
لله مدتنا بحو سويقةٍ ... والعيشُ غضٌّ والزمانُ غدير
طابتْ فقصر طيبها أيامها ... فكأنما فيها السنونَ شهور
لخارجة بن فليح المللي:
لقد طعنتْ في ربربٍ شابه الدمى ... رقاقُ الثنايا واضحاتُ المحاجرِ
ويسفرن للساري إذا جنّ ليلها ... سبيل المطايا بالوجوه السوافرِ
للبعيث:
أزارتك ليلى والركابُ خواشعُ ... وقد بهر الليلَ النجومُ الطوالعُ
وأعطتك راياتِ المنى غير أنها ... كواذبُ أن حصلتها وخوادعُ
على حين ضمّ الليل من كل جانبٍ ... جناحيه وانقضتْ نجومٌ طوالعُ
وأعجلها عن زروةٍ لم أفز بها ... من الصبح جادٍ يزعجُ الليل ساطعُ
لرجل من بني جعدة:
لا طرقتنا أم أوسٍ ودونها ... من العفِّ أعلامٌ له وجنودُ
فلما انتبهنا للخيالِ الذي سرى ... إذا الأرض قفرٌ والمزارُ بعيدُ
فقلتُ لعيني راجعي النوم وانظري ... لعلّ خيالاً زائراً سيعودُ
قال التوزي:
ترى الدرَّ منثوراً إذا ما تكلمتْ ... وكالدرّ منظوماً إذا لم تكلم
............... ... وتملأ عينَ الناظر المتوسمِ
قال القطامي:
وما ريحُ قاعٍ ذي خزامى وحنوةٍ ... له أرجٌ من طيبِ النبت عازبِ
بأطيبَ من ميٍّ إذا ما تقلبتْ ... من الليل وسنى جانباً بعد جانبِ
منعمةٌ تجلو بعودِ أراكةٍ ... ذرى بردٍ عذبٍ شتيتِ المناصبِ
لغيره:
كأنما ثغرها من حسنه بردٌ ... مما تهادته أيدي الغيم مصقولُ
كأنه أقحوانٌ غبَّ سارية ... مديمٌ واجهته الريحُ مشمولُ
قال جميل:
ألا أيها الربعُ الذي غيرَّ البلى ... عفا وخلا من بعد ما كان لا يخلو
تذاءبُ ريحُ المسك فيه وإنما ... به المسك إذ جرت به ذيلها جملُ
قال ثعلب:
ولت بهم عنك نيةٌ قذفٌ ... غادرتِ الشعبَ غير ملتئم
واستودعت نشرها الرياضُ فما ... تزدادُ إلا طيباً على القدم
قال مالك بن أسماء الفزاري:
زارتك بين مهلل ومسبحٍ ... بحطيم مكةَ حيث سالَ الأبطحُ
فكأنَّ مكة والمشاهدَ كلها ... ورحالنا باتتْ بمسكٍ تنضحُ
لجران العود:
تكادُ النفسُ تشربها إذا ما ... تلقتها بنسمتها نوارُ
بنشر قد أعار الطيبَ طيباً ... وحباً لا يباعُ ولا يُعارُ
قال جميل:
ألا هل لعهد من بثينة قد خلا ... وأورث شجواً لا يريمك من ردَ
وهل أنا معذور فأبكي من التي ... أراها على الهجران ينمي لها ودي
ولو حاولت هجرانها النفس لم يعد ... إلى سلوة بل زاد وجداً على وجدِ
فما لامَ فيها لائمٌ لو علمتها ... من الناس إلا زادِ في حبها عندي
فلا تكثرا لومي فما أنا بالذي ... سننتُ الهوى في الناس أو ذقته وحدي
قال أبو محلم:
المطايا هي المنايا وهل ... فرق شيءٌ تفريقها الأحبابا
ظلَّ حاديهم يسوق بقلبي ... ويرى أنه يسوق الركابا
لقيس بن ذريح:
لقد خفتُ ألا تقنعُ النفسَ بعدها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وأعذل فيها النفس إذ حيلَ دونها ... وتأبى إليه النفسُ إلا تطلعا
له أيضاً:
بكيت نعم بكيت وكل ألف ... إذا بانت قرينته بكاها
.... عن تقالٍ ... ولكن شقوة بلغت مداها
وأنت بذكر لبنى مستهامٌ ... معنى حيث ما شحطتْ نواها
له أيضاً:
أحدثتني يا قلب أنك صابرٌ ... على الهجر من لبنى فسوف تذوقُ
أطعتَ وشاةً لم يكن لك فيهم ... خليلٌ ولا دانٍ عليك شفيقُ
فمتْ كمداً أو عشْ معنىً فإنما ... تحملني ما لا أراك تطيقُ
سمى الدهر والواشون بيني وبينها ... فقطع حبلُ الوصل وهو وثيقُ
قال أيضاً:
سقى طللَ الدار التي كنتم بها ... بشرقي سلع صيفٌ وربيعُ
مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداةَ شفيعُ
يقولون صبٌ بالنساء موكلٌ ... وما ذاك من فضل الرجال بديعُ
إلى الله أشكو نيةً شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي أمسِ جميعُ
لعمرك أني يوم جرعاء مالكٍ ... لعاصٍ لأمر المرشدين مطيعُ
ندمتُ على ما كان مني ندامةً ... كما ندمَ المغبونُ حين يبيعُ
لعبد الله بن شبيب:
يقلنَ وقد أبصرنَ نسكي وتوبتي ... إلى الله ما هذا تحين تتوبُ
... امرءاً غضَّ الشباب وللصبا ... قديماً من الغض الشباب نصيب
لقيس بن الحدادية:
أجدك إن نعمُ نأت أنت جازعُ ... قد اقترنتُ لو أنَّ ذلك نافعُ
قد اقترنت لو أنَّ في قرب دارها ... جداء ولكن كلّ منْ منَّ مانعُ
فإنْ تلقين أسماء قبلي فحيها ... وسلْ كيف ترعى بالمغيب الودائعُ
وظني بها حفظٌ لغيبي ورعيه ... لما استرعيتُ والظن بالغيب واسعُ
ولا يسمعن سري وسرك ثالثٌ ... ألا كلَّ سرٍّ جاوزَ اثنين شائعُ
كأنَّ فؤادي يوم شقين من عصى ... حذارَ وقوع البين أو هو واقعُ
وقد يحمد الله العزاء من الفتى ... وقد يجمعُ الشمل الشتيت الجوامعُ
وقالت وعيناها يفيضان عبرةً ... فديتك بين لي متى أنت راجعُ
فقلت لها والله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانعُ
فشدتْ على فيها اللثام وأعرضتْ ... وأمعن بالكحل السحيق المدامعُ
قال قيس المجنون:
لعلك أن تروى بشرب على القدم ... وترضى بأخلاق لهنَّ خطوب
فتبلى وصال الواصلين فتعلمي ... خلائق من تصفي الهوى ويشوب
وألقى من الحب المبرحِ سورةً ... لها بين لحمي والعظام دبيب
لقد شفَّ هذي النفس أنْ ليس بارحاً ... لها شجنٌ ما يستطاع قريبُ
فلا القلبُ تخليه الأماني فيشتفي ... ولا النفس عما تعلمين تطيبُ
لكِ الله أني واصلٌ ما وصلتني ... ومثنٍ بما أوليتني ومثيبُ
وآخذُ ما أعطيت عفواً وإنني ... لأزورَّ عما تكرهين هيوبُ
فلا تتركي نفسي شعاعاً فإنها ... من الوجد قد كادتْ عليك تذوبُ
قال غيره:
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهِ ... غزالان مكحولان مؤتلفانِ
طلبتهما صيداً فلم أستطعهما ... وختلاً ففاتاني وقد قتلاني
قال غيره:
ألا ربما غرتك عند خطابها ... وولدتِ الوعدَ الكذوبَ الولائد
تساقط منهنَّ الأحاديث غضة ... تساقط درٍّ أسلمتهُ المعاقد
قال عمر بن أبي ربيعة:
وإذا تنازعكَ الحديثَ تطرفتْ ... منه القليلَ ولم تردْ إكثارا
يصغي إليه السامعون لحسنهِ ... فكأنما يسقون منه عقارا
قال نعيم النبهاني:
ظللنا بيومٍ عند أمَّ محلم ... نشاوى ولم نشرب طلاءً وخمرا
إذا صمتَتْ عنا صحونا لصمتها ... وإنْ نطقتْ كانتْ لألبابنا شكرا
قال ابن الطثرية:
أماتت وأحيتْ بالتمنعِ والمنى ... فؤاداً رمياً قد أصيبَ مقاتلهْ
وتملك رقَّ النفس مني إذا دنتْ ... سقاطَ حديثٍ يغلبُ الحقَّ باطلهْ
قال قيس بن ذريح:
فإن يحجبوها أو يحل دونَ وصلها ... مقالةُ واشٍ أو وعيدُ أميرِ
فلن يمنعوا عينيَّ من دائم البكا ... ولن يذهبوا ما قد أجنَّ ضميري
وكنا جميعاً قبل أن يظهر الهوى ... بأنعم حاليْ غبطةٍ وسرورِ
فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطونُ الهوى مقلوبةً بظهورِ
لقد كنتُ حسبَ النفس لو دامَ وصلها ... ولكنما الدنيا متاعُ غرورِ
قال جميل:
كأن لم يكن نأيٌّ إذا كانَ بيننا ... تلاقٍ ولكن لا أخالُ التلاقيا
خليليَّ إلا تبكياً لي ألتمسْ ... خليلاً إذا أفنيتُ دمعي بكى ليا
وله أيضاً:
بثينَ سليني بعضَ ما لي فإنما ... يبينُ عند المالِ كلُّ بخيلِ
فإني وتكراري الزيارةَ نحوكم ... لبينَ يدي بين بثين طويلِ
فيا ليتَ شعري هل يقولنَّ بعدها ... إذا نحن أجمعنا غداً لرحيلِ
ألا ليتَ أياماً مضين رواجعٌ ... وليتَ النوى قد ساعفتْ بجميلِ
لعروة بن حزام:
وإني لتعروني لذكراكِ فترةٌ ... لها بين جلدي والعظام دبيبُ
وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهتَ حتى ما أكادُ أجيبُ
عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتدنو ولا عفراء منك قريبُ
لئن كان بردُ الماء حرانَ صادياً ... إليَّ حبيباً إنها لحبيبُ
قال قيس بن ذريح:
فإن يك تهيامي بلبنى غواية ... فإني ورب الراقصاتِ غويتُ
فيا ليتَ أني متُّ قبل فراقها ... وهل يرجعنْ فوت القضية ليتُ
قال جميل:
وما مرَّ يوم مذ تراختْ بي النوى ... ولا ليلةٌ إلا هوى منك رادفُ
أهمُّ بسلوى عنك ثم تردني ... إليك وتثنيني عليكِ العواطِفُ
فلا تحسبنَّ النأيَ أسلى مودتي ... ولا أن عيني ردها عنك طارفُ
وله أيضاً:
أشوقاً ولما تمضِ بي غير ليلة ... رويد الهوى حتى لغب لياليا
لحا الله أقواماً يقولون إننا ... وجدنا طوالَ النأي للحبّ شافيا
قال العرجي:
أماطتْ رداءَ الخز عن حر وجهها ... وأدنت على الخدين برداً مهلهلا
من اللائي لم يحججنَ يبغين حسبةً ... ولكن ليقتلنَ البريءَ المغفلا
قال كثير:
قضى كلُّ ذي دين أرادَ قضاءَه ... وعزةُ ممطولٌ معنى غريمها
وقد علمتْ بالغيب ألا أودها ... إذا أنا لم يكرم علي كريمها
قال المجنون:
يقر بعيني قربها ويزيدني ... بها عجباً من كان عندي يعيبها
وكم قائلٍ قد قال تبْ فعصيته ... وتلك لعمري توبةٌ لا أتوبها
فيا نفسُ صبراً لستِ والله فاعلمي ... بأول نفسٍ بأنَ عنها حبيبها
قال جميل:
وآخر عهدٍ لي بها يوم ودعتْ ... ولاحَ لها خدٌّ نقيٌّ ومحجرُ
عشيةَ قالت لا تضيعنَّ سرنا ... إذا غبتَ عنا وارعه حين تحضرُ
وما زلتَ في أعمال طرفك نحونا ... إذا جئتَ حتى كادَ سرك يظهرُ
وأنتَ امرؤٌ من أهل نجدٍ وأهلنا ... تهامٌ وما النجديُّ والمتغورُ
فقلتُ لها أوصيتِ يا بثن كافياً ... وكلُّ امرئٍ لم يرعه الله معورُ
سأمنحُ طرفي غيركم إنْ لقيتكم ... لكي يحسبوا أنَّ الهوى حيث أنظرُ
واكني بأسماءٍ سواكم وأتقي ... زيارتكم والحبُّ لا يتغيرُ
قال هدبة بن الخشرم:
ألا ليت الرياحَ مسخراتٍ ... بحاجتنا تباكرُ أو تؤوبُ
فتخبرنا الشمالُ إذا أتينا ... وتخبرُ أهلنا عنا الجنوب
قال آخر:
وإني لتحييني الصبا وتميتني ... إذا ما جرتْ قصر العشي جنوبُ
وأرتاح للبرقِ الشآمي كأنني ... له حين يبدو في الظلام نسيبُ
وأرتاحُ أن ألقى غريباً صبابةً ... إليه كأني للغريبِ قريبُ
قال ذو الرمة:
إذا هبتِ الأرواحُ من نحو جانبٍ ... به أهلُ ميّ هاج قلبي هبوبها
هوىً تذرف العينانِ منه وإنما ... هوى كل نفس حيث كان حبيبها
قال جميل:
أظنُّ هواها تاركي بمضلةٍ ... من الأرض لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
محا حبها حب الألى كنَّ قبلها ... وحلتْ مكاناً لم يكن حلَّ من قبلُ
قال مضرس بن الحارث المزني:
أذودُ سوامَ الطرف عنك وما لهُ ... إلى أحدٍ إلا إليك طريقُ
أهمُّ بصرم الحبل ثم يردني ... عليك من النفس الشعاع فريقُ
تهيجني للوصلِ أيامنا الألى ... مررنَ علينا والزمانُ وريقُ
ووعدكِ إيانا وإنْ قيل عاجلٌ ... بعيدٌ كما قد تعلمين سحيقُ
تتوقُ إليك النفسُ ثم أردها ... حياءُ ومثلي بالحياءِ خليقُ
صبوحي إذا ما ذرتِ الشمس ذكركم ... وذكراك لي عند المساء غبوقُ
وتزعمُ لي يا قلبُ أنك صابرُ ... على الهجر من سعدى فسوف تذوقُ
قال الأحوص:
ألا لا تلمهُ اليوم أن يتبلدا ... فقد غلبَ المحزونُ أن يتجلدا
وما العيش إلا ما يلذُّ ويشتهي ... وإنْ لامَ فيها ذو الشنان وفندا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاءَ آسى في البكاءِ وأسعدا
إذا كنتَ عزْ هاةً عن اللهو والصبا ... فكن حجراً من يابسِ الصخر جلمدا
علاقةُ حبّ لجّ في سننِ الصبا ... فأبلى وما يزدادُ إلا تجددا
قال آخر:
وقالوا قذافُ النأي تسلي فما لها ... رمتنا فزادتنا على نأيها وجدا
بلى قد يجنُّ الصبُّ لوعاتِ شجوه ... فتحسبه جلداً وقد بلغ الجهدا
قال النمري:
ومنازلٌ لك بالحمى ... وبها الخليطُ نزولُ
أيامهنَّ قصيرةٌ ... وسرورهنَّ طويلُ
وسعودهنَّ طوالعٌ ... ونحوسهنَّ أفولُ
والمالكيةُ والشبابُ ... وقينةٌ وشمولُ
قال أعرابي:
ألا أيها القلبُ الذي قد تحيرا ... أفقْ قد صحا من كان يهوى وأقصرا
عدِمتك من قلب شعاع مولهٍ ... ألا يتسلى من قلى وتغيرا
كأنْ لم تجدْ مضَّ التصابي ولوعةً ... يجاذبُ دمع العين حتى تجددا
فلله قلبٌ فرقَ الشوقُ عزمه ... إذا سيم معروق العزاء تنكرا
قال نصيب:
أمِن طللٍ راجعتَ جهلك بعدما ... دنا منك صبرٌ عنهمُ وتجلد
تطيفُ بك الأحزانُ حتى كأنما ... لها عند تذكار الأحبة موعدُ
قال إسماعيل بن يسار:
لو تبذلين لنا دلالكِ مرةً ... لم نبغِ منك سوى دلالكِ محرما
ما ضرَّ أهلكِ لو تطوفَ عاشقٌ ... بفناء بيتكِ أو ألم فسلما
قال ثعلبة بن أوس:
خليلي إني قد أرقتُ وشاقني ... بريقٌ كنبضِ العرقِ بتُّ أراقبهْ
فلم أرَ مثلَ الحبّ داءً لمسلمٍ ... ولا مثل ما بي لا يقيد صاحبه
قال غيره:
أسلامُ إنكِ قد ملكتِ فأسجحي ... قد يملك الحرُّ الكريم فيسجح
إني لأنصحكم وأعلمُ أنه ... سيان عندك من يغش وينصح
لبعض الحجازيين:
طال المطالُ ولجّ في حبسي ... وبخستُ ديني أيما بخسِ
أمسى أوملكم فيخلفني ... أملي وأصبح كالذي أمسي
قال ذو الرمة:
إذا راجعتك القول مية أو بدا ... لك الوجهُ منه أو نضا الدرع سالبه
فيا لك من خدٍّ أسيلٍ ومنطقٍ ... رخيمٍ ومن خلقٍ تعللَ جاذبهْ
قال المرار:
إذا نزلتْ وحشيةُ النجد لم يكن ... لعينيك مما يشكوان طبيبُ
وكانتْ رياحُ الشام تكره مرة ... فقد جعلت تلك الرياحُ تطيبُ
قال جميل:
وإني لأرضى منك يا بثن بالذي ... لو استيقن الواشي لقرتْ بلابلهْ
بلا وبألا أستطيع وبالمنى ... وبالأملِ المكذوب قد خاب آملهْ
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا تنقضي وأوائلهْ
قال المنذر بن الجعد:
كفا حزناً ألا يزال يعودني ... على النأي طيفٌ من خيالك يا نعم
وأنتَ كمثلِ النجم في البعد هل لنا ... من النجم إلا أن يقابلنا النجم
قال ذو الرمة:
ألما على الدار التي لو وجدتها ... بها أهلها ما كان وحشاً مقيلها
وإنْ لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلاً فإني نافعٌ لي قليلها
وله أيضاً:
وإني وإنْ باعدتني وهجرتني ... يقربني أن ليس لي عنك مذهبُ
وإنكِ مني بالمكانِ الذي به ... يحل سوادُ القلب بل أنتَ أقربُ
فلو كنتِ ترعين النجوم كرعيتي ... وعينك من ماء الصبابة تسكبُ
لأيقنتِ أنَّ الحبّ مرُّ مذاقه ... وأنَّ الذي يهوى شقيٌّ معذب
قال آخر:
وإني لأغضي الطرفَ عنها تستراً ... ولي نظرٌ لولا الحياءُ شديدُ
و ... قالتْ لقد نلتُ وده ... وما ضرني بخلٌ فكيف أجودُ
لآخر:
بنفسي الذي إنْ قال خيراً وفى به ... وإنْ قال شراً قالهُ وهو مازحُ
ومن قد رماهُ الناسُ حتى اتقاهمُ ... ببغضي إلا ما تكن الجوانحُ
قال آخر:
باتتْ تسوفني برجع حنينها ... وأبيتُ أسهرها برجع حنيني
إلفان مغتربان بين مهامه ... طويا الضلوع على هوىً مكنونِ
قال كثير بن عمرو الهلالي:
تصدتْ لنا ليلى الغداةَ تعمداً ... لتزدادَ حزناً بعد طولِ ضمانِ
فهاضتْ فؤاداً كان يرجى اندماله ... على عنتٍ قد كان منذ زمانِ
ولو قنعتْ ليلى لنا بالذي بنا ... من الشوقِ والوجد القديم كفاني
ولكنها لم تألُ ضري لويس لي ... بأكثر مما حملتهُ يدانِ
قال المجنون:
أحن إلى ليلى وأحسب أنني ... كريمٌ على ليلى وغيري كريمها
فأصبحتُ قد أجمعتُ تركاً لبيتها ... وفي العين من ليلى قذىً لا ينيمها
وإنْ آثرت بالودّ أهلَ بلادها ... على نازحٍ من أرضها لا تلومها
فلا يستوي من لا يرى غير لمة ... ومن هو ثاوٍ عندها لا يرومها
لغيره:
لقيتُ أموراً فيك لم ألق مثلها ... وأعظم منها بعض ما أتوقعُ
فلا كمدي يبلى ولا لكِ رحمةٌ ... ولا عنكِ إقصارٌ ولا فيكِ مطمعُ
لابن هرمة:
لئن أيامنا أمستْ طوالاً ... لقد كنا نعيشُ بها قصارا
رأيتُ الغانياتِ نفرن لما ... رأينَ الشيبَ ألبسني عذارا
وما ينكرن من قمرٍ منيرٍ ... بعيد شبابه لقي السرارا
قال المجنون:
شفيعي إليها قلبها أن تغصبت ... وقلبي لها فيما تحب شفيعُ
وقد ظفرتْ مني بسمعٍ وطاعةٍ ... وكلُّ محبٍّ سامعٌ ومطيعُ
قال أبو العميثل:
سلامٌ على الوصلِ الذي كانَ بيننا ... تداعتْ به أركانه فتضعضعا
تمنى رجالٌ ما أحبوا وإنما ... تمنيتُ أن أشكو إليها فتسمعا
وإني لأنهى النفس عنها ولم تكن ... بشيء من الدنيا سواها لتقنعا
أرى كل معشوقين غيري وغيرها ... قد استعذبا طعم الهوى وتمتعا
كأني وإياها على حالِ رقبةٍ ... وتفريقِ ليلٍ لم نبتْ ليلةً معا
قال السمهري:
وبادر بليلى أوبة الحي إنهم ... متى رجعوا يحرمْ عليكَ كلامها
كأنَّ وميض البرقِ بيني وبينها ... إذا حانَ من بعد الهدو ابتسامها
قال ابن الدمينة:
أميم لقد عنيتني وأريتني ... بدائع أخلاق لهنَّ ضروبُ
صدوداً وإعراضاً كأني مذنبٌ ... وما كانَ لي إلاَّ هواكِ ذنوبُ
ألهفاً لما ضيعتُ ودي وما هفا ... فؤادي لمن لم يدرِ كيف يثيبُ
وإنَّ طبيباً يشعبُ القلبَ بعدما ... تصدع من وجدٍ بها لشعوبُ
فيا حسراتِ النفس من غربة النوى ... إذا اقتسمتنا نيةٌ وشعوبُ
ومن خطراتٍ تعتريني وزفرة ... لها بين جلدي والعظام دبيبُ
يقولون أقصرْ عن هواها فقد وعت ... ضغائنَ شبانٌ عليك وشيبُ
وما إنْ تبالي سخطَ من كانَ ساخطاً ... إذا نصحتْ ممن يحبّ حبوبُ
فإنْ خفتِ ألا تحكمي مرة الهوى ... فردي فؤادي والمردُّ قريبُ
قال أيضاً:
وإني لأستحييكِ حتى كأنما ... عليَّ بظهر الغيب منكِ رقيبُ
ول أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتكِ لم تكتبْ عليَّ ذنوبُ
قال ابن سماعة الأسدي:
بنفسي من لا يداني هاجره ... ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره
ومن قد رماه الناس حتى اتقاهم ... ببغضي إلا ما تجنُّ ضمائره
أحبك يا ليلى على غير ريبةٍ ... وما خيرُ حب لا تعفُّ سرائرهُ
أحبك حباً لا أعنفُ بعده ... حباً ولكني ... عاذره
أكفكفُ دمعي أن يكون طليعةً ... على سرِّ نفسي حين ينهلَّ قاطره
إلى هنا أنشده أبو هلال العسكري في حماسته قال قيس بن ذريح العذري:
أحبك أصنافاً من الحب لم نجد ... لها مثلاً في سائر الناسِ يعرف
فمنهنَّ حبٌّ للمحبَّ ورحمةٌ ... ومعرفةٌ مني بما يتكلفُ
ومنهنَّ ألا يخطر الدهر ذكركم ... على القلب إلا كادت النفس تتلفُ
وحب بدا بالجسم واللون ظاهرٌ ... وحبّ لدى نفسي من الروح ألطفُ
وحبٌّ هو الداء العياء بعينه ... له ذكرٌ تغدو عليَّ فأدنفُ
فلا أنا منه مستريحٌ فميتٌ ... ولا هو مني ما حييتُ مخففُ
فيا حبها ما زلت حتى قتلتني ... ولا أنتِ إنْ طال البلا لي منصفُ
وله أيضاً:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعدما كنا نطافاً وفي المهدِ
فزاد كما زدنا وأصبحَ نامياً ... فليس وإنْ متنا بمنتقضِ العهدِ
ولكنه باقٍ على كل حادث ... وزائرنا في ظلمة القبر واللحدِ
وله أيضاً:
ألا حي لبنى اليوم إن كنت غادياً ... وألممْ بها إلمامَ أنْ لا تلاقيا
تمر الليالي والشهورُ ولا أرى ... ولوعي بها يزداد إلا تماديا
أيا رب فاجمع بين روحي وروحها ... بحولك قد أعيا عليَّ احتياليا
أراني إذا حليتُ أقبلتُ نحوها ... بوجهي وإنْ كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبها ... كعظم الشجا أعيا الطبيبَ المداويا
فمت أنت يا قلباه إن كنت ميتاً ... بلبنى وإلا فاسلُ إنْ كنتَ ساليا
خليلي إني قد بليت ولا أرى ... لبينى على الهجران إلا كما هيا
وللناسِ همٌّ وهي ما عشتُ همتي ... من الناس أو وجدي إذا كنتُ خاليا
وبين الحشا والقلب مني حرارةٌ ... ووسواسُ حزن يترك القلب ساهيا
وللعين أسراب إذا ما ذكرتها ... على الجيد ... من كان باكيا
أحب من الأسماء ما وافق اسمها ... وأشبههُ أو كان منه مدانيا
وإني لأستغشي وما بي غشيةٌ ... لعل خيالاً منك يلقى خياليا
إذا طنت الأذنان قلتُ ذكرتني ... أو اختلجتْ عيني رجوتُ التلاقيا
أراني إذا فارقتُ لبنى كأنما ... يميني أراها فارقتها شماليا
فإنْ منعوها أو تحل دونها النوى ... فلن يمنعوا قلبي من الذكر خاليا
ولن يمنعوا عيني من الدمع كلما ... جرت خطرة بالقلب من ذكرها ليا
فما ذكرتْ عندي لها من سمية ... من الناسِ إلا بلَّ دمعي ردائيا
ولا طلع النجمُ الذي يهتدي به ... ولا الصبح إلا هيجا ذكرها ليا
خليلي إني قد أرقتُ ونمتما ... لبرق يمانٍ فأجلسا عللا نيا
وله أيضاً:
بنفسي من قلبي له الدهر ذاكرُ ... ومن هو عني معرض القلب صابرُ
ومن حبه يزدادُ عندي جدةً ... وحبي لديه مخلقُ العهد دائرُ
وله أيضاً:
وإني لأهوى النوم في غير حينه ... لعلَّ لقاءً في المنام يكونُ
تبشرني الأحلامُ أني أراكم ... فيا ليتَ أحلام المنام يقينُ
وله أيضاً:
أيا باعثَ الموتى أقدني من التي ... بها نهلتْ نفسي سقاماً وعلتِ
لقد بخلتْ حتى لو أني سألتها ... قذى العين من سافي التراب لضنت
فإنْ منعتْ فالبخلُ منها سجيةٌ ... وإنْ بذلتْ أعطتْ قليلاً ومنتِ
وله أيضاً:
سقى وجه لبنى حيث مستْ وأصبحتْ ... من الأرض منهلُّ الغمام رعودُ
على كل حالٍ إنْ دنتْ أو تباعدتْ ... وإنْ تدنُ منا فالدنو نريدُ
فلا اليأسُ يسليني ولا القرب نافعي ... ولبنى منوعٌ ما تكاد تجودُ
رمتني لبنى في الفؤاد بسهمها ... وسهم لبينى للفؤاد صيود
سلا كل ذي شجوٍ علمت مكانه ... وقلبي للبنى ما حييتُ ودودُ
أعالج من نفسي بقايا حشاشةٍ ... على رمقٍ والعائداتُ تعودُ
فإنْ ذكرتْ لبنى هششتُ لذكرها ... كما هشَّ للثدي الدريرِ ولودُ
قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
سقى اللهُ من أهوى على بعد نأيه ... وإعراضه عني وطولِ جفائه
أبى الله إلا أنْ كلفتُ بحبه ... فأصبحتُ فيه راضياً بقضائه
وأفردتُ عيني بالدموع فأصبحتْ ... وقد غصَّ منها كلُّ جفن بمائه
فإنْ متُّ من وجدٍ به وصبابةٍ ... فكم من محب ماتَ قبلي بدائه
وله أيضاً:
تلقاهُ طيفي في الكرى فتجنبا ... وقبلتُ يوماً ظله فتغضبا
وخبرَ أني قد مررتُ ببابه ... لأخلسَ منه نظرةً فتحجبا
ولو مرتِ الريحُ الصبا عند أذنه ... بذكري لسبَّ الريحَ أو لتعتبا
ولم تجر مني خطرةٌ بضميرهِ ... فتظهر إلا كنتَ فيها مسببا
وما زادهُ عندي قبيحٌ فعاله ... ولا الصدُّ والأعراضُ إلا تحببا
وله أيضاً:
قال الوشاةُ بدا في الخد عارضهُ ... فقلتُ لا تكثروا ما ذاك عائبه
لما استقل بأردافٍ تجاذبه ... واخضر فوقَ جمان الدرِّ شاربه
وأقسم الوردُ أيماناً مغلظة ... أنْ لا نفارقَ خديه عجائبه
كلمته بجفونٍ غير ناطقةٍ ... فكانَ من ردهِ ما قال حاجبه
الحسنُ منه على ما كان أعهده ... والشعرُ حرزٌ له ممن يطالبه
أحلى وأحسنُ ما كانتْ شمائله ... إذْ لاح عارضهُ واخضر غاربه
وله أيضاً:
دعني وشربَ الهوى يا شاربَ الكاسِ ... فإنني للذي حسيتهُ حاسِ
لا يوحشنك ما استسمجت من كربي ... فإنّ منزله بي أحسنُ الناسِ
من خلوتي فيه مبدا كلّ جائحةٍ ... وفكرتي فيه مبدا كل وسواسِ
من قطع ألفاظه توصيلُ مهلكتي ... ووصلُ ألحاظه تقطيعُ أنفاسي
رزقتُ رقةَ قلب منه نغصه ... منغصٌ من رقيب قلبه قاسي
متى أعيش بتأميل الرجاء إذا ... ما كان قطعُ رجائي في يدي ياسي
وله أيضاً:
قمرٌ تبسم عن جمانٍ نابتِ ... فظللتُ أرمقه بعينِ الباهتِ
ما زالَ يقصرُ كلُّ حسنٍ دونه ... حتى تفاوتَ عن صفاتِ الناعتِ
سجدَ الجمالُ لوجهه لما رأى ... دهش العقول لحسنه المتفاوتِ
إني لأرجو أنْ أنالَ وصاله ... بالعطفِ منه ورغم أنفِ الشامتِ
وله أيضاً:
أتاها بطيبٍ أهلها فتضاحكتْ ... وقالت أيبغي العطرُ ويحكمُ العطرا
أحاديثُها در ودرٌّ كلامها ... ولم أر دراً قبلها ينظمُ الدرا
وله أيضاً:
هذا هواكَ وهذه آثاره ... أما الفؤادُ فلا يقر قرارهُ
يصل الأنينَ بزفرةٍ موصولةٍ ... بغليل شوقٍ ليس تطفى نارهُ
ودعا الدموعَ فأقبلتْ منهلة ... مشوقاً وذاك قصارها وقصاره
من طرفِ ممتنع الرقاد متيم ... أرق سواءٌ ليلهُ ونهارهُ
وله أيضاً:
في كلِّ يومٍ أنتَ في صورةٍ ... غيرِ التي كنتَ بها أمسِ
تزدادُ طيباً كلَّ يومٍ كما ... يزدادُ غصنُ البانِ في الغرسِ
وله أيضاً:
نقل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحب إلا للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرضِ يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأولِ منزلِ
وله أيضاً:
معتدلٌ لم يعتدلْ عدلهُ ... في عاشقٍ طالَ به خبلهُ
أطرفهُ أحسنُ أم ظرفه ... أم وجهه أحسنُ أم عقلهُ
أنظر فما عاينت من غيره ... من حسنٍ فهو له كله
لو قيل للحسن تمنى المنى ... إذنْ تمنى أنه مثله
أي خصالٍ حازها سيدي ... لو لم يكدر صفوها مطله
وله أيضاً:
رقادكَ يا طرفي عليك حرامُ ... فخلِّ دموعاً فيضهنَّ سجامُ
ففي الدمع إطفاءٌ لنار صبابةٍ ... لها بين أثناء الضلوع ضرامُ
ويا كبدي الحرى التي قد تصدعتْ ... من الوجد ذوبي ما عليكِ ملامُ
قضيتُ ذماماً للهوى كان واجباً ... عليَّ ولي أيضاً عليه ذمامُ
ويا وجه من ذلتْ وجوهٌ أعزةٌ ... له وسطا عزاً فليس يرامُ
أجرْ مستجيراً في الهوى بك باسطاً ... إليكَ يديه والعيونُ نيامُ
وله أيضاً:
سلامٌ على من لا يرد سلامي ... ومن لا يراني موضاً لكلامي
وماذا عليه أن يجيب مسلماً ... وليس يقضي بالسلام ذمامي
وله أيضاً:
الحسنُ جزءٌ من وجهك الحسنِ ... يا قمراً موفياً على غصنِ
إنْ كنتَ في الحسنِ واحداً فأنا ... يا واحدَ الحسن واحدُ الحزن
كل سقام تراهُ في أحد ... فذاكَ فرعٌ والأصل في بدني
كوامنُ الحب قبل كونك في ... أفئدة العاشقينَ لم تكن
وله أيضاً:
أعطيتَ من بهجات الحسن أسناها ... وفقتَ من نفحاتِ الطيب أذكاها
فالحسنُ مطرحٌ والطيبُ مفتضحٌ ... والحورُ أصبحتَ بعد الله مولاها
وله أيضاً:
تفاحة جرحت بالدر من فيها ... أشهى إليَّ من الدنيا وما فيها
حمراءُ في صفرة علت بغاليةٍ ... كأنما قطفتْ من خد مهديها
جاءت بها قينةٌ من عند غانية ... نفسي من السقم والأحزان تفديها
لو كنتُ ميتاً ونادتني بنغمتها ... لكنتُ للشوق من لحدي ألبيها
وله أيضاً:
تحملَ من حياتي في يديه ... فيا أسفي ويا شوقي إليهِ
تعالى الله يا طوبى لعينٍ ... تمتعُ طرفها في وجنتيهِ
وله أيضاً:
رأيتُ في النوم أن الصلحَ يدفعه ... أو أن مولاي بعد القرب قد بعدا
لمَ لم أمتْ حزناً لم لمْ أمتْ سفهاً ... لمَ لمْ أمتْ جزعاً، لم لمْ أمتْ كمدا
قد كدتُ أحلفُ إلاّ أن ذا سرفٌ ... ألا أذوقَ مناماً بعدها أبدا
أصبحتُ من زفراتٍ لا أقومُ لها ... أشكو الرقاد إذا غيري شكا السهدا
قال أبو نواس الحسن بن هاني:
سقى الله ظبياً مبدي الغنجِ في الحظر ... يميسُ كغصن البانِ من دقة الخصرِ
بعينيه سحرٌ ظاهرٌ في جفونه ... وفي نشره طيبٌ كفائحة العطرِ
هو البدرِ إلا أن فيه ملاحة ... بتفتير لحظ ليس للشمس والبدر
ويضحك عن ثغر مليحٍ كأنه ... حبابُ عقار أو نقي من الدر
فعذبٌ ثناياه وكالخمر ريقه ... ووجنتهُ والخمر في رقة الخمر
جفاني بلا جرم إليه اجترمتهُ ... وخلفني نضواً خلياً من الصبرِ
سقى الله أياماً ولا هجر بيننا ... وعودُ الصبا يهتز في ورق خضرِ
وسقياً لأيام مضت وهي غضة ... ألا ليتها عادت ودامت إلى الحشر
غدوت على اللذات منهتك الستر ... وأفضت بنات ... مني إلى الجهر
رأيتُ الليلي مرصدات ... ... مبادرة الدهر
رضيتُ من الدنيا بكأس وشادنٍ ... ............ فطن الفكر
صحيح مريض الجفن مدنٍ مباعدٌ ... يميت ويحيى بالوصالِ وبالهجرِ
كأنَّ ضياء الشمس..... ... ..... بين الترائب والخصرِ
إذا ما بدت.... ... تطلع منها صورةُ القمر البدرِ
وله أيضاً:
أقول لها بخلت.... ... فجودي في المنام لمستهامِ
فقالتْ ليس وصرت تنام أيضاً ... وتطمع أنْ أزورك في المنامِ
وله أيضاً:
يا قمر الليل إذا أظلما ... هل ينقص التسليم من سلما
قد كنت ذا وصل فمن ذا الذي ... علمك الهجران لا علما
إنْ كنت لي بين الورى ظالماً ... رضيت أن تبقى وأن تظلما
وله أيضاً:
وجارية لها شكل الغواني ... فتاةُ السنَّ في زي الغلامِ
أقول لها وقد هجع الندامى ... ألا ردي فؤادي المستهامِ
فقالت منْ: فقلت ... ... فقالت متى أدخلتَ نفسك في....
فقلتُ لها غلبتِ على فؤادي ... لما أظهرتِ من دالٍ ولامِ
فقالت لي هجعتَ رأيت خيراً ... أراك رأيت هذا في المنام
وله أيضاً:
جنانُ تسبني ذكرتْ ... وتزعمُ أنني ملقٌ خبيثُ
وإنَّ مودتي كذبٌ ومينٌ ... وإني للذي أهوى نتوثْ
وليس كذا ولا ردا عليها ... ولكن الملول هو النكوث
ولي قلبٌ ينازعني إليها ... وشوقٌ بين أضلاعي حثيثُ
رأتْ كلفي بها ودوامَ وجدي ... فملتني كذا كانَ الحديثُ
وله أيضاً:
طفلةٌ خودٌ رداحُ ... هامَ قلبي بهواها
قدها أحسن قدِّ ... سلوا من قد رآها
ما براها الله إلاَّ ... فتنةً حين براها
تنثر الدر إذا غنتْ ... علينا شفتاها
وترى للعودِ زهواً ... حين تحويه يداها
هي همي ومنائي ... ليتني كنتُ مناها
وله أيضاً:
أتاني عنك سبك لي فسبي ... أليس جرى بفيك اسمي، فحسي
فقولي ما بدا لكِ أن تقولي ... فماذا كله إلا لحبسي
وله أيضاً:
يعزُّ عليَّ أنْ تجدي كوجدي ... لأن الحبّ أهونه شديد
رأيتُ الحبَّ نيراناً تلظى ... قلوبُ العاشقين لها وقودُ
فليت لها أن احترقت تفانت ... ولكن كلما احترقت تعودُ
كأهل النار إنْ نضجتْ جلودٌ ... أعيدتْ للشقاء لهم جلودُ
وله أيضاً:
مالي وللناسِ كم يلحونني سفهاً ... ديني لنفسي ودينُ الناس للناسِ
الله يعلمُ ما تركي زيارتكم ... إلا مخافةَ أعدائي وحراسي
ولو قدرتُ على الإتيان جئتكم ... سحباً على الوجه لا مشياً على الرأس
وله أيضاً:
فديتكِ ليس لي عنكِ انصرافُ ... ولا لي في الهوى منك انتصافُ
وصالكَ عندي الشهد المصفى ... وهجركِ عندي السمُّ الزعافُ
أطوف بقصركم في كلِّ يوم ... كأنّ لقصركم خلقَ الطوافُ
فلولا حبكم للزمتُ بيتي ... ففي بيتي لي الراحُ السلافُ
وله أيضاً:
أيا منْ لا يرامُ له كلامُ ... فكيف سوى الكلام إذن يرامُ
ولا التسليمُ إلا من بعيدٍ ... فيشملني مع القوم السلامُ
أحبُّ اللوم فيها ليس إلا ... لذكرهم اسمها فيما ألامُ
ويدخل حبها في كل قلبٍ ... مداخل لا تغلغلها المدامُ
وله أيضاً:
لما رأيتُ السفين منحدراً ... يبعد عن ناظري أحبائي
وقفت أبكي على سواحلها ... فمن دموعي زيادة الماء
وله أيضاً:
ألا إن من أهواهُ ضنَّ بودهِ ... وأعقبني من بعد ذاك بصدهِ
فوا حزناً بعد المودة، إنه ... ليبخل عني بالسلام ورده
دعاني إليه حسنه وجماله ... وسحرٌ بعينيه وخالٌ بخدهِ
فلم أرَ مثلي صارَ عبداً لمثله ... ولا مثله مولى أضر بعبدهِ
وله أيضاً:
يا من تأنق باريه فصوره ... دعصاً من الرملِ في غصنٍ من البان
لم تتصل بعيونِ الناسِ لحظتُه ... إلا استوى كل إسرار وإعلان
وله أيضاً:
يا ذا الذي نقض العهودَ وملني ... قد كنتُ أعلم أن ذا سيكونُ
وله:
ومعشوق الشمائل والدلال ... كقرنِ الشمس في قد الغزالِ
تأزر بالملاحةِ وارتداها ... وسربل بالجمالِ وبالكمالِ
ذرى شمس تفرع في قضيبٍ ... ودعص نقا ترجرج في اعتدالِ
له في خده خالٌ مليحٌ ... بنفسي ذاك من خدٍّ وخالِ
وله أيضاً:
ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سراً وقد أمكنَ الهجرُ
فما الغبنُ إلا أنْ تراني صاحياً ... وما الغنم إلا أن يتعتعني السكرُ
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذاتِ من دونها سترُ
وله أيضاً:
ومستطيلٍ على الصهباء باكرها ... في فتيةٍ باصطباح الراحِ حذاقِ
فكل شيء رآهُ ظنهُ قدحاً ... وكل شخصٍ رآه قال ذا ساقي
وله أيضاً:
وكأسٍ كمصباح السماءِ شربتها ... على قبلةَ أو موعدٍ بلقاءِ
أتتْ دونها الأيام حتى كأنها ... تساقطُ نور من فتوقِ سماءِ
ترى ضوءها من ظاهرِ الكأسِ ساطعاً ... عليك ولو غطيتها بغطاءِ
وله أيضاً:
دع عنك لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الدواءُ
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتها ... لو مسها حجرٌ مستهُ سراءُ
رقتْ عن الماء حتى ما يلائمها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماءُ
وله أيضاً:
اشرب سلافاً كعين الديك صافيةً ... من كف ساقية كالريم حوراءِ
حمراء ما تركت صفراء إنْ مزجتْ ... تسمو بحظين من حسنٍ ولألاءِ
وله أيضاً:
ألا سقي أخاكَ من المدام ... فإنّ العيش إدمانُ المدام
وإن عذل العواذل لست ممن ... يجانب لذة خوف الإمام
حرامٌ كان أوله حلالاً ... فخلّ الحلَّ يذهب بالحرامِ
وله أيضاً:
لاح إشراقُ الصباح ... فاطردِ الهمَّ براحِ
أفٍّ لتارك لذاتِ ... الندامى للصلاح ...
قل لمن يبغي صلاحي ... بعتُ رشدي بالطلاح
ظفرتْ كفّ أريبٍ ... باعَ براً بجناحِ
أطيبُ اللذاتِ ما كا ... نَ جهاراً بافتضاحِ
وله أيضاً:
الخمرُ تفاحٌ جرى ذائباً ... كذلك التفاح خمرٌ جمدْ
فاشربْ على جامدها ذوبها ... ولا تدعْ متعةَ يومٍ لغدْ
وله أيضاً:
قامت تريني وأمرُ الليل مجتمعٌ ... صبحاً تولد بين الماءِ والعنب
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درَّ على أرضٍ من الذهبِ
وله أيضاً:
يا خاطبَ القهوةِ الصهباء يمهرها ... بالرطل تأخذُ منها وزنها ذهبا
قصرتَ بالراحِ فاحذر أن تسمعها ... فيحلفُ الكرمُ أنْ لا يحمل العنبا
إني بذلت لها ملما شغفتُ بها ... بالصاع صاعاً من الياقوت ما ثقبا
وله أيضاً:
كأنها بزلال الماء إذ مزجت ... شباكُ درٍّ على ديباج ياقوتِ
يديرها قمرٌ في طرفه حورٌ ... كأنما اشتق منه سحر هاروتِ
وله أيضاً:
تسل بالخمر عما فات مطلبه ... وإن يكن لام فيها العاذل اللاحي
حمراء صافية في لون جوهرة ... في طيب عنبره في طعم تفاح
من كف ذي غنج نمت محاسنه ... كالبدر ذي غنة ميسان مزاح
كأنه ما...... ... يمشي بها قمرٌ يمشي بمصباحِ
علي غييَّ فدعني من ملاك لي ... إن كان غياً فلي غيي وإصلاحي
وله أيضاً:
لا تحفلنَّ بقول الزاجر اللاحي ... واشرب على الورد من مشمولةِ الرأح
صهباء صافيةٌ تجديكَ نكهتها ... تنفس المسك ملطوخاً بتفاحِ
حتى إذا سلسلتْ في قعر باطيةٍ ... أغناك لألاؤها عن ضوء مصباحِ
أهدت........ ... والراح أشكل ما يهدي إلى الراحِ
وله أيضاً:
ما زلت آخذ روح الدن في لطفٍ ... وأستقي دمه من جوف مجروح
حتى أنتشيتُ ولي روحانِ في جسدي ... والدنَ مطرحٌ جسماً بلا روح
وله أيضاً:
لا تبكِ ليلى ولا تطرب إلى هندِ ... واشرب على الورد من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرت في حلق شاربها ... وجدت حمرتها في العينِ والخدَّ
فالخمر ياقوتةٌ، والكأسُ لؤلؤةٌ ... في كف لؤلؤة ممشوقةِ القدّ
تسقيك من يدها خمراً ومن فمها ... خمراً لك من سكرين من بدَّ
لي نشوتان، وللندمانِ واحدةٌ ... شيءٌ خصصتُ به من بينهم وحدي
وله أيضاً:
لا تثوينَّ على رسمٍ ولا طللِ ... وأقصد عقاراً كعين الديك ندماني
سلافُ دنٍّ إذا ما الماء خالطها ... فاحتْ كما فاح تفاحٌ بلبنانِ
كالمسك إنْ بزلتْ والسبك إنْ سكبت ... تحكي إذا مزجتْ إكليلَ مرجانِ
 
أعلى